في مثل هذه الليلة، 27 رجب ليلة الإسراء والمعراج، من عامين متتاليين كتب الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله مكتوبين: الأول مقدمة كتابه الإحسان عام 1414هـ (وكان التأليف قبل ذلك ببضع سنين) والثاني “رسالة تذكير” عام 1415 هـ، وفي كليهما يتوجه بالخطاب لأجيال العدل والإحسان ولعامة أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاصتها.

ففي خاتمة الموسوعة التربوية الماتعة “الإحسان” وبعد أن بيّن رحمه الله أن “التربية الإحسانية على منهاج النبوة وصفنا معالمها في هذا الكتاب بعرضها على فقه الصوفية تارة، وبمعارضة السلوك الصوفي من جانبها تارة أخرى”، أوضح مراتب المخاطبين بكتابه حتى يأخذ كل واحد ما كتبه الله له في علمه الأزلي:

   “فالقوابل الصالحة رسمنا لها خط الإرادة والطلب بصدق مع الصادقين” (…)

   “ويجد إن شاء الله عامة أهل الإيمان فيما كتبناه ذكرا لمعنى الولاء لله وتذكيرا به، ليأخذ كل نصيبه.” (…)

   “أما خاصة جند الله فكلمتي الأخيرة إليهم أن يربطوا مصيرهم الفردي المرجو عند الله عز وجل بمصير الأمة في الأرض.”

أسأل الله الكريم الوهاب أن ينفع الأمة جمعاء بهذا الكتاب الذخيرة، وأن يوفق أهل العزم والإرادة للعكوف عليه علما وعملا، تعرفا واتصافا.

أما “رسالة تذكير” التي توافق هذه الليلة مضي ربع قرن على كتابتها، فهي رسالة صغيرة الحجم عظيمة المعاني كبيرة الفائدة، وفيها يتوجه بالخطاب كذلك “إلى إخوة العدل والإحسان وأخوات العدل والإحسان مذكرة لمن ينسى، وتبصرة للوافد والوافدة”.. و”إلى إخوتي في الله من أهل الإسلام والغيرة على الدين رسالة مبادءة ودعوة وشرح -يشرحه الله عز وجل- لما في الصدور” ص4.

وبعد أن ذكَّرَ رحمه الله بمعجزة الإسراء والمعراج وبمناجاة الحبيب حبيبه، وعنايته سبحانه بالرحمة المهداة صلى الله عليه وسلم، بيَّن العبرة والأسوة من الذكرى “في عالم يموج فتنة، ويستنسر فيه الأعداء، يتآمرون على أهل الإيمان”.

طالع أيضا  الإسراء والمعراج: ذكرى وعبرة ودعوة

وما أشبه اليوم بالبارحة، ولعل الوضع ازداد خلال هذه الخمس وعشرين سنة وضوحاً وجلاءً، فعلى قدر تعاظم توقان شعوب الأمة للتحرر والانعتاق من الاستبداد والإفساد يتعاظم الكيد والمكر المحليان والعالميان، “ولنحن -المستضعفين في الأرض- تألبت علينا قوى الجاهلية من خارج، متآزرة مع أنظمة الفتنة من داخل، أحوج إلى تجديد إيماننا بما يتجدد به الإيمان من صحبة في الله وذكر لله وإخلاص وصدق في اتباع سنة رسول الله عليه صلاة الله وسلام الله.” ص6.

فعبرة الذكرى وأسوتها هي هذه الاستقامة وهذا السير على المنهاج النبوي صحبة وجماعة وذكراً وصدقاً، فلا عبرة ولا قدرة على الوقوف في وجه هذه المدلهمات المحيطة بالأمة لمن “يزعم تغيير المجتمع، وهو في نفسه هوس، وغفلة عن الله، وإضاعة لحقوق الله، وتنكب لسنة رسول الله، واستخفاف بيوم الفزع الأكبر يوم العرض على الله” ص8.

ثم أوضح رحمه الله بعد ذلك هدف جماعة العدل والإحسان الاجتماعي والسياسي الذي لا ترضى بهدف دونه وهو “العدل على شريعة الله”، والغاية التي لا ترضى بغاية دونها: الإحسان بكل معاني الإحسان؛ تقربا إلى الله، وإحسانا لخلقه، وإجادة وإفادة في الأعمال، وإلا فلن نكون “شيئا آخر غير وجه جديد للتمرد على شرع الله والنفاق في دين الله إن هبت علينا نسمةُ توبة، وعبرتنا فكرة أوبة، ثم اعتقلنا شيطان الهوى، وجثمت على قلوبنا تأكل منه جذور الإيمان جحافل الشيطان من إنس وجان.” ص10.

وانتقل رحمه الله بعد ذلك إلى البيان الموجز لمغزى الخصال العشر الملخصة لشعب الإيمان وسنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهي الخصال والشعب التي كان عرضها مفصلة في “المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا” وأعاد قراءتها قراءة إحسانية في كتاب “الإحسان”.

طالع أيضا  النورُ لاح

وهذه قبسات من الإيجاز بين يدي الرسالة كاملة التي أسأل الله أن يوفقنا لقراءتها وإعادة قراءتها بنية التنفيذ وهمة الاتصاف.

1) الخصلة الأولى صحبة وجماعة: “فلا يثبت في الميدان إلا كل قوي الإيمان، يمنعه من التساقط الثقة بالله، وحسن الظن بعباد الله، والصبر على أذى الإخوة والأعداء في ذات الله.” ص13.

2) الخصلة الثانية الذكر: “إنه سوء تفاهم فظيع إن كان يتوق إلى العدل والإحسان من لم تتم يقظته القلبية، أو هب هبة ثم نام، أو عثرت به عاثرة فما نهض ولا استقام.” ص16.

3) الخصلة الثالثة الصدق: “برهنت مواقف العدل والإحسان -والمنة لله- أن الصدق ومواجهة الظلمة مزايا لم يفتتها الترهيب ولا الترغيب. لكن أذَكِّرُ فإن الذكرى تنفع المؤمنين، وللهوى والشيطان مداخل ومسارب. أعاذنا الله. أجارنا الله.” ص19.

4) الخصلة الرابعة البذل: “المعادن الخسيسة لا تعطي، إنما تطمع. لا تواسي، إنما تلتوي وتتقاعس. لا تهب لنجدة، إنما تتدثر برداء عافية الجبناء العاقين.” ص20.

5) الخصلة الخامسة العلم: “العلم ما قربنا إلى الله، وما بصرنا بمصيرنا إلى الله، وما دلنا على واجباتنا من قِبَل الله، وما رسَّخ خطانا اتباعا واحتراما لسنة رسول الله. ثم العلم والفقه في أصول الدين وفروع العبادات. ثم العلوم الآلية الضرورية في الحياة مما أنتجته العقول ورتبته تجربة الإنسان، واكتسبه الجادون في نشدان الحكمة، أنى وجدوها فهم أحق بها.”ص20-21.

6) الخصلة السادسة العمل: “عاملون للدنيا (…)، وساعون للآخرة وهم مؤمنون، أولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب. وساعون  لنيل رضى الله، والفوز بالقرب من الله، والنظر إلى وجه الله. أولئك هم المحسنون. والله يحب المحسنين.” ص22.

7) الخصلة السابعة السمت الحسن: “السمت التميز شكلا ومضمونا عن مظاهر الجاهلية ومخابر الفتنة (…) إن لم نحترز في التميز نجد نفسنا يوما وقد ذُبنا في جسم الجاهلية وغصنا في مرق الفتنة.” ص 23.

طالع أيضا  فَسُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى

8) الخصلة الثامنة التؤدة: “التؤدة صبر ورفق وطول نفس، وتحمل للأذى.” ص 24.

9) الخصلة التاسعة الاقتصاد: “الاقتصاد توسط رفيق، وسير حثيث، وخطى في الدنيا لا تزيغ بك عن قصدك الأخروي ومطلبك الإحساني.” ص25.

10) الخصلة العاشرة الجهاد: “الجهاد في عرف الجاهلين جهاد السيف وانتهى السؤال. وكأن الإسلام نقمة على بني الإنسان (…) وما مطلب الآخرة ومطلب وجه الله بالتي تنال على الهوان والمسكنة والدروشة ومهادنة الباطل.” ص27.

وبعد إيراده رحمه الله لهذا الإيجاز عن الخصال العشر، ذكّر بيوم المؤمن وليلته وهي المعالم التي يجب أن تكون راسخة في حياة المؤمن والمؤمنة (وتشمل نهارهما وليلهما)، وهي عنوان سعادتهما في الدنيا والآخرة.