شارك الأستاذ محمد حمداوي، عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان ومسؤول مكتب علاقاتها الخارجية، في ندوة فكرية نظمها مركز الدراسات العربية والتطوير “قصد”، يوم السبت 30 ما س 2019 بالعاصمة الفرنسية باريس، تحت عنوان “الإسلام السياسي في سياق الثورات العربية”.

التأم في الندوة نخبة من المفكرين والسياسين والباحثين لتبادل الآراء ووجهات النظر حول القضايا الراهنة؛ التي تشغل المجتمعات العربية والإسلامية والغربية منذ انطلاق الربيع العربي ومآلاته في السنوات الأخيرة، والتخمينات المطروحة لانبعاثه من جديد، في ظل عجز الدراسات عن إزاحة الغبش الناتج عن المفاجآت التي تحدث بين الفينة والأخرى انطلاقا من ثورة البوعزيزي وانتهاء بتململ الشارع الجزائري بالصورة التي بلغت الآفاق في حجمها ونوعيتها.

الندوة نشطها الدكتور محمد هنيد رئيس مركز الدراسات العربية والتطوير “قصد” بباريز، الذي ذكر بالموضوع والسياقات التي فرضته وأهميته في تطوير النقاش وتقييم التجارب، والأهم من هذا وذاك التوافق على معالم تمهد لبسط مداخل التغيير المطلوب واستثمار مخرجات الربيع العربي.المداخلات كانت تباعا من إلقاء الأستاذ محمد حمداوي عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان، والدكتور إبراهيم أبو منصور من الجزائر، والدكتور ماجد الخطيب من سوريا.

في المداخلة الأولى تناول الأستاذ محمد حمداوي الحركات الإسلامية من حيث التنوع والمقاربة في التغيير وآلياته، مع التركيز على الحركات المعتدلة منها والسلمية البعيدة عن العنف، ودورها في التغيير في إطار الوطن الأم. وأكد على أن هذه الحركات يطلب منها اعتماد مبادئ المواطنة، والتوافق بين جميع الأطراف لعجز طرف واحد عن التغيير وحده، مع ضرورة تعبئة كل الفرقاء دون استثناء للمساهمة والمشاركة في جو يحكمه تقدير الرأي المخالف مع الإيمان الراسخ بالتعددية السياسية والاختلاف الإيجابي والإيمان بتعدد الصواب، حتى لا ينحبس الجميع في خيار واحد ووحيد يقصي باقي الاجتهادات ويحجب زوايا النظر الأخرى. وأكد حمداوي على وضع قواعد للعمل في الميدان الواحد، والذي ينبني على تعزيز المشترك مع رفض الإقصاء، والإيمان بحماية وحدة الوطن في جو يحترم عمل المؤسسات ودور الشعب.ولخص دواعي التوافق في أمور أربعة: أولاها الوضع الحالي للوطن العربي المنطبع بالفساد والاستبداد، والثاني تسليم الجميع بأولوية الإصلاح السياسي والدستوري، والأمر الثالث هو استحالة اضطلاع طرف معين بالمهام الكلية للتغيير مهما كانت قوته، وفي الأخير التسليم بضرورة تعبئة كل مكونات الوطن من أجل بناء جديد لتغيير حقيقي يعبئ كل كفاءات الوطن بدون استثناء.

طالع أيضا  براءة مبارك... أخطاء الربيع العربي القاتلة!!!

وتناول الدكتور إبراهيم أبو منصور في مداخلته تجربة الحركة الإسلامية بالجزائر وتنوعها في المقاربة التغييرية، وأشار إلى ضرورة التمييز بين الحركات بما فيها الراديكالية والمتطرفة والعنيفة. وأكد على ظهور تيارين بعد الاستقلال أطر التوجهات السياسة ممثلا في تيار العروبة والتيار الإسلامي؛ فعلى المستوى الوطني وفي سياق الديكتاتوريات والانقلابات الإقليمية ظهر نظام عسكري ذي توجه اشتراكي، وأصبح الجيش في قلب السلطة وفي كثير من الأحيان كان معاديا للحركات الإسلامية، وما واكب هذه الفترات من أزمات اقتصادية وأزمة النفظ والأزمات الاجتماعية والغضب الاجتماعي خصوصا في الثمانينيات بعد احتدام الصراع الإسرائيلي الفلسطيني ونجاح الثورة الإيرانية، كل هذا لعب دورا مهما في إلهام العديد من الحركات والجماعات في الجزائر، إضافة إلى نهاية الحرب في أفغانستان ورجوع الجهاديين والسماح بنشوء أحزاب والسماح بالخروج للشارع والتظاهر واستعمال المساجد منابر للدعاية.كما تطرق إلى التجربة الجزائرية في التسعينات وما آلت إليه من انزلاق في دوامة العنف بعد المسار الانتخابي وما أفرزته من فوز للاسلاميين. وقد لعبت الأحزاب الإسلامية المعتدلة، يقول، دورا مهما ممثلا في حزب النهضة آنذاك مع أحزاب أخرى، حيث أنشأت طريقا بديلا للحركات الاسلامية السابقة، وشاركت في حكومات عدة.

كما خلص في الأخير إلى أن التمييز بين التيارات المختلفة، سواء كانت عنيفة أم لا، وعدم تجانس التيارات الإسلامية يجعل من الممكن توجيه الحركة الإسلامية إلى اللعبة السياسية المتكاملة.

وقد تناول الدكتور ماجد الخطيب الوضع السوري بعد انطلاق ثورات الربيع العربي، وسلط الضوء على الإسلام السياسي في سوريا انطلاقا من النشأة مرورا بالمناقشات التاريخية والسياسية التي رافقته، إلى أن تفجر الوضع من خلال الحراك الشعبي في مواجهة أعتى الأنظمة الدموية في التاريخ الحديث. وأرجع جذور هذا التيار إلى بداية نهاية المرحلة العثمانية وتزامنها مع التشكيلات الحزبية الوطنية والقومية. ففي مرحلة أولى أشار إلى بدأ نشوء الجمعيات الخيرية والدينية بقيادة علماء دمشقيين ما لبثت أن تحولت من الجانب الدعوي الخيري إلى الفعل السياسي بما فيها جماعة الإخوان المسلمين التنظيم الأكثر تنظيما وقوة آنذاك. ليؤكد بأن في المرحلة الثانية يمكن القول أن الإخوان المسلمين وغيرهم من التيارات الإسلامية برعوا في استخدام التقية العلمانية في ممارسة السياسة للوصول إلى السلطة، مع الحفاظ على الثابت الفكري والعقائدي لديهم وهي المرجعية الإسلامية.لتأتي المرحلة الثالثة تحت حكم الأسد الأب وحكم حزب البعث لتشهد سوريا تصحرا فكريا وثقافيا وسياسيا نتيجة للعلاقة الدموية مع الإخوان المسلمين وباقي جماعات الإسلام السياسي، وفي هذه الفترة تحديدا لم يتم القضاء على تجربة الإسلام السياسي فحسب بل تم تطويق ودفن كل محاولات التأسيس لدولة مدنية ديموقراطية ليخلفه الإسلام الرسمي الحكومي. وتأتي بعدها المرحلة الرابعة والتي تلخص واقع الإسلام السياسي في سوريا قبل ثورات الربيع العربي مع وصول بشار الأسد إلى السلطة في عام ألفين، والذي حاول الانفتاح على كل القوى السياسية المعارضة ما عدا تنظيم الإخوان وباقي التيارات الإسلامية، وتميزت المرحلة بعودة بعض دعاة الإسلام السياسي إلى الساحة مجددا مثل الإسلاميين الأكراد والتيار الإسلامي الديمقراطي.

طالع أيضا  د. الجباري: الحكام لم يستوعبوا التغيرات العميقة.. والتنسيق النضالي عمل ضروري

ليخلص في الأخير إلى أن مستقبل الإسلام السياسي في سوريا بعد الحراك الشعبي ومآلاته المعلومة غير متضح المعالم بسبب عوامل كثيرة، وهذا الأمر يحتاج إلى بيئة اجتماعية آمنة تعلن فيها انتهاء العمليات العسكرية والاستعداد لبدء عملية سياسية حقيقية.

بعد انتهاء المداخلات الرئيسة أسهم الحضور في النقاش من خلال تساؤلاتهم وأفكارهم المتنوعة بتنوع المشارب الفكرية والجغرافية الحاضرة، إذ تميزت الندوة بجو من النقاش العميق والصريح وطرح إشكالات وتساؤلات مهمة تلامس البعد الاستراتيجي والتقييم الواقعي.