“ثمة في المغرب الراهن مشكل مزمن، مشكل يحتل الصدارة ضمن مجموعة المشاكل الأخرى التي لم تعرف بعد طريقها نحو المعالجة الجدية والحل الصحيح، إنه مشكل التعليم…”. هكذا بدأ د. محمد عابد الجابري كتابه المعنون بـ: “أضواء على مشكلات التعليم بالمغرب” في طبعته الأولى سنة 1973 أي منذ أكثر من ثلاثين سنة، وبعد سبعة عشر عاما بالضبط من حصول البلد على “الاستقلال”.

ويبقى الداعي إلى رجوعنا إلى هذا الكتاب، علاوة على رمزية الزمن بينه وبين “الاستقلال” وبيننا وبينه، أنه تحدث فيه عن مسألة التعريب، وذلك في إطار ما عرف آنذاك بالمبادئ الأربعة: التعميم والتوحيد والتعريب ومغربة الأطر.

أما الذي يهمنا هنا فأمران:

1- السياقات التي ذكرها والتي جاءت فيها إصلاحات التعليم في عهد الحماية، وبُعَيد الاستقلال ونقاط التلاقي فيما بينها، والتي تتلخص في: تثبيت الجمود الذي كانت تعيشه المدارس الإسلامية التقليدية القرويين خاصة، وقد أورد الكاتب كمثال على ذلك نص الظهير الصادر عن المولى محمد بن عبد الله (1757-1790) الذي يقول فيه “ومن أراد أن يخوض في علم الكلام والمنطق وعلوم الفلسفة وكتب غلاة الصوفية، وكتب القصص، فليتعاط ذلك في داره مع أصحابه الذين يدرون بأنهم لا يدرون. ومن تعاط ما ذكرناه في المساجد، ونالته عقوبة فلا يلومن إلا نفسه” (ص9)، وهو ما يعني القطع مع تلك النهضة الفكرية القادمة من الشرق، وهذا أولا.

وثانيا تثبيت وتشجيع المدارس الناطقة بغير اللغة العربية، الفرنسية بالنسبة للمدارس الإسرائيلية، وباقي اللغات بالنسبة لمدارس الجاليات الإسبانية والإنجليزية علاوة على إحداث المدارس المغربية الفرنسية والمدارس الفرنسية، وكلها مدارس تقدم تعليما غربيا.

في حين تكون النقطة الثالثة والتي كانت تهم البوادي المغربية خاصة الأطلسية، هي: إغلاق الكتاتيب القرآنية وإحداث مدارس فرنسية-بربرية تقدم موادها باللغة الفرنسية، الغرض منها فصل العنصر الأكبر من الشعب المغربي عن امتداداته العربية الإسلامية فصلا حضاريا شاملا (انظر الصفحة 29)، ولأهمية هذه النقطة “نترك الكلمة للموسيو مارتي (بول مارتي صاحب كتاب مغرب الغد/ 1925) يحدثنا عنها.. لقد تعرض إلى هذا النوع من المدارس بتفصيل، فبين نشأتها والأهداف المتوخاة منها: هو يشرح أولا، كيف أن هذه المدارس  (المدارس الفرنسية/ البربرية) قد تولى فتحها أول الأمر، في البادية المغربية وبكيفية خاصة في المناطق الجبلية جهاز الاحتلال العسكري من ضباط وكتاب في القيادة العامة للجيش الفرنسي وبإشراف المكلفين بالحرب السيكولوجية، مما جعلها تنتمي في أول أمرها إلى “الأنظومة الاستعمارية” أنظومة حرف (د) التي تسبق التنظيم المنسق. وهذا يعني بكامل الوضوح أن هذه المدارس كانت عند نشأتها عنصرا من عناصر الاحتلال العسكري، عنصرها السيكولوجي بصفة خاصة -إن المدفع يدفع الثوار والمدرسة تجلب السكان- كان ذلك هو شعار دهاقنة الاستعمار الفرنسي والمخططين لسياسة الاحتلال (ص30).

طالع أيضا  في وقفة احتجاجية أمام البرلمان.. طلبة المغرب يجددون رفض مشروع القانون الإطار 51.17

2-  طبيعة النخب المشاركة في هذه العملية، ثم من جهة ثانية الأسباب التي جعلت مهندسي هذه الخطة “الإصلاحية” يحيدوا عن عنونتها بكلمة واحدة (هي مغربة التعليم مثلا) يجمع كل هذه المبادئ بل ويحصنها.

حيث قال “إنما هي حلول توفيقية وسطى توفق بين الاتجاهات السائدة (يقصد الاتجاه “الحداثي” والتقليدي…) وتعكس أمرا واقعا فرض نفسه (…) إنها مبادئ تكرس التعدد والازدواجية وتفسح المجال واسعا للتراجع عن التعريب بدعوى مغربة الأطر أولا وعن التعميم بدعوى انخفاض المستوى بسبب التعريب، وعن التوحيد بدعوى فسح المجال للمدارس الحرة والتعليم الأصلي ليساهم كل منهما في تعميم التعليم، مما يهيئ تعليمنا ليبقى في دائرة مفرغة.. والنتيجة رجوعه إلى ما كان عليه أيام الحماية، أي استمرار كونه تعليما للنخبة” (ص 68).

لن نفهم هذا النص حقيقة إلا إذا قرأنا الفقرات التي سبقته، لكن رغم ذلك ألا ترون معي أنه يقف على نفس الحالة والأهداف التي تقف عليها مخططات الوقت الراهن.

ثم أي نخبة يقصد:

في المجمل يطالعنا الفيلسوف المغربي على أن النخبة التي تولت زمام الأمور عقب الاستقلال، تنتمي إلى العائلات الارستقراطية، والبرجوازية الناشئة، التجارية منها والعقارية والزراعية، أي هي نفسها التي: تمخض عنها تعليم الحماية الفرنسية في المغرب.

لقد كانت نخبة تنتمي إلى الغرب تكوينا وفكرا بل وثقافة، مشدودة إلى البلد عرقا وأرضا، مما جعل كل قراراتها توفيقية تلائم طبيعة فكرها، لتكون الحلول المرصودة لهذا النوع من المشاكل ذات العمق الحضاري سريعة وسطحية، ارتجالية ومؤقتة وهو ما حصل بالفعل.

إذن هل يمكن القول بفشل التعريب والعربية في بناء الحضارة والإنسان في مغرب ما بعد “الاستقلال”؟

نستطيع القول إن مسألة التعريب كانت ولا تزال أكذوبة انطلت على المغاربة، ولعل هذا مما لا يحتاج إلى كثير بيان، فالجامعات والمعاهد والشركات والجماعات الحضرية كما القروية، والطبيب والمهندس و.. بل وإعلانات الشركات والمقاهي والحمامات والدكاكين، وحتى حلوى الأطفال وفي كل أنحاء البلد لا تتحدث إلا الفرنسية.

طالع أيضا  التكوين المستمر للمدرسين المغاربة... الحلقة المفتقدة

أما التعليم فكيف للغة يشرع في تدريسها في السنوات الأولى للتعليم، وبحصص تعادل اللغة الأولى دستوريا، وتفوق بكثير اللغة الثانية دستوريا أيضا، ويدفع إلى شعبها أنجب التلاميذ… كيف يمكن أن نقول إنها لغة ثانية، فقط ننفتح بها على العالم والعلوم.

إن التعليم المغربي لم يعرف وحتى هذه اللحظة طريقه إلى التعريب، بل لنقل إلى الوطنية والمواطنة، لنكون أمام عملية ترسيم المرسم ليس إلا، وبه تبقى كل المبررات من مثل مواكبة الطفرة العلمية وغير ذلك من  متطلبات الضرورة الشعرية ليس إلا.

إننا نحتاج حقيقة وفي ظل هذا الاستلاب الذي باتت مسرحياته بئيسة بؤس ممثليها، نحتاج إلى اليقين بأن الهوية هي نحن وأننا لن تكون لنا كائنة إلا بهويتنا التي تشكل اللغة العربية أحد أعمدتها.