أجرى موقع الجماعة نت، حوارا مع الأستاذ ادريس بوكرين العمراني، الداعية والمهتم بقضايا التربية، حول موضوع حفظ اللسان باعتباره من الأخلاق التي تجمل المرأة والرجل معا، وباعتباره أيضا خلقا لا يراعى كثيرا في زمننا.

ولفت بوكرين من خلال هذا الحوار إلى أن العبودية لله تعالى بكل أنواعها، كانت عبودية الجوارح أم عبودية القلب والعقل هي القاعدة الصلبة التي تبنى عليها الأفعال والمواقف والفهم، وأن حفظ اللسان من عبادة الجوارح التي لا تتحقق إلا بالامتثال الكامل لما أمر الله به واجتناب ما نهى عنه.

كما أكد في الحوار ضرورة التمييز بين صمت الحكمة، وبين مجرد الخرس الشيطاني والسكوت عن الحق، عبر ميزان به نعرف متى يكون الكلام لغوا أو هو  كلمة حق تقال.

وذكر الأستاذ المحاور بعض الصور من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والصالحين التي تبرز خلق حفظ اللسان، وكيف يعتبرونه خلقا تنبني عليه الكثير من العبادات، وتترتب عنه العديد من المآلات.

فيما يلي نص الحوار:

ما المقصود بحفظ اللسان؟ وكيف يكون؟

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أتشرف بهذه الاستضافة الكريمة، وأشكر القائمين على هذا الموقع المبارك الذي هو بمثابة روضة من رياض الجنة، أدام الله له التوفيق والسداد، وأقول مستعينا بالله:

من الأصول والأساسيات التي يجب علينا أن نتخذها قاعدة صلبة، نبني عليها فهمنا وفعلنا وموقفنا، أن الغاية من خلق الله للإنسان هي العبودية: (وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون).

وقد فرض الله عز وجل على الإنسان العبوديةَ الكاملة: عبودية القلب والعقل والجوارح. وضمن عبودية الجوارح تندرج عبودية اللسان، التي تعارف عليها الناس بمصطلح “حفظ اللسان”، ونحن بصدد الحديث عنها هنا.

ومن معاني اللسان “اللغة”، قال تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ. إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ ــ سورة الروم آية22، ومن معاني الحفظ: الصون والرعاية والحراسة…

وبهذا المعنى يكون “حفظ اللسان”: صون لغته ورعاية دوره وعدم الخروج بوظيفته عن العبودية لله تعالى.

بناء على ما سبق، لا يتحقق حفظ اللسان إلا بالامتثال الكامل لما أمر الله به أو نهى عنه، ومن أصول ذلك:

ــ اختيار القول الأحسن وتجنب نزغات الشيطان، قال الله تعالى: وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ. إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ. إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًاــ53.

ــ ضرورة التثبت وتجنب التسرع في إصدار الأحكام والمواقف والشهادات: قال الله عز وجل: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ. إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًاــ 36   

 والآيات متعددة من مثل ما مسبق، ويكفي أن نذكر الكليات التي تتفرع عنها تفاصيل وجزئيات، مما نجده في التوجيهات النبوية الرشيدة وسير الصحابة والصالحين من هذه الأمة المرحومة.

طالع أيضا  الوصم الاجتماعي وانعكاساته على السلوك

ولعل حديث معاذ المشهور في هذا الباب، قد جمع أطراف الأمر وفصوصه، فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، قال صلى الله عليه وسلم: “لقد سألت عن عظيمٍ، وإنه ليسيرٌ على من يسره الله تعالى عليه” … فذكر له صلى الله عليه وسلم توحيدَ الله عز وجل والصلاةَ والزكاةَ وصومَ رمضان والحج والصدقة وقيام الليل والجهاد… ثم قال صلى الله عليه وسلم: “ألا أخبرك بمِلاك ذلك كله؟”، فقلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه وقال: “كف عليك هذا”، قلت: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟! فقال: “ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكُبُّ الناسَ في النار على وجوههم – أو قال: على مناخرهم – إلا حصائدُ ألسنتهم”. رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.

تكلتنا أمهاتنا إذن إن لم نجتهد حتى تكون حصائد ألستنا في الخير لا في الشر، لنا لا علينا.

في المحصلة فإن القاعدة الأساسية لحفظ اللسان، هي الحديث النبوي العظيم الذي رواه الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه “. رواه البخاري ومسلم.

فالحكمة والتوفيق في اختيار قول الخير أو الصمت، علما أن قول الخير مقدم على الصمت.

يقول الإمام عبد السلام ياسين: (يكتنف الإسلامُ المسلمَ في حضن العبادات جسمه أول ما يتناوله الإسلام. ويأمره الشرع بحفظ جوارحه. حفظ اللسان عن الغيبة والنميمة والفجور والزور. يتعلم اللسان أن يقول خيرا عندما تكون المقالة إيجابية. ويتعلم الصمت عندما يكون الصمت حكمة. يتعلم في مرحلة أخرى أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بعد أن يكون الناطق باللسان قد ائتمر وانتهى).” محنة العقل المسلم…” ص 47.

فيجب إذن أن يكون لنا ميزان، به نعرف متى يكون صمتنا حكمة أو مجرد خرس شيطاني وسكوت عن الحق، ومتى يكون كلامنا لغوا وزهوا، أو هو كلمة حق تقال عند سلطان جائر فهو إذن أفضل الجهاد…

ما السبل المعينة على الحفاظ على هذا الخلق وسط مجتمع فيه من البذاءة الشيء الكثير؟

هناك أمور عديدة تساعدنا على حفظ ألسنتنا واختيار حصائدها الإيجابية، منها:

ـ اللجوء إلى الله بالدعاء الدائم باستقامة ألسنتنا، فقد جاء عند البيهقي في “شعب الإيمان” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال:” لا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ”.

طالع أيضا  حفظ اللسان: عنوان الاستقامة وبرهان صدق الإيمان

ـ ترويض ألسنتنا وإشغالها بذكر الله عز وجل، وتلاوة القرآن، والصمت، والتفكر، وقراءة كل ما ينفع. عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي رَجُلٌ ذَرِبُ اللِّسَانِ، وَعَامَّةُ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِي، قَالَ: “فَأَيْنَ أَنْتَ مِنَ الاسْتِغْفَارِ، إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ رَبِّي فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ”.

ـ تجنب مجالس الغفلة إلا لضرورة مع يقظة، باعتماد حكمة “أحسن وسيلة للدفاع هي الهجوم”، وذلك من خلال توجيه أحاديثها بسلاسة وحكمة إلى أحاديث ذات معنى وهدف يرضي الله عز وجل، والحذر من الذوبان فيها أو تفجيرها بأسلوب عنيف غليظ غير رفيق ولا رحيم…

ورحم الله العبد الصالح “عبد الله بن أبي زكريا” الذي أُثِر عنه قوله: “إن ذكرتم الله أعنـّاكم، وإن ذكرتم الناس تركناكم”.

ـ ومن الأمور المساعدة أيضا تجنب سماع كلام بعضنا في البعض الآخر، فقد  قال صلى الله عليه وسلم: «لا يبلغني أحدٌ عن أحدٍ من أصحابي شيئًا فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر». رواه أحمد.

كيف يتعامل المرء في حال وجد في حياته من يؤذيه ويخاف على نفسه الانجرار إلى الرد؟

الإنسان في حياته لا يختار بالضرورة محيطه ولا ظروفه ولا عِشرته، فالحياة أساسا هي دار امتحان وبلاء، فيجب إذن على الواحد منا أن لا يغفل عن هذه الحقيقة، ومن المحتمل جدا أن يتعرض المرء في مراحل من حياته لأذى القريب والبعيد، وبمختلف المستويات. نسأل الله العافية دائمة، ونبذل الجهد لتجنب الأذى، لكن إذا قدر الله ووجدنا أنفسنا متعرضين لأذى الآخر، فلنحرص كل الحرص على أن لا ننزل إلى مستوى رد الفعل المسيء، فنرسب في امتحان الخيرية والرجولة، بل نتذكر الهدف والغاية، ونتذكر جزاء الصابرين ومقامهم عند الله، ولنبذل الوسع وبكل الوسائل المشروعة لإزالة الأذى دون أن نلحق الأذى بالآخر ما أمكن… فمنا من يريد الدنيا، ومنا من يريد الآخرة، ومنا من يريد رب الدنيا والآخرة، ولكل تصرفه وفق غايته ومقامه… وإذا علم الواحد منا باليقين أن القوة والربح هو في عدم الرد على الإساءة بمثلها، سهل عليه ضبط لسانه ومواقفه. فعدم الرد على الإساءة لا يعني الضعفَ إلا عند الجهلة وطلاب الجاه الوهمي في الدنيا. أما طالبي وجه الله فهم متصدقون بأعراضهم مشفقون على خلق الله، ولا يريدون أن تكون الهلكة لأحد على أيديهم، بل هم دوما متسامحون مع من ظلمهم أو آذاهم، وهذه هي الأخلاق السامية التي يجب على كل طالب للمعالي أن يتخذها أسوة ونموذجا…

فقد كان النموذج الآدمي الكامل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم “لَا يَزِيدُهُ شِدَّةُ الْجَهْلِ عَلَيْهِ إِلَّا حِلْمًا”. وهو صلى الله عليه وسلم القائل لأشج عبد القيس: “ِإنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ، وَالأَنَاةُ”.

طالع أيضا  الوصم الاجتماعي وانعكاساته على السلوك

ومن مظاهر الحلم عند الصحابة الكرام، أن رجلا شَتم أبا ذَرٍّ رضي الله عنه فقال: “يا هذا، لا تُغرق في شَتمنا ودَع للصُّلح مَوضعًا، فإنَّا لا نكافئ مَن عصى الله فينا بأكثر مِن أن نُطيع الله فيه”. وذاك ما فعله ابن عباس رضي الله عنهما مع رجل سبه، فقال: “يا عكرمة هل للرَّجل حاجة فنقضيها؟ فنكَّس الرَّجلُ رأسه، واستحيى ممَّا رأى مِن حِلْمه عليه”. وشَتم رجلٌ الشَعبَيَّ، فقال له: إن كنتَ صادقًا فغَفر اللهُ لي، وإن كنتَ كاذبًا فغفر الله لك. والأمثلة في تاريخ أمتنا المجيدة ورجالاتها وعلمائها الربانيين كثيرة، وأختم بمثال لعالم رباني معاصر وهو الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، إذ دخل عليه في إحدى مجالسه شاب مغضب مما يسمعه عنه من تشويه فقال: أنت كافر يا عبد السلام… فرد عليه الإمام بهدوء: اجلس يا ولدي وهون عليك… ثم قال، ها أنا سأسلم بين يديك: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله. أتشهد لي بها أمام الله…؟

قد يستطيع الإنسان السيطرة على لسانه في حال ظلم، لكنه أحيانا لا يستطيع أن يحافظ على صفاء قلبه تجاه ظالمه، فماذا يفعل؟

أعتقد أن المرحلة الأصعب هي السيطرة على اللسان وقت الغضب والتعرض للأذى والظلم، وما بعدها أهون، لكنه أخطر. فسيطرة المرء على لسانه يجب أن تثمر سيطرة على صفاء القلب ونقائه وسلامته. والبداية والعمدة على ذكر الله والاعتصام به. فعنْ سُلَيْمانَ بْنِ صُرَدٍ قَالَ: كُنْتُ جالِساً مَعَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم، ورجُلان يستَبَّانِ وأَحدُهُمَا قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ. وانْتفَخَتْ أودَاجهُ. فَقَالَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: إِنِّي لأعلَمُ كَلِمةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عنْهُ مَا يجِدُ، لوْ قَالَ: أَعْوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ذَهَبَ منْهُ مَا يجدُ فقَالُوا لَهُ: إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: تعوَّذْ بِاللِّهِ مِن الشَّيَطان الرَّجِيمِ. (متفقٌ عَلَيهِ). وعنْ مُعاذ بْنِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَنْ كظَمَ غَيظاً، وهُو قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالَى عَلَى رُؤُوسِ الْخلائقِ يَوْمَ الْقِيامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ مَا شَاءَ. رواه أَبُو داوُدَ، والتِّرْمِذيُّ).

ويسعدني أن أختم بفقرة مفتاح وهي صحبة الأخيار:

إن المعاني القلبية تسري من قلب سليم إلى غيره، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل”. ورحم الله الشيخ عبد القادر الجيلاني الذي ما فتئ يسدي نصيحته الغالية المستنيرة بالهدي النبوي: (اصحب أرباب القلوب حتى يصير لك قلب).