طبَعِـــيٌّ أن يحظى التعليم بكل هذا النقاش باعتباره قضية مجتمعية، لا قضية حكومة أو دولة؛ قضية مجتمعية لأن التعليم ليس رافعة تنموية فقط، بل وعاءً للمشروع المجتمعي هويتِه وانتمائِه ورسالتِه الحضاريتين. غير أن النقاش في شأن المجانية ولغة التدريس، جاء متأخرا، على اعتبار أن القضيتين حسم فيهما الميثاق الوطني للتربية والتكوين منذ سنة 2000، أي تزامنا مع بداية ما يسمى العهد الجديد؛ حسمٌ شارك فيه وتوافق وتواطأ عليه بعض الساسة الذين نصّبوا أنفسهم اليوم حماةً للغة العربية والهوية المجتمعية بمناسبة عرض القانون الإطار للتعليم للتصديق.

نقاش متأخر بحوالي العقدين من الزمن، والحال أن فرنسة الـمواد العلمية في السلكين الإعدادي والتأهيلي أضحت واقعا باسم تنويع العروض التربوية منذ مواسم دراسية خلت، فالمسالك الدولية في الباكالوريا تجاوزت مرحلة الاستئناس إلى التثبيت، بحيث سيتخرج الفوج الثاني لحملة الباكالوريا خلال الموسم الدراسي الجاري، كما أن اعتماد فرنسة المواد العلمية في السلك الإعدادي دخل موسمها الدراسي الثالث خلال السنة الدراسية (2019/2020)، إذن، ما الجدوى من هذا النقاش؟ ثم هل تردي المنظومة التعليمية إلى الحضيض الذي يتفق عليه الجميع وتزكيه تقارير المجلس الأعلى للتعليم والمجلس الأعلى للحسابات، مرده إلى لغة التدريس؟ أم أن الأمر ينصرف إلى غياب استراتيجية حقيقية لتأهيل المنظومة التعليمية، وقبل ذلك غياب إرادة سياسية صادقة لتوطين التنمية والتخلص من التخلف ومشتقاته؟

من المفارقات العجيبة أن المغرب صاحب رقم قياسي غير مسبوق في عدد المخططات الإصلاحية، مخطط ينسخ مخططا، ومشروع على أنقاض مشروع، دون أن تتغير الوجوه والشخوص، وكأنها غير مسؤولة عن الإخفاق، في تجميد وإلغاء فاضحين لمبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة”، ووجه ثانٍ للمفارقة هو أنه مهما تعددت المخططات وتغيرت المناهج لا نقاش عن منظومة التقييم والتوجيه الدراسي، ومنها معاملات المواد والزمن الدراسي، ولا سؤال عن تأهيل المُدرسين وتمكينهم من الأدوات البيداغوجية التي يتطلبها المخطط الجديد، كما لا سؤال عن مدى تأهيل البنية الدراسية التحتية لتنزيل هذا المخطط أو ذاك، في إشارة إلى أن المخططات لا تتجاوز البعد الفلسفي والنظري الذي توفر اللقاءات التواصلية فضاءً لتسويق الأوهام وتبرير التعويضات ذات الأرقام الفلكية، ليستمر الواقع البئيس لتعليم أُرِيد له أن يكون عبئا على خزينة الدولة يُخرج أشباه الأميين وذوي الإعاقات الفكرية والنفسية والمهارتية، في انتظار مخطط جديد تتولى نفس الوجوه التبشير بنجاعته وفعاليته ونتائجه على العباد قبل البلاد.

طالع أيضا  ضرب مجانية التعليم.. استهداف آخر للوضع الاجتماعي للمغاربة

وبالعودة إلى الشأن اللغوي لتدريس المواد العلمية تحديدا، نتساءل ببراءة: هل أنجزت السلطات الوصية عن التعليم دراسة ميدانية أثبتت عدم جدوى اعتماد اللغة العربية في تدريس المواد العلمية، أم أنه الارتجال والارتهان إلى توصيات خارجية حفاظا على مصالحها الحيوية؟ ولنفرض أنه تبين أن اللغة العربية قاصرة عن إيصال العلوم، وإذا كان لابد من اعتماد لغة أجنبية تسعف في امتلاك ناصية العلوم والتكنولوجيا، أليست اللغة الفرنسية أسوأ اختيار مقارنة باللغة الانجليزية؟

إن دراسة منصفة للغة تدريس المواد العلمية تفضي -ولا شك- أن المتعلم المغربي لم يدرس العلوم باللغة العربية منذ اعتماد التعريب عهد عز الدين العراقي، كما أن ذات المتعلم المغربي لم يدرس العلوم باللغة الفرنسية منذ اعتماد المسالك الدولية في شهادة الباكالوريا قبل أكثر من ثلاث سنوات، لسبب بسيط هو غياب تكوين الأساتذة لتدريس المواد العلمية بهذه اللغة أو تلك. فجيل من فُرض عليهم التعريب من الأساتذة كانوا مُفرْنسـي التكوين في المواد العلمية (الرياضيات، العلوم الفزيائية، علوم الحياة والأرض)، وبالتالي درسوا بما يعرف في اللسان الدارج المغربي بــــــ “العرنسية”، ومن فُرض عليهم أو انتدبوا لتدريس المواد العلمية باللغة الفرنسية اعتمدوا ذات الوسيلة “العرنسية” لأنهم ببساطة جيل التعريب. فلا هؤلاء درسوا بالعربية، ولا هؤلاء مؤهلون للتدريس بالفرنسية، والنتيجة تخبط وارتجال وهدر للزمن الدراسي للأجيال، وقبل ذلك تفويت لفرص توطين التنمية والتكنولوجيا.

يا قومُ، كفى ارتجالا وهدرا لمقدرات البلاد البشرية والمادية، وهلُمُّوا إلى نقاش مجتمعي مسؤول مضمونه الوحيد والأوحد: هل فعلا نريد الإصلاح والارتقاء بالبلاد والعباد معاشا وكرامة وعزة؟

ولن نُعدم الوسائلَ والإمكانياتِ متى صلحت النيات وسمت الإرادات؟