علق الدكتور خالد العسري على ما تعرفه كل من الجزائر والسودان من حراك شعبي رافض للأنظمة الحاكمة، بقوله: “التاريخ يتقدم، لكنه يتقدم في خط غير مستقيم. ربما تشكل هذه المقولة جسرا لفهم حراك الشعوب في العالم العربي سنة 2011، وما يقع اليوم في الجزائر والسودان. لقد حرصت الأنظمة الديكتاتورية والسلطوية في العالم العربي منذ ما بعد الاستقلال الوطني على ضبط الحياة السياسية، وصناعة وهم التعددية السياسية من خلال الحفاظ على آلية الانتخابات، لكنها تفقدها جدوائيتها من خلال التحكم في مخرجاتها، وتزوير نتائجها لصالح حزب السلطة، وحظر كل القوى السياسية التي تجادل السلطة في أس مشروعيتها”.

وعن سيرورة هذا الحراك على خطى الموجة الأولى لما عرف بـ”الربيع العربي”، أوضح الباحث في القانون الدستوري والعلوم السياسية، في تصريح لموقع الجماعة.نت أن “حراك الشارع المستأنف في كل من الجزائر والسودان هو تأكيد أن منطق الإصلاح من الداخل فقد كل أمل فيه، لذلك كان اختيار اللجوء إلى الشارع باعتباره القوة الموازية لسلطة النظام السياسي”.

ونبه العسري إلى أحد أكبر المشاكل التي واجهت الحراكات الشعبية في الدول العربية المتمثلة في تحدي الجيش وانقضاضه على الحكم بقوة السلاح؛ “لقد تحرك الشارع في كل من السودان والجزائر ليعيد السلطة إلى صاحبها الأصلي: الشعب. هذا الشعب الذي تحدى الآلات القمعية ليسقط التمثيليات الزائفة عنه من كرسي الرئاسة، لتبدو بعده المعضلة الأساسية مع كل حراك شعبي: الجيش.”

وفي هذا الصدد يرى أن “حتى التفكير في الانتصار على الجيش يشكل خطوة أولى لتفتيت الدولة، والشعوب المنتفضة ترسل رسائلها الواضحة من خلال شعارها الجامع أنها تريد إسقاط النظام لا الدولة. وكل مواجهة بين الشارع والجيش ستكون خطيرة على مستقبل البلدين، فالجيش يظل العمود الفقري الضامن لوحدة الدولة، وانهياره يعني إشاعة أدوات العنف على المجتمع عوض احتكاره من الدولة، وتكون الشاكلة هي نماذج سوريا، وليبيا، واليمن”.

طالع أيضا  ذ. عبادي: الإسلاميون الذين جاء بهم الربيع العربي أُفشلوا ولم تعطهم الفرصة

ولتجاوز هذا السيناريو المضعف لقوى الدولة، والذي من شأنه أن يرهن الدولة إلى قوى خارجية لا ترى في المناطق العربية إلا خزانا للثروة تتصارع للاستيلاء عليه، أكد العسري أن “هذا التهديد الخطير لوحدة الدولة، هو ما جعل السلمية في الوعي الجمعي للشعوب المنتقضة اختيارا استراتيجيا مشتركا. ذلك أن الدولة في المرحلة الانتقالية تعيش حالة سيولة وتردد وانفتاح على احتمالات متعددة، ونجاحها في تجاوز هذه المرحلة الحرجة مشروط ابتداء بتوافق فعلي بين مختلف القوى المجتمعية على عدم “تسليح السياسة” أو “تسييس السلاح” من خلال الاستبعاد القطعي لفكرة تسليح “مدنيين” أو استدعاء الجيش من معسكراته. إن العجز عن تحقيق هذا الرهان المصيري يسقط الدولة في أتون حرب أهلية تثبت مختلف الوقائع التاريخية أنها تبدأ من مستصغر الشرر، لكنها لا تنتهي إلا بعد أن تستنفذ مختلف الهيئات المتصارعة قوتها، فترتهن إراداتها إلى قوى خارجية تدعمها عسكريا وسياسيا مقابل مصالح محددة، ففي السياسة ليست ثمة صداقات”.

وأضاف العسري، باسطا المخرج السليم لحراك البلدين، “إن تحصين الحراك من العنف، واستبعاد الجيش استقواءه بالسلاح يشكل خطوة مهمة في التأسيس لمسار البناء الديمقراطي. إن البلدان يختزنان معا تجارب طويلة ومريرة مع الانقلابات العسكرية، وتبدو الأحداث الراهنة فرصة لبناء جسور الثقة، وهو ما يستدعي مصابرة في الشارع، مع المرونة الصلبة في الأداء مع العسكر، فالمخرج هو تسويات تاريخية تستفيد من تجارب دول أمريكا الجنوبية، وهذه التسويات تتحرك بمنطق “الثورة الإصلاحية” أو “الإصلاح الثوري”، حيث يتم التوافق بين النخب القائدة للمفاوضات تحت أعين شارع يقظ”.

وختم العسري بأمله في أن يستفيد حراك البلدين من أخطاء سابقيه، وينجح في إخراج نظام جديد يضمن للشعوب الحرية وللبلد الاستقرار، وهو ما من شأنه أن يعيد الأمل لبقية الشعوب، قائلا: “إن نجاح الحراك في كل من السودان والجزائر يعيد الأمل إلى الشعوب بإمكانية خط مسار يتجاوز اختيار الاستقرار أو الحرية، بل يستطيع المزج بين الحرية والاستقرار معا، وذاك المؤمل”.

طالع أيضا  ذة. جرعود: حركة الشارع تعبير عن رغبة في التغيير تحتاج فعلا قاصدا ومطالب محددة وقيادة جامعة