نشرت قناة الشاهد الإلكترونية حلقة جديدة من حلقات سلسلة “الرحمة المهداة”، التي يقدمها الأستاذ سعيد ضياء.

“ما استعلى وما استكبر صلى الله عليه وسلم”، كان عنوان هذه الحلقة، التي سلط من خلالها الأضواء على تواضع الرسول صلى الله عليه وسلم، فعلى الرغم من رفعة قدره ورفعة منزلته، وكمال خلقه وخلقه كان صلى الله عليه وسلم شديد التواضع، ولم يكن يساور قلبه الشريف كبر ولا بطر، ولم تكن تحدثه نفسه الطاهرة بعلو في الأرض أو ازدراء للبشر.

ووقف ضياء مع الحديث الذي يرويه الإمام الحاكم في مستدركه عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه يوم الفتح فكلمه فأخذته الرعدة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “هون عليك، فإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد”. وفي رواية أخرى عند ابن ماجه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: “هون عليك فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد”.

واسترسل صاحب البرنامج في تعليقه على الحديث يقول “نعم أيها الأحباب، النفوس اللئيمة تستلذ موقفا كهذا، والقلوب السقيمة تستلذ تخويف الناس وترويع الناس وإرهاب الناس، لكن القلوب السليمة والنفوس الرحيمة هذا شيء يزعجها، هذا شيء تستقذره، هذا شيء يؤلمها، لذلك فسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى الرجل وقد ارتعدت فرائصه وارتعدت أطرافه، قال له يا هذا هون عليك، أنا لست بملك، أنا رجل كسائر الرجال، أمي كانت من قريش وكانت تأكل كنساء قومها القديد”.

ومن تواضعه صلى الله عليه وسلم، أنه كان يوقف من تسول له نفسه أن يرفعه فوق قدره؛ واستشهد مقدم البرنامج بواقعة وقت له صلى الله عليه وسلم بينما هو بين أصحابه ذات يوم، إذا برجل يأتي فيقول يا محمد يا سيدنا وابن سيدنا يا خيرنا ويا ابن خيرنا، فيقوم النبي صلى الله عليه وسلم مغضبا ويخطب في الناس ويقول لهم: “أيها الناس، أيها الناس عليكم بتقواكم، لا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله عبد الله ورسوله وما أحب أن ترفعوني فوق المنزلة التي أنزلنيها الله”.

كان من تواضعه صلى الله عليه وسلم أنه تأتي الأَمَة من إماء المدينة والجارية من جواريها، تأتي فتأخذ بيده الشريفة، فيتبعها صلى الله عليه وسلم ويمضي معها حتى تحكي له قصتها وتروي له تفاصيلها، وتشكوا له شكواها، وهو يستمع صلى الله عليه وسلم، لا ينهرها ولا يبتعد عنها ولا يمتنع مع أنه صلى الله عليه وسلم قائد الدولة الإسلامية الأعظم، إمامها الأكرم صلى الله عليه وسلم، يقول معد البرنامج.

طالع أيضا  الرحمة المهداة (2): الجمادات تسلم على رسول الله

ثم يضيف أنه صلى الله عليه وسلم كان يجلس مع أصحابه كواحد منهم، وكان يجلس حيث انتهى به المجلس، بل في بعض الأحيان يجلس بين ظهرانيهم حتى يأتي الغريب فلا يعرفه، ليس له كرسي خاص وليس له شكل خاص وليس له لبس خاص وليس له هيئة خاصة، وكان يقول صلى الله عليه وسلم: “إنما أنا عبد أجلس كما يجلس العبد وآكل كما يأكل العبد”.

وكان صلى الله عليه وسلم يأكل مع أصحابه ما يأكلون، ويشرب معهم ما يشربون، وفي كثير من الأحيان يأكل فضلتهم، ويشرب فضلتهم، ففي الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري، سيدنا أبو هريرة رضي الله عنه يخرج يوما وقد عصب بطنه بحجر من شدة الجوع، قال خرجت إلى طريق الناس لعل أحدهم يأخذني إلى بيته، فالتقيت أبا بكر رضي الله عنه وسألته عن آية في كتاب الله لعله يقول اتبعني، ولكنه لم يفعل. ثم جاء عمر فسألته عن آية في كتاب الله فلم يقل لي اتبعني، حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف ما بي، فقال لي “اتبعني يا أبا هريرة”، ذهب إلى بيته إلى أحد بيوت نسائه فوجد إناء لبن أهداه له الجيران، فقال يا أبا هريرة “اذهب واتني بأهل الصفة”، -وأهل الصفة هم أفقر أهل ذلك الزمان، هم ضيوف الإسلام، مأواهم وبيتهم وسكناهم هو المسجد، يأكلون من صدقات المسلمين وهداياهم- يقول سيدنا أبو هريرة والله أقول في نفسي ما يكفي هذا الإناء لي ولا، لو كان أعطاني جرعة أتقوى بها ليلتي ويومي، ولكن ما من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بد، قال وذهبت وأتيت بأهل الصفة فدخلوا وأخذوا مجالسهم فابتسم النبي صلى الله عليه وسلم وقال لي يا أبا هريرة خذ وأعطهم، قال فأعطيتهم واحدا واحدا، فلما شربوا عن آخرهم  قال يا أبا هريرة من بقي، قال قلت أنا وأنت بأبي وأمي يا رسول الله، فقال يا أبا هريرة “أشرب”، قال فشربت، قال: “إشرب”، فشربت، قال: “إشرب”، فقلت له والله يا رسول الله ما أجد له مسلكا، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الإناء، وشرب هو الفضلة صلى الله عليه وسلم.

كان صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم بأمر كان أولهم، بنى المسجد معهم، حمل اللبِن معهم، حين كانوا يحفرون الخندق كان يحفر معهم، ويحمل التراب حتى وارى التراب بياض بطنه الشريف صلى الله عليه وسلم، كان يعلمهم ويعلمنا أن التواضع رفعة وأن الكبر مذلة، وأن من تواضع لله رفعه، ومن تكبر على الله وعلى خلق الله قصمه، فاللهم صل على سيدنا محمد في الأولين وصل على سيدنا محمد في الآخرين، وصل على سيدنا محمد في الملأ الأعلى إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.

طالع أيضا  الرحمة المهداة.. حنين الجدع إلى رسول الله