أولا: عتبة المفهوم

الوصم في اللغة العربية، هو العار والعيب، والعقد في العود، ويقال وصم فلانا أي: عابه، ولطخه بقبيح، تنقص من قدره، وفي الاصطلاح: حسب عالم الاجتماع “إرفينغ كوفمان” باعتباره أول من استعمله، يشير إلى وجود علامات جسدية، تكشف عن كل ما هو غير عادي وسيء من الناحية الأخلاقية للأشخاص الذي يمارسون سلوكا غير سوي من أجل تمييزهم على أنهم أشخاص منحرفون ومرفوضون اجتماعيا، وذلك بوضع علامات في صور “وشم”. وبذلك يعتبر الشخص الموصوم بوصمة اجتماعية غير مرغوب فيه ويحرم من التقبل الاجتماعي أو تأييد المجتمع له، لأنه شخص مختلف عن بقية الأشخاص، وهذا يظهر جليا في خاصية من خصائصه الجسمية أو العقلية أو النفسية أو الاجتماعية.

فمفهوم الوصم إذن، هو تلك العملية التي تنسب الأخطاء أو الآثام التي تدل على الانحطاط الخلقي إلى أشخاص في مجتمع ما، فتصفهم بصفات بغيضة وسمات تجلب العار وتثير حولهم الشائعات، وبالتالي يصير الشخص مرفوضا اجتماعيا وميئوس منه.

ثانيا: ماذا بعد الوصم؟

ينصرف كثير من الناس إلى اعتبار أي فرد خارج على القاعدة الاجتماعية منحرفا ومجرما وغير مرغوب فيه، فيلجؤون أحيانا إلى السب والشتم، وأحيانا أخرى إلى الضرب والزجر والتهميش والإقصاء من المجتمع، مما يجعله يعاني من التفرقة والمعاملة السيئة ربما من أسرته أو أساتذته أو جماعة أقرانه وأصدقائه أو محيطه الاجتماعي ككل، وهم يعتقدون في تمثلهم إلى أن ذلك سيعدل من سلوكه ويحسنه وبالتالي سيعود إلى الصواب، والواقع أن ذلك لا يزيد الطين إلا بلة، ويجعل المنحرف يعود لعالم الإجرام والانحراف، وهذا يزداد يوما بعد يوم في واقعنا المعاش، من سوء تعامل يصدر من أب داخل الأسرة أو أستاذ داخل المدرسة أو صديق في المجتمع أو سوء تأطير من الدولة بمختلف مؤسساتها بما فيها الإعلام.

طالع أيضا  ذ. بوكرين: عبودية القلب والجوارح والعقل القاعدة التي يبنى عليها "حفظ اللسان"

ومن الأكيد أن هذا التمثل راجع بالأساس إلى الثقافة المجتمعية، إذ نجدها منتشرة في الكثير من الأقطار وبصيغ وعبارات وأشكال مختلفة، إذ يتم الضغط على الواقع الاجتماعي وقطف كل ما هو جميل ومحبوب، في اتجاه جعل الحياة الاجتماعية تتحول إلى بيئة مستفزة للفرد مما يعزز العودة من جديد إلى العادة القديمة، ويستمر الصراع بين الفرد ومجتمعه، ويكفي أن نساءل هؤلاء المجرمين يوما ونصيخ السمع لهم، ونفهم نداءاتهم ورسائلهم التي يبثونها عبر سلوكاتهم وتصرفاتهم، فسنجد على أن سبب انحرافهم وإدمانهم على المخدرات والسرقة وهلم جرا من كل أشكال وصور الانحلال الأخلاقي، هو العار الذي لحقهم من المجتمع أولا وأخيرا.

ثالثا: صور من الوصم في واقعنا

هكذا يتخذ الوصم أشكالا وأنواعا، فمن مظاهر الوصم الرسمي مثلا ولعله أكثر تضررا، سوء التأطير والمنع والقمع وهدر الطاقات الذي تتعرض له شبيبتنا المغربية مع كامل الأسف، وهذا ما يخلق ما يسمى في الأدبيات السياسية بعزوف الشباب عن السياسة. أما الوصم غير الرسمي فيتمثل بالأساس في المقاطعة والشعور بالطرد الاجتماعي والنبذ وتخلي المجتمع عنه وفقدان الحرية، وهجر الزوجة والأولاد والأقارب وعدم تشغيله أو اشتراكه والتعامل معه في كافة أنواع التعاملات بنظرة الشك والتشكيك وقابلية التشكيك في كل ما يصدر منه، ولعل الصورة تكون واضحة أكثر حين نشاهده داخل الأسر، فالفرد حينما يرسب مثلا في صفه الدراسي أو يحصل على نقطة ضعيف، بدل أن ننصحه ونوجهه ونساعده على تدارك الأمر، فإننا نصب عليه وابل من السب والشتم “كسول” أو “دمدومة”…. أو نلقنه دراسا بجعله يقوم بأعمال شاقة أو شيء من هذا القبيل. مشهد آخر قد نجده داخل الحقل الدراسي كأن نجعله أو نصنفه في صف يدعى صف ال”كسالى” أو ال”مشاغبين” وهذا نجده كثير وإن كان بصيغة أقل في أوساطنا الاجتماعية، وكأنه ملاك معصوم أو شيء من هذا القبيل، وإذا كان الأمر على هذا النحو والحالة هذه، فلنا أن نتساءل عن واجبنا اتجاههم كدولة وأسرة وأصدقاء وأساتذة وفاعلين ونشطاء.

طالع أيضا  حفظ اللسان: عنوان الاستقامة وبرهان صدق الإيمان
رابعا: ما العمل إذن؟

إن الإنسان بطبيعة معرض للوقوع في الخطإ والتقصير وارتكاب المعصية، والوصم مخالف للنصوص الشرعية ويتنافى كليا مع سماحة الإسلام، وفتح باب التوبة للمسيء، لأن الوصم قد يكون في بعض الأحيان جهلا بالنصوص الشرعية والأحكام والقوانين التي تنهى عن التنابز واللمز والغمز. وعلى هذا الأساس فواجب علينا جميعا أن نغير نظرتنا تجاه أفراد مجتمعنا من منحرفين وذوي احتياجات خاصة، وأن نغض الطرف عن زلاتهم وتقويم ما يمكن تقويمه، وقبول اختلافهم عنا في اللون أو الجسم أو اللغة أو الدين، بعيدا عن كل أشكال الوصم والوشم، ومعاملتهم بأساليب حضرية وراقية خارج منطق الزجر والعقاب والإكراه الذي هو من سمات الأنظمة الاستبدادية.

لا ينبغي أن نقف أمام أفراد مجتمعنا موقف اللاعنين أو المنفرين أو المكفرين أو أي شكل من أشكال الإبعاد والتهميش، بل يجب أن نقف وقفة تأمل وإصغاء وتقويم لمختلف سلوكاتهم، ونحاورهم بالتي هي أحسن وألطف، من أجل الإسهام في بناء مجتمع ينعم بالحب والأمان والسلم والحرية، وتطهيره من الجرائم والانحراف والفساد الأخلاقي، وبناء جيل يصنع مستقبل جديد وغد أفضل.