لفت الدكتور محمد منار، المتخصص في القانون الدستوري والعلوم السياسية، إلى أن الجزائر وبالتحديد ابتداء من تاريخ 09 أبريل 2019، تمر من لحظة تاريخية دقيقة، يطبعها التعارض بين توجهين؛ “انتقالي” و”تأسيسي”، الأول يستند على المادة 102 من الدستور، وبموجبه تم تعيين رئيس مجلس الأمة رئيسا مؤقتا للدولة، والثاني يستند على المادتين 7 و8، اللتين تجعلان الشعب مالك سيادة ومالك السلطة التأسيسية ومصدر كل سلطة.

واسترسل عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان بعد بسط كل من التوجهين، في تدوينة مطولة يوم أمس 10 أبريل على حائطه الفيسبوكي، معتبرا أن التوجه التأسيسي قد يكون انتقالا بالنظر إلى إستناده إلى الدستور الجزائري الحالي؛ خاصة المادتين ٧ و٨. وقد يصبح التوجه الانتقالي تأسيسيا، ليس فقط بشرط قبوله من الحراك الشعبي، ولكن أيضا من خلال توفر يقظة شعبية وسياسية تسيج مسار الانتقال، وتحفظه من الانفلات والالتفاف معا.

وهذه تدوينته كما وردت في حائطه:

الجزائر.. انتقال أم تأسيس؟

في تدوينة سابقة أشرت إلى أن الحراك الذي انطلق بالجزائر في ٢٢ فبراير سيكون له ما بعده، وأن المطالب الشعبية قد لا تنحصر في مطلب عدم ترشيح بوتفليقة لعهدة خامسة. وبعد سبع جمعات من تلك الانتفاضة الشعبية المباركة، كانت الحصيلة الأولية أن فشلت، أمام ضغط الشارع، كل المحاولات الرامية لاستمرار بوتفليقة في الرئاسة، ليتم الإعلان عن استقالة هذا الأخير من منصبه، بعد أن أعلن أحمد القايد صالح، رئيس الأركان، بتاريخ ٢٦ مارس وجوب تطبيق المادة ١٠٢ من الدستور.

اليوم، وبالتحديد ابتداء من تاريخ ٩أبريل ٢٠١٩، تمر الجزائر من لحظة تاريخية دقيقة، وليس صدفة أن يتزامن هذا التاريخ مع استعمال خراطيم المياه لأول مرة لتفريق المحتجين. هي لحظة دقيقة يطبعها، كما يبدو لأول وهلة، التعارض بين توجهين: توجه “انتقالي”، يتأسس على المادة ١٠٢ من الدستور، التي على أساسها تم تنصيب منقوص لعبد القادر بن صالح، باعتباره رئيس مجلس الأمة، رئيسا مؤقتا للجزائر لمدة ٩٠ يوما. تنصيب منقوص ليس بالمعيار الشعبي فحسب ولكن بالمعيار الرسمي أيضا، بالنظر إلى مقاطعة بعض الأحزاب السياسية لجلسة التنصيب التي عقدها مجلس الأمة في ٩أبريل. ذلك التوجه الأول، أما التوجه الثاني، فقد يبدو أنه “تأسيسي”، يتأسس على المادتين ٧ و٨ من الدستور، اللتين تجعلان من الشعب مالك السيادة ومالك السلطة التأسيسية ومصدر كل سلطة. وإذا كان التوجه الأول توجها رسميا، فالتوجه الثاني هو توجه الحراك الشعبي، الذي عبر عن رفضه القاطع لرموز النظام؛ في مقدمتها رئيس مجلس الأمة ورئيس الحكومة ورئيس المجلس الدستوري.

طالع أيضا  ذة. جرعود: حركة الشارع تعبير عن رغبة في التغيير تحتاج فعلا قاصدا ومطالب محددة وقيادة جامعة

يبقى التوجه “الانتقالي” أكثر عرضة للالتفاف عليه، بل يرى فيه الشباب في الميدان مجرد استمرار للنظام الذي طالبو برحيله كاملا. لكن التوجه “التأسيسي” هو الآخر يبقى عرضة للالتفاف، بالنظر إلى ضعف المعارضة وعدم مصداقية الكثير من أحزابها من جهة أولى، و إلى الموجة المضادة للربيع العربي التي تقودها قوة إقليمية ودولية من جهة ثانية، و إلى الطموحات غير المطمئنة لبعض قادة الجيش من جهة ثالثة. ولعله ليس من الصدفة أن ينتقل رئيس الأركان الجزائري من الحديث عن المادة ١٠٢ في الدستور إلى الحديث أيضا عن المادتين ٧و٨.

تكمن قوة التوجه “التأسيسي” في كونه يمثل اختيار الحراك الشعبي، لكن يلاحظ افتقاد تصور تأسيسي يؤسس لسلطات جديدة ويؤمن من الوقوع في فراغ مؤسساتي أثناء ذلك التأسيس، كما يلاحظ غياب قوة مدنية ومنظمة ساندة لذلك التصور ومتيقظة لتطبيقة. نعم قدمت بعض الأطراف وبعض الشخصيات أوراقا بخصوص خطوات وإجراءات تأسيسية، لكنها تبقى اقتراحات متفرقة ومبعثرة وغير مجمع عليها.

ويضمن التوجه “الانتقالي”، رغم خطر الالتفاف الذي يتهدده، تأمين الاستمرار المؤسساتي، مع العلم أن شرعيته الدستورية لا توازيها شرعية سياسية و شعبية. لكن إذا علمنا أن للفراغ المؤسساتي خطورة كبيرة، لما يمكن أن ينتج عنه من انزلاق نحو الفوضى والعنف من جهة أولى، ومن كون القوة المرشحة لملء ذلك الفراغ هم بعض قادة الجيش من جهة ثانية. يمكن إعادة التفكير في التوجهين.

قد يكون التوجه التأسيسي انتقالا بالنظر إلى استناده إلى الدستور الجزائري الحالي؛ خاصة المادتين ٧ و٨. وقد يصبح التوجه الانتقالي تأسيسيا، ليس فقط بشرط قبوله من الحراك الشعبي، ولكن أيضا من خلال توفر يقظة شعبية وسياسية تسيج مسار الانتقال، وتحفظه من الانفلات والالتفاف معا، انفلات نحو العنف المدمر أو التفاف تتبخر معه ٱمال الشعب في تغيير حقيقي نحو الحرية والعدالة والكرامة، أو على الأقل، بالنظر إلى الظروف المحيطة، تحقيق تقدم مهم نحو ذلك. إن الحراك الشعبي لا يعترض على مسار الانتقال الذي يضمن نوعا من الاستقرار المؤسساتي الضروري، ولكن يعترض، وبقوة، على أن تقود ذلك المسار نفس الوجوه القديمة للنظام السابق. لكن تغيير الوجوه القديمة بوجوه جديدة لا يكفي. بتعبير أوضح تغيير الرئيس المؤقت المنصب حاليا بشخصية أخرى من مجلس الأمة أو المجلس الدستوري أو من خارجهما لا يكفي، مهما كان الاجتهاد في إيجاد صيغ دستورية لذلك. يجب، بالإضافة إلى تغيير الوجوه، أن تكون هناك مبادئ ميثاقية يلتزم بها الشعب والقوى السياسية والجيش والمؤسسات الموجودة. وفي مقدمة تلك المبادئ حفظ مكانة الجيش وتأكيد مسؤوليته في حماية الدولة والشعب، لكن دون جعله متحكما في مسار التحول السياسي. لقد أثبتت التجارب العربية أن تحكم قادة العسكر في مسار التحول السياسي ينتهي إلى عودة السلطوية في أبشع صورها.

طالع أيضا  ذ. عبادي: الإسلاميون الذين جاء بهم الربيع العربي أُفشلوا ولم تعطهم الفرصة

هذا الحراك الشعبي الرائع في الجزائر، إذا أضيف إليه نضج قادة الجيش، قد ينتج انتقالا تأسيسيا مهما. والعلامة الأساسية لنضج قادة الجيش احترام إرادة الشعب واحترام ملكيته للسيادة والسلطة التأسيسية، وترك العملية السياسية للقوى السياسية والمدنية، بعيدا عن حكاية “التفويض الشعبي” للعسكر، التي للأسف بدأنا نسمع من يلوح بها من جديد.