في الصراع السياسي يتحدث المتخصصون عن ضرورة تحديد منطق التدافع، هل هو منطق صِفْرِي، أي أن أحد أطرافه لن يسمح بالمرة بوجود الطرف الثاني، ويسعى إلى إنهاء الصراع لصالحه مئة بالمئة، دون ذرة فائدة لغريمه؛ أم هو صراع وتدافع تساومي/غير صفري حيث سيحقق الطرفان شيئا من أهدافهما بنسب متفاوتة.

ويتم تحديد طبيعة الصراع، هل هو صفري أو تساومي من خلال معرفة موازين القوة من جهة، وكذا استقراء نمط تفكير أطرافه بناء على ثلاثة مؤشرات من جهة أخرى، وهي:

 1- استقراء الواقع ومعرفة بماذا ينبئ، هل يميل كل الميل إلى جهة واحدة تمتلك العدة والعتاد، لنقول أنه صفري، أم أن الطرفين يمكن أن يربحان كلاهما وبالتالي يكون الصراع تنافسيا يسمح بخروج كلا الطرفين أو الأطراف المتصارعة منتصرة.

 2- استقراء الإشارات التي يرسلها كل طرف، والتي تبين نظرته هو لهذا الصراع وما الذي يريده منه.

 3- وأخيرا، وهو من الأهمية بمكان: استقراء التراكم التاريخي لكل طرف، أي السلوك السياسي التاريخي لهذا الفاعل أو ذاك، إذ غالبا ما يميل إلى تكرار نفس السلوك السياسي السابق 1.

ثم إن هناك نوع ثالث 2 من أنواع الصراع وهو “الصراع العدمي” ويلقب “بخيار شمشون”.

وشمشون هذا شخصية من شخصيات العهد القديم (التوراة)، وخلاصة قصته أنه كان شديد القوة، لكن العبرانيين استطاعوا الإمساك به بعد أن أرسلوا له امرأة اسمها دليلة أغرته، وتحايلت لتعرف سر قوته وهو شعره، (..) فقصته له،  فلما أودعوه المعبد مربوطا بالسلاسل وحددوا موعدا لتعذيبه أمام الجميع، نسوا أنه خلال مدة ما قبل يوم الاحتفال استعاد شعره وقوته، فقرر هدم المعبد بجر السلاسل المربوطة بأعمدة المعبد بقوته الخارقة فمات ومات كل من في المعبد؛ لذلك يطلق على هذا الخيار أيضا “عَلَي وَعَلى أعْدائي”.

طالع أيضا  د. متوكل: "المراجعات السياسية" يكون لها معنى في إحدى حالتين.. ونميز بين الثوابت والمتغيرات

إذن كيف يمكن قراءة صراع الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد وكل مكونات المنظومة التربوية، والنظام المغربي الذي ومنذ خروج الميثاق الوطني للتربية والتكوين وهو يؤسس لهذه اللحظة التي كانت ستكون الضربة القاضية في وجه التعليم العمومي بل ونقطة انطلاق مسلسل نوعي من الإذلال والتركيع لهذا الشعب المسكين ورجالاته.

لكن قبل ذلك كله، ماذا يقول التاريخ الطويل لهذا النظام وهو يتصارع مع معارضيه السياسيين من يسار وإسلاميين بل وحتى مع خصومه من أكاديميين ومفكرين عزل.

وللإشارة فإن النظام المغربي لم يعتبر قط أية جهة من داخل الشعب ندا له إلا فيما نذر، وبالتالي نكون أمام طرف يؤمن بصراع صفري يملك فيه كل شيء وأطراف أو طرف لا يملك إلا الإصرار والإرادة والإيمان بقضية يهب من أجلها النفس والنفيس.    

يمكن تقسيم الطريقة التي يتعامل بها النظام مع خصومه إلى شكلين:

شكل يخص المؤسسات والحركات المنظمة، وشكل آخر يتعلق بالأفراد والحركات غير المنظمة.

أما فيما يخص المؤسسات خاصة الحزبية والهيئات المماثلة… فيتم التعامل معها على مستويين: مستوى مؤسساتي يرمي إلى إضعافها من الداخل، وذلك من خلال ضرب التوجهات الجدرية داخلها (المقاومة المسلحة وجيش التحرير مثلا لدى حزب الاستقلال قديما) ثم ترويض الأجنحة التابعة لها (النقابي، النسائي …). إضافة، و بموازات كل ذلك،  تقوية الاتجاهات الإصلاحية والتكنوقراطية داخله، وبه تتم خلخلة منظومة المرجعيات والايديولوجيا وغيرها تمهيدا للانقسامات التي لا تنتهي، أو على الأقل ليصبح الحزب شيئا غير الذي هو، على أن يتكفل الإعلام و”البروبكندا” بصورة الخارج.

ثم يأتي الدور بعد ذلك على قيادات هذه الأحزاب -وهو المستوى الثاني- التي يتم استقطابها بالترغيب (المال والمنصب… ) أو إبعادها بالترهيب (تلفيق التهم والتشويه…).

ولكم أن تقرؤوا مسار اليسار المغربي منذ عهد ما قبل الحماية وصولا إلى حكومة التناوب 1998، بل وخلاصات ما سمي بسنوات الرصاص، ومذكرات سجناء القضايا السياسية، وكذا ما تعرض ويتعرض له أعضاء جماعة العدل والإحسان من تضييق وتشميع للبيوت وإعفاء من الوظيفة دون وجه حق.  

طالع أيضا  د. متوكل: ما حدث مع الحكومة حجة دامغة على فشل فرضية التغيير من خلال المؤسسات

هذا دون إغفال الحروب التي يشنها بالوكالة عبر سياسة فرق تسد (إسلامي/ يساري، إسلامي متطرف/ إسلامي معتدل…).

لكن وفيما يخص الأفراد والحركات غير المنظمة، فيكون الأمر أكثر سهولة وسرعة من خلال التهميش والحصار بالنسبة للأفراد (الدكتور المهدي المنجرة نموذجا)، وتفعيل المقاربة الأمنية بعد التسويف والإنهاك والإرباك، وتجييش اللاوعي الشعبي بكلمات من مثل ضرب الاستقرار والفتنة والأجندة الخارجية وغير ذلك…             

أما وبعودتنا إلى ملف الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد، فلم يكن النظام المغربي وناطقه الرسمي خلال سنوات ما بعد 2011 -ونقصد هنا كل أفراد الحكومة- يتوقع أي نوع من المقاومة والرفض لقرارات أخذت تتقاطر تثرى دونما أي اعتبار للشعب ومصلحته -الشيء الذي تشي به تصريحات هؤلاء المسؤولين بعيد كل ملمة-، أي أن المسؤولين لم يعد يظهر لهم أي طرف آخر يعيش داخل هذا الوطن، أو على الأقل أي طرف يمكن أن تخول له نفسه رفض أحد قراراته مهما كان عمق ايذائه له.

بل وبكل بساطة كان يرى أنه وبعد كل ما راكمه من قوانين ومراسيم وتراجعات على مستوى الحقوق والحريات… يستطيع إفناء كل مخالف بجرة قلم، أو، وإن كان لابد، عبر خرجات أمنية تسيل بها بعض من دماء المخالفين، لكنه يستطيع مسح كل أثر لها بضمادات رخيصة.

لكن صمود هؤلاء الأفذاذ وكذا تنامي الوعي لدى باقي مكونات هذا المجتمع استطاع إعادة تشكيل صيغة المعادلة، ليجعل خيار النظام المغربي، وهو يذهب إلى الكثير من التعنت وصم الآذان، “شمشونيا” يفتح الباب على مصراعيه لانهياره أولا، وسناريو الربيع العربي عنا ليس بالبعيد.


[1] د. جاسم محمد سلطان كتاب: قواعد في الممارسة السياسية.
[2] هناك من يعتبره شكلا متطرفا من الصراع الصفري وليس نوعا آخر.