المناجاة الإلهية من الحكم العطائية، شرح ابن عجيبة رضي الله عنه.

أنت الذي أشرقتَ الأنوار في قلوب أوليائك، وأنت الذي أزلت الأغيار عن قلوب أحبائك، وأنت المؤنس لهم حيث أوحشتهم العوالم، وأنت الذي هديتهم حتى استبانت لهم المعالم، ماذا وجد من فقدك؟ وما الذي فقد من وجدك؟ لقد خاب من رضي دونك بدلاً، ولقد خسر من بغى عنك متحوَّلاً.

أنت الذي أشرقت الأنوار في قلوب أوليائك حتى ظهر الحق وزهق الباطل، فعرفوك ووحدوك.
وأنت الذي أزلت الأغيار عن قلوب أحبائك فملأتها بأنوار شهودك فأحبوك و لم يحبوا سواك؛ لأنهم لم يشهدوه.
وأنت المؤنس لهم بحلاوة ذكركَ، وشهود نورك.

حيث أوحشَتهم العوالم فلم يستأنسوا بشيء منها، بل استوحشوا منها من حيث كونيّتها، واستأنسوا بصانعها والمتجلي فيها، فأبدلهم الله الأنسَ به في الخلوات، والمجالسةَ معه في الفلوات، بحلاوة المشاهدة والمكالمة والمساررة والمناجاة، وهذا هو النعيم المقيم، والفوز العظيم.

قال ذو النون المصري رضي الله عنه: بينما أنا أمشي في البادية إذ لقيتني امرأة، فقالت: من أنت؟ فقلت: رجل غريب، فقالت: وهل توجد مع الله غربة؟

وكتب مُطَرِّف بن عبد الله بن الشخير إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: وليكن أنسك بالله وانقطاعك إليه، فإن لله عبادا استأنسوا بالله، فكانوا في وحدتهم أشد استئناسا منهم مع الناس في كثرتهم، وأوحشَ ما يكون الناس آنسَ ما يكونون، وآنس ما يكون الناس أوحش ما يكونون.

أنت الذي هديتهم حتى استبانت لهم المعالم أي: أنت الذي هديتهم طريق الوصول إلى حضرتك، حتى استبانت: أي ظهرت لهم، معالم: أي علامات التحقيق، وهذا من الشيخ رضي الله عنه تعريض بالسؤال، وهو أعظم من التصريح، وكأنه يقول: إلهي، كما أشرقتَ الأنوار في قلوب أوليائك حتى عرفوك، وكما أزلت الأغيار من قلوب أحبائك حتى أحبوك، وكما آنستهم حيث أوحشتهم العوالم، وهديتهم حتى استبانت لهم المعالم، فأَشْرِقْ أنوار المعارف في قلبي حتى أعرفك، وأَزِلِ الأغيار من قلبي حتى أحبك، وآنسني بك حيث أوحشتني العوالم، واهدني إلى طريق التحقيق حتى تستبين لي المعالم، فأستغني بك عن كل شيء، وأجدك عندي كل شيء.

طالع أيضا  من درر الإمام | والمؤمنون في حبهم لله مراتب

ماذا وجد من فقدك؟ ولو ملك الدنيا بحذافيرها فهو أفقر الفقراء، كما قال الشاعر:

لكل شيء إذا فارقته عوضُ ** وليس لله إن فارقت من عوضِ

قيل للشبلي رضي الله عنه: أي الخسران أعظم؟ قال: من فاتته الجنة ودخل النار، فلما مات رُئِي في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: لم يطالبني بالبرهان والدعاوى إلا على شيء واحد، قلت ذات يوم: لا خسارة أعظم من خسران الجنة ودخول النار، فقال لي: وأي خسارة أعظم من خسران لقائي؟ أي شهودي ومعرفتي.

وما الذي فقد من وجدك؟ لقد ملك الوجود بأسره، واستغنى غنى لا فقر بعده آخر دهره.

لقد خاب من رضي دونك بدلا أي: لقد خاب وخسر من أحب شيئا دونك، ورضيه بدلا بك، وأنشدوا:

سهر العيون لغير وجهك باطل ** وبكاؤهن لغير فقدك ضائـع

أيظن أني فيك مشترك الهوى ** هيهات قد جمع الهوى بك جامع

بصري وسـمعي طائعان وإنما ** أنا مبصر بك في الحياة و سامع

ولقد خسر من بغى عنك متحوَّلا، أي: ولقد خسر من أوقفته ببابك، ثم طلب باب غيرك، وتحول إليه والتجأ إلى غير جنابك، فلا أخسر منه، ولا أبخس صفقة من تجارته، ترك باب الكريم، والتجأ إلى باب العبد اللئيم.