نبه فضيلة الأستاذ محمد عبادي، الأمين العام لجماعة العدل والإحسان، في بداية مجلسه في تفسير وتدارس كتاب “شعب الإيمان” للإمام المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى، والذي تناول فيه الشعبة الخامسة من خصلة الصحبة والجماعة: “التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته” الفقرة الأولى، إلى اختيار الإمام عنوان الشعبة بحيث أنه “لم يرد أن يحدثنا عما كان يفعله صلى الله عليه وسلم في بيته فتكون معرفتنا به مجرد أفكار نحملها من باب الترف الفكري، وإنما عنون هذه الشعبة بالتأسي، أي أن هذه الأحاديث التي سنسمعها ينبغي أن نقتدي بها فنفعل ما كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته، فالله سبحانه وتعالى بعثه قدوة لنا “قد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا”.روى الحديث الأسود بن زيد النخعي رحمه الله تعالى وهو، كما قال الأستاذ عبادي “من السادة التابعين، يحكى أنه كان يختم القرآن كل 7 أيام وفي رمضان كان يختم القرآن مرتين في اليوم، فكان من العباد الزهاد”.

وفي تفسير الحديث قال: “المهنة: هي الخدمة، وهناك روايات تحدد ما كان يقوم به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله؛ يخصف نعله، يرقع ثوبه، ينظف بيته.. لا يستنكف من ذلك، وهذا من تواضعه صلى الله عليه وسلم وعلى آله الذي ينبغي أن نقتدي به، إذ أصبحنا اليوم نستنكف ونتأفف من أن نشارك أزواجنا في مهنة البيت، ولا أقل ممن تجده ينظف الثياب ويكنس البيت ويطبخ، نادرا ما يفعل الرجل ذلك، في حين لا ينبغي للإنسان أن يستنكف عن أعمال الخير، وأن يكون في خدمة أهله تطييبا لخاطرهن ومعاونة لهن وتحببا وتوددا إليهن، هذا مما يثبت ويوطد ويمتن العلاقة الزوجية؛ مشاركة المرأة في أعمال البيت، لأن خدمة المرأة في البيت هي من باب التفضل وليس من باب الواجب، فالإسلام لم يفرض على الزوجة الخدمة في البيت، وإنما تقوم بذلك تكرما وتفضلا منها، وبالتالي إذا قامت بذلك ينبغي للرجل أن يشكرها لأنها تفضلت وتكرمت بخدمته وليس ذلك بواجب عليها”.

طالع أيضا  في رحاب "شعب الإيمان" مع الأستاذ عبادي |3|: أوثق عرى الإيمان

ثم عرج على الرأي الذي يقول: “بأنه لابد من تقاسم الأعمال؛ الرجل يشتغل خارج الدار والمرأة تشتغل داخل الدار”، ليخلص إلى أنه “لابد من التعاون بين الزوجين”.

واسترسل في تفسيره للحديث “فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة، وفي رواية فإذا حضرت الصلاة قام كأنه لا يعرفنا ولا نعرفه، يتحدث ويتذاكر معهن فإذا أذن المؤذن قطع الحديث، لأن الله سبحانه وتعالى هو الأسبق وهو الأهم، الاستجابة لنداء الله سبحانه وتعالى عز وجل، إذا نادى المنادي “حي على الصلاة” ينبغي للإنسان أن يتوقف عن الأعمال كلها، وقد علمنا الحبيب المرشد رحمه الله أن يوقف الحديث عندما يسمع الأذان، وكان أحيانا لا ينهي الجملة وإنما يتوقف عن الكلام حتى تؤدى صلاة الفريضة “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ”، وحتى عند السلف الصالح، كان حداد إذا رفع المطرقة وسمع الأذان يطلق المطرقة وراءه ولا يكمل الضربة. وهذا مما يدل على أهمية الصلاة في الإسلام، لأنها الركن الثاني في الإسلام فلا ينبغي أن نتهاون فيها أو نؤخرها”.أوضح فضيلة الأستاذ عبادي أن “هذه واقعة أخرى وليست هي الأولى، هذا كان يوم عيد، ويستحب في العيد ما لا يستحب في غيره من الترفيه ومن الفرح ومن إظهار السرور حتى يعلم الناس أن في ديننا فسحة”.

وأضاف شارحا “حجرة السيدة عائشة كانت مفتوحة على المسجد، وهكذا كانت بيوت نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم حول المسجد..

تقول رضي الله عنها: ورسول الله يسترني، وفي رواية يسترني بردائه، وضعت رأسها على كتفه وهو يغطيها وهي تنظر، والحبشة يلعبون ورسول الله يشجعهم على هذا اللعب يقول “دونكم يا بني أرفدة” بمعنى “استمروا في اللعب”.

طالع أيضا  في رحاب شعب الإيمان |1| المتحابون بجلال الله تعالى

فقالت رضي الله عنها فإما سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي طلبت منه تتفرج عليهم وإما هو الذي عرض عليها “تشتهين تنظرين” بمعنى: هل تريدين أن تنظري إليهم”.

وبين الأستاذ عبادي أنه “يستفاد من الحديث كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعامل نساءه بلطف؛ يلاطفهن ويمزح معهن ويرضيهن ويلبي رغباتهن”.استقراء لمعاني الحديث قال الأستاذ عبادي: “يستفاد من الحديث أن الرجل ينبغي أن يكون فطنا عارفا بتغير أحوال زوجته؛ متى تكون راضية ومتى تكون غضبى، ومتى تتغير مشاعرها، أحيانا الرجل لا يتفطن وبالتالي لا يبالي أكانت المرأة راضية عليه أم غضبى، ورسول الله بدقة ملاحظته كان يعرف مشاعر زوجته.

ولماذا تغضب أمنا عائشة من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هل يؤذيها؟ هل يضربها؟ هل يعتدي عليها؟ هذا الغضب هو نتيجة الغيرة فقط، والغيرة شيء طبيعي في المرأة، هكذا فطرها الله سبحانه وتعالى عز وجل، ثم هي إذا هجرت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: والله لا أهجر إلا اسمك، إذن أصل المحبة والميل القلبي ثابت لا يتزعزع ولكنها تهجر اسمه، وإذا هجرت اسمه واستبدلته بسيدنا إبراهيم فسيدنا إبراهيم هو أبو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، إذن فلم تذهب بعيدا.

ويستفاد من الحديث كذلك كيف أن المرأة إذا ساءها شيء من زوجها لا ينبغي أن تهجره؛ يكلمها فلا تكلمه، يرضيها فلا تقبل عليه، هذا لا يجوز. إذن فهذا درس للرجال وللنساء؛ كيف نتعلم من بيت النبوة أن نتعامل مع بعضنا البعض؛ الرسول صلى الله عليه وسلم يراعي مشاعر زوجته وهي تخبره بأن العلاقة والمحبة بينها وبينه لا زالت قائمة، فإن أحس منها النفور فهي تهجر اسمه فقط أما المحبة فهي ثابتة”.

ولفت الأستاذ عبادي بأن “هناك من يهجر زوجته، وقد يكون هذا أسلوب تأديبي لنشوزها، فإن حدث أن هجر الرجل زوجته لا ينبغي أن يهجرها إلا في البيت، فلا ينبغي أن يذهب إلى مكان آخر. نسأل الله تعالى أن يخلقنا بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم”.خاطب الأستاذ عبادي الحضور قائلا: “تصوروا هذه الحادثة؛ الإنسان في السفر ومعه زوجته وهو في رفقة، فهل يمكن أن يقول لهذه الرفقة تقدموا أمامي أنا أريد أن ألعب مع زوجتي؟ لا يرضى بذلك”، ليعقب على ذلك بقوله “رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة أن يتقدموا، وقال لها تعالي نتبارى في سباق، وكانت أمنا عائشة آنذاك خفيفة لم تكتنز اللحم بعد فلما سابقها سبقته، ومرت سنون واكتنزت اللحم وأصبحت ممتلئة فقال لها مرة أخرى: تعالي لنتسابق فسبقها فقال: هذه بتلك، يعني: التعادل. هذا مزاح من الرسول صلى الله عليه وسلم مع زوجته، وهو من المرح والتخفيف والمداعبة التي تتولد عنها المحبة بين الزوجين”.وفي هذا الحديث أخبر الأستاذ عبادي أن “هذه كانت صاحبة لأمنا خديجة في مكة المكرمة، فكانت تأتي إلى بيت أمنا خديجة وتعرفت على رسول الله، ثم هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد سنين هاجرت هي والتحقت بالمدينة المنورة وقد أصبحت امرأة عجوزا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعرفها، فسألها فذكّرته فقالت: أنا جثامة المزنية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أنت حسانة المزنية، وجثامة اسم فيه من الكسل.. وكان رسول الله يغير الأسماء القبيحة إلى أحسن منها، وغير الكثير من الأسماء.. فينبغي إذن تجنب الأسماء ذات الدلالة القبيحة.

طالع أيضا  في رحاب شعب الإيمان |12| صفاته عليه الصلاة والسلام الخَلقية ج 3

وتواتر أسئلة رسول الله يدل على الاهتمام بها، فقالت: بخير بأبي أنت وأمي يا رسول الله، والباء هنا حرف جر، والجار والمجرور لابد له من متعلِّق، والفعل الذي يتعلق به الجار والمجرور محذوف بمعنى: أفديك بأبي وأمي يا رسول الله.

(…)

تتمة المجلس على الشريط التالي: