إن من أهم وأعظم الوسائل في تكوين شخصية الإنسان السّوية والراقية والمتزنة، لهي التربية التي أجمع عليها العلماء والدارسون والمفكرون والفلاسفة، لما قدمته للإنسانية من نتائج حاسمة ومفيدة عبر التاريخ، فلا يكاد المتتبع يجد زمانا ولا مكانا قد خلا من رجال أو نظريات للتربية، تطورت من حيث الوسائل والطرق والأهداف والشروط والخصائص.

لكن هذا الإجماع المبدئي على نجاعة التربية وأهميتها في سلوك الإنسان حركيا ووجدانيا وفكريا، لم يخْلُ من وجود اختلافات حول تعريفها، فبالأحرى شروطها ووسائلها وأهدافها… فبرز من خلال ذلك، أنواع كثيرة من التربية – ليس مجال حصرها – فكان أهمها التربية على الإيمان، “بمفهومه اقتحاما للعقبة وبكل شعبه، التربية أولا ووسطا وآخِرا، ولا آخر، ودائما” 1، الجامعة لخيري الدنيا والآخرة، الجامعة بين الرحمة القلبية والحكمة العقلية، تربية على أداء الواجبات ثم المطالبة بالحقوق.

وقد لقيت هذه التربية عناية واهتماما خاصين لدى الدارسين والمفكرين، ومنهم الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله باقتراحه نظرية المنهاج النبوي 2، ووضعه مرتكزات لها وبسطه معالم لها وشروطا وخصائص، تختلف في أحايين كثيرة عن مثيلاتها السابقة والمعاصرة.

وقد أتت هذه التربية في سياقات متنوعة ومتناقضة بعثرت حياة الناس، فكانت بحق “التربية الجامعة أقصد” ضرورة واقعية ملحة، ونموذجا وفعلا تراكميا لما سبقها من مدارس ونظريات، يسر لها الاستفادة من الصواب وتثبيته، وتنقيح الخطأ وتقويمه، وبديلا عمليا تطبيقيا “للتغيير الحضاري المنشود” 3، وتحقيقا للغايتين الفردية والجماعية، وذلك بإعادة بناء الإنسان وإعمار الأرض ونشر قيم التراحم والتباذل والتضامن… ومد جسور التعارف والتفاهم المتبادل مع الآخر المختلف الذي له تاريخه الخاص، وتصوراته الخاصة عن الكون والإنسان والحياة، ثم التضييق على أطروحة الصراع التي يروج لها الغرب، وهي أحد أهم أسباب الكراهية وانتشار العنف المنظم في العالم الغربي خصوصا، ونشر بدلها ثقافة المحبة والعدل والإنصاف للإنسانية، فالعالم يتسع للجميع.

طالع أيضا  د. الزاوي يبسط الثمار العلمية والعملية للسلوك التربوي على منهاج النبوة

ولعل الأهم ذكره، هو أن أي تغيير، جوهر الإنسان أقصد، لا يمكن أن يحصل إلا وفق السنن الربانية في الأنفس والمجتمعات، باعتباره، أي الجوهر، أساس عملية التغيير، وصانع التغيير 4.

واعتبارا لسلوك الفرد والجماعة في ظل السياق التاريخي الحالي المثقل بالمعيقات والعقبات الأنفسية والآفاقية، فان تغيير هذا الإنسان المتردد بين الاقتحام: اقتحام العقبة، رقيا في مدارج السالكين، واستجابة لنداء رب العالمين، والإحجام، بالقعود مع القاعدين تلبية لمطالب الجسد والنفس منهمكين، وعن كل خلق رفيع ومروءة منسلخين، فقد نبهنا علماؤنا الأجلاء إلى خطورة الخوض في هذين المتناقضين، دون التسلح بنظرة شاملة عن هذا الإنسان في همومه “الأرضية المعاشية، وعلاقاته ومآلاته الأخروية بصفة عامة” 5.

لذلك، لا يمكن لأي منا أن يغض الطرف عما عم الأمة من قيود بسبب الأفكار المنحبسة وعصور الفتنة وبلوى التقليد، وانحراف الحكم، وغياب الشورى، وسيادة الاستبداد، وما تلا ذلك من صراعات عقدية ومذهبية وكلامية بين العقل والنقل، وما طفا على السطح من مناهج تجزيئية لأمري الدنيا والآخرة، وانتشار الأفكار والنظريات التربوية الأرضية التي تنقطع بنظرها عن الآخرة كليا، فتربط الإنسان بالأحداث اليومية والمعاش، وكأنه خلق للأكل والشرب والتزاوج فقط، وكم خلفت من آثار سلبية جسيمة على أفكار الناس وأخلاقهم.

ولا ننس كذلك فشو السلبية والأنانية والذهنية الرعوية والانتظارية، والهجمات الاستشراقية أو تلك التي قادها ويقودها المتغربون من أبناء جلدتنا حاملي لواء الحداثة والعقلانية، ناهيك عن القهر والظلم المسلطين على رقاب الناس باسم الدين، أو مساق الإنسان عموما في ظل التغيرات والصراعات والالتواءات والعقبات الأنفسية والآفاقية التي حيرت عقول أولي الألباب وشتت أحلامهم، فبالأحرى إنسانا مقهورا لا يسلك في أذنيه إلا صوت يبشر بكسرة خبز تسد جوعة عياله، أو قشة غطاء يتزر بها ويستر جسمه النحيف من قر الشتاء ولهيب الصيف، أو سلامة بدن من سياط وسجن الظالمين، فأنى له أن يتذكر أو يتفكر – تحت القهر والجوع والظلم والتخويف والتهديد بقطع الأرزاق والسجن، مثله مثل الموؤودة ضحية الاستغلال الفاحش في حقول الذل والعار – أو يتذكر – إلا أن يتداركه الله برحمته – أن له موعدا لن يخلفه مع ملك الملوك وقاهر الجبابرة وقابل أعذار المقهورين والمستضعفين حين يقول سبحانه: “إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا” 6.

طالع أيضا  الإيمــان.. من ذكر أركانه إلى تذوق حلاوته

إن الأمن الاجتماعي والنفسي والحرية شروط أساسية لإسماع أي إنسان كلام الله، وإبلاغه بشارته ونذارته، ثم دعوته إلى اقتحام العقبة، فلا الخائف على ماله ونفسه وعرضه، ولا الجائع العاري المضطرب، يسمع مقالتك عن المصير والآخرة، ما لم تبلغه مأمنه، يقول سبحانه: وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُم ْقَوْمٌ لَّايَعْلَمُونَ 7، ذلك لأن هذا المخلوق الغريب الأطوار هو “بداية لكل التحولات الإنسانية التي نطمح إليها… وأساس البناء، وخميرة النهوض، وعليه تقوم الحضارات والأمم” 8.

أشار أستاذي الكبير إدريس إلى أن تغيير ما بالأنفس (الذاتية النفسية) يكون أولا، ثم يكون تغيير الواقع (الوجود الخارجي) بشكل تراتبي 9، لكنني أرى أن الأمر لا يتم على التراخي بل على الفور، لأن الإنسان والكون وكل مناحي الحياة يشكلون وحدة متناغمة تأبى التجزيء 10.

وفي الختام أقول: إن أمام هذه التربية تحديات ذاتية وموضوعية كثيرة تنتظرها، ولعل أهمها هذه الأجيال التي تتعرض للمسخ الممنهج، بضرب القدوات من رجال ونساء التعليم وتسفيه العلماء وتقزيم دورهم في التبرير للظالم ظلمه، وللقاعد عن الجهاد قعوده، لكنها بإذن الله في حضن الصحبة في الجماعة، الشجرة المباركة ومنطلق بلوغ مقصد الاقتحام وقاعدته، تنفتح القلوب المغلفة المغلقة المنكسرة، وتتنور العقول الشاردة، وتتقوى النفوس الضعيفة، وتشرع حينها في اقتحام العقبة.


[1] ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، ص: 387.
[2] انظر التعريف بالمقال السابق “كيف لنا بثقافة تنتصر لقضايا المستضعفين والأمة؟” انظر الموقع الرسمي لجماعة العدل والإحسان، حوار مع أمينها العام حول المنهاج النبوي.
[3] التغيير الاجتماعي عند الإمام عبد السلام ياسين، الكاتب الفلسطيني مجدي محمد قويدر، بحث مقدم لمؤتمر التغيير في نظرية المنهاج النبوي عند الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله (مفهومه وإشكالاته وقضاياه)، المنعقد بتركيا: 16 و17 يناير / كانون الثاني 2016 م.
[4] التغيير الاجتماعي عند الإمام عبد السلام ياسين، الكاتب الفلسطيني مجدي محمد قويدر، بحث مقدم لمؤتمر التغيير في نظرية المنهاج النبوي عند الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله (مفهومه وإشكالاته وقضاياه)، المنعقد بتركيا: 16 و17 يناير / كانون الثاني 2016 م.
[5] كتاب جماعي، فقه التربية عند الأستاذ عبد السلام ياسين: 1، ص: 3.
[6] النساء الآية: 98.
[7] سورة التوبة الآية: 6.
[8] التغيير الاجتماعي عند الإمام عبد السلام ياسين، الكاتب الفلسطيني مجدي محمد قويدر، بحث مقدم لمؤتمر التغيير في نظرية المنهاج النبوي عند الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله (مفهومه وإشكالاته وقضاياه)، المنعقد بتركيا: 16 و17 يناير / كانون الثاني 2016 م.
[9] إدريس مقبول، ما وراء السياسة، الموقف الأخلاقي في فكر عبد السلام ياسين، أفريقيا الشرق، ط: 1/2016.ع ج: 1، ع ص: 417.
[10] مطبعة دعاية. محمد الزاوي، الأساس التربوي عند جماعة العدل والإحسان، أصوله وقواعده، ط: 1/2013.