أجرت أسبوعية “الأسبوع”، في عدد الأسبوع المنصرم، حوارا مطولا مع الدكتور عبد الواحد متوكل، رئيس الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، حول العديد من القضايا التي تهم جماعة العدل والإحسان، وتخص المشهد السياسي وقضاياه الراهنة، وتشمل علاقة الجماعة مع الفرقاء.

حملة تشميع البيوت أسبابها وسياقها، مقال “جون أفريك” المسيء وخلفياته، حوار الجماعة والدولة، نشاط العدل والإحسان بين عهدي الحسن الثاني ومحمد السادس، المرجعات السياسية وإمكانية مراجعة فكر الإمام عبد السلام ياسين، العلاقة مع التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية… وغيرها من القضايا الهامة تجدون تفاصيلها وموقف جماعة العدل والإحسان منها في الحوار التالي:

 

يتواصل الجدل والتفاعل إلى حدود اليوم مع بلاغات الجماعة حول تشميع “بيوت المنتسبين إليها”، كم وصل عدد البيوت المشمعة، ولماذا يحصل ذلك في هذا التوقيت بالذات؟

بلغ عدد البيوت المشمعة إلى حدود الساعة عشرة. والقصة لم تبدأ اليوم حتى نتساءل لماذا اليوم، وإنما منذ 2006 لما أغلقت عدة منازل وفي مقدمتها منزل الأمين العام الأستاذ محمد عبادي والذي لايزال مغلقا إلى هذه اللحظة. والهدف كما يعرف كل متابع منصف هو التضيق على جماعة العدل والإحسان، والتقليص إن لم يتأت تجميد حيويتها وانتشارها في المجتمع. فالأمر إذن ليس جديدا، وإنما له سوابق. وفضلا عن ذلك، فإن تشميع بيوت أعضاء من الجماعة ليس إلا شكلا واحدا من أشكال كثيرة أخرى من المضايقات التي تتعرض لها الجماعة منذ تأسيسها رسميا في شتنبر 1981. وها هي السلطة تعود مرة أخرى وفي تحد صارخ للقوانين القائمة لإغلاق مجموعة جديدة من البيوت في مدن مختلفة، وبشكل متزامن، مما يؤكد أن القرار سياسي ولا علاقة له بالقانون، وأنه آت من المركز، وأن السلطات المحلية إنما نفذت التعليمات الآتية من فوق. وبعضهم قال ذلك صراحة.

هناك من يقول بأن البيوت المقصودة تقوم بأنشطة غير مرخصة ومجهزة لذلك ما رأيك..

هذا كلام غير صحيح. فهناك قاعدة قانونية تقول لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني. فما هي هذه الأنشطة غير القانونية التي يتحدثون عنها؟ لقد بين الخبراء ورجال القانون في أكثر من مقال تهافت هذه الادعاءات الباطلة. وإلا دلني على نص قانوني واحد يدعم هذه المزاعم. فالاجتماعات المتحدث عنها هي اجتماعات خاصة وليست مفتوحة للعموم، وفي بيوت خاصة، وتعني أعضاء جماعة العدل والإحسان تحديدا. فهل هذا يجرمه القانون؟ ولو كان الأمر كذلك لأغلقت كل بيوت المغاربة. فالكل قد يجتمع في بيته العشرة والعشرون أو الثلاثون أو أكثر من ذلك أو أقل بمناسبة أو بأخرى.

لا أكتمك أني أشعر بالغثيان لما أجدني مضطرا لتفسير ما لا يحتاج إلى تفسير. فالأهداف واضحة، ومحاولة التدثر بالقوانين لتبرير هذه الانتهاكات بحق جماعة العدل والإحسان هي محاولة فجة ومفضوحة لا يمكن أن تنطلي على عاقل. فليقولوها صراحة، وقد قالوها على لسان أحد وزرائهم، أن المطلوب هو رأس العدل والإحسان لأنها جماعة حية ونشطة، ومصرة على فضح الفساد والاستبداد، وتبيان ضرره على البلاد والعباد.

في هذا الإطار كيف تنظر إلى المفارقة بين تشميع بيوت تابعة لجماعة العدل والإحسان وعدم تشميع بيوت الزاوية البودشيشية على سبيل المثال التي تحتضن عدة لقاءات؟

سؤالك هذا يؤكد ما قلناه سابقا ومرارا بأن المسألة لا علاقة لها بأي مخالفة قانونية، وإنما هي سياسية بحتة. وإنما استعملت القوانين ذريعة، حتى وإن لم تسعفهم، لتحجيم الجماعة والحد من انتشارها. وإلا كيف تستهدف بيوت المنتسبين للعدل والاحسان دون غيرهم؟ وكيف تأتى أن يكتشفوا هذه المخالفات المتحدث عنها في وقت واحد وفي مدن مختلفة، وينهضوا لتنفيذ قرار الإغلاق في نفس اليوم؟ ولو افترضنا جدلا أن هناك اجتماعات عمومية غير مرخص لها، فهل يبرر هذا الإغلاق أو الهدم؟ ولماذا لم تحترم المساطير الجاري بها العمل، واقتحموا البيوت في غياب أصحابها وبدون إخبارهم حتى. فأين هي حرمة المسكن التي يكفلها القانون والدستور على ما به من علل وأعطاب؟ ما الداعي الاستثنائي الذي حملهم فجأة وبهذه السرعة على الإقدام على هذا الفعل غير المبرر لا قانونا ولا أخلاقا ولا عقلا ولا شرعا. أم أنها الانتقائية والتمييز والكيل بمكيالين تجاه تيار مجتمعي وسياسي إسلامي استعصى على التدجين والاحتواء.

طالع أيضا  د. متوكل: هذا جوهر الخلاف بين العدل والإحسان ونظام الحكم في المغرب

صدر مؤخرا تقرير في جون افريك يثير من جديد ما سماه أهداف الجماعة.  ما تعليقكم على ذلك؟

المقال مليء بالمغالطات والأكاذيب، وبعض الاتهامات لا يقولها حتى النظام نفسه في حق الجماعة. وهو أمر مستغرب جدا من مجلة محترمة كجون أفريك. والتحامل ظاهر من عنوان المقال، وهو كاف لتقييم مضمون المقال والحكم عليه بالتحيز والبعد عن المهنية والموضوعية. عيب أن يجعل صحافي من نفسه أضحوكة، ويقبل أن يكون بوقا لنظام يعرف القاصي والداني طبعه وطبيعته والآثار الكارثية لتدبيره السيء لشؤون البلد، ويقبل أن يقول ما لا يصدقه حتى عامة الناس فضلا عن العارفين والمتابعين لشؤون المغرب. بصراحة تراوض بعضنا شكوك أن يكون هو الذي كتب المقال. فقد يكون كتبه غيره وهو قد وقع فقط دون أن يكلف نفسه الاطلاع على مضمونه. وفي جميع الأحوال، فإن الأمر مشين ولا يمكن أن يرضاه  إنسان عاقل ومستقل. ونرجو أن يتدارك القائمون على هذه المجلة المحترمة الأمر ويصححوا الخطأ، وأن يحذروا أن تتسرب إلى المجلة ما يضر بسمعتها كهذا المقال السخيف.

هل تعتقدون أن هناك جهات عليا تحاول اتهامكم بـ”الارهاب”؟

لا يستطيعون ذلك. فالجماعة بحمد الله أضحت معروفة سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي أو الدولي بسلميتها ووسطيتها واعتدالها. ومن مبادئها المشهورة ما تسميه باللاءات الثلاث: لا للعنف، لا للسرية، لا للارتباط بأي جهة خارجية، حزبا كان أو منظمة أو دولة. ونعرف أنه كانت هناك محاولات كثيرة للعثور على ما يخالف هذا، لكنهم لم يظفروا بشيء. وليس لدينا ما نخفي. مواقفنا واضحة ومعروفة، واستقلاليتنا كنز ثمين نحافظ عليه ونعتز به ولن نفرط فيه بإذن الله. واختيارنا للنضال والتدافع السلمي، ورفضنا للعنف ليس مسألة تكتيكية، كما قد يدعي بعض المتحاملين، أملتها ظروف دولية ضاغطة تجاه ظاهرة الإرهاب، وإنما هي قضية مبدإ إسلامي أصيل، نؤمن به ونعمل بمقتضاه، ولن نحيد عنه بحول الله.

ما هو الفرق بين نشاط جماعة العدل والاحسان في عهد الملك الحسن الثاني والملك الحالي محمد السادس؟

لا يمكن أن نختزل المسألة في الأشخاص، وإن كان للأشخاص دور لا يمكن إنكاره. فالقضية قضية نظام سياسي، والنظام السياسي الذي كان في عهد الملك الراحل الحسن الثاني هو الذي لا يزال مستمرا في عهد الملك محمد السادس. ومن المعلوم أن هذا النظام يصنف في العلوم السياسية ضمن الأنظمة الاستبدادية التي لا تقبل المعارضة الجادة، وتتضايق من المطالبة بالمشاركة في اتخاذ القرار، واحترام اختيار الشعب، وربط المسؤولية بالمحاسبة وغير ذلك من الصفات التي يتميز بها الحكم الديمقراطي الرشيد. لذلك فلئن تغير الأشخاص فإن الممارسات لم تتغير، إلا ما كان من بعض الأشكال والجزئيات التي لم تغير من طبيعة النظام شيئا.

كانت الجماعة أيام الحسن الثاني ولا تزال فيما سمي بالعهد الجديد تتعرض للحصار والمضايقة، وبعض الأحيان تكون الوطأة أشد، ربما ليثبت الفريق الجديد الذي يدير شؤون البلد أنه أقدر من سلفه. وعجبا كيف ينسى بعض الحاكمين الذين يظلمون الناس بأن الله عز وجل هو القاهر فوق عباده، وأنه يملي للظالم ولا يهمله. وفي التاريخ القريب والبعيد دروس شتى لمن كان له قلب وعقل يأخذ العبرة قبل فوات أوانها، ولات ساعة مندم.

لماذا يستمر هذا الخلاف بين النظام وجماعة العدل والإحسان؟

السبب واضح. فالنظام يصر على الاستفراد بالسلطة والثروة، وعلى انتهاج سياسات أوقعت المغرب والمغاربة في أزمات اقتصادية واجتماعية خانقة، والعدل والإحسان كغيرها من الأصوات الحرة في هذا البلد تعتبر هذا الوضع غير مقبول ولا يمكن أن يستمر.

فالمغرب لكل المغاربة، وليس لفئة دون أخرى، وثرواته ملك للجميع ينبغي أن يستفيد منها الجميع، ولا يصح أن تحتكرها فئة معدودة على رؤوس الأصابع. والنظام يصر على إفساد المشهد السياسي، وعلى تشجيع أو غض الطرف عما يضر بالأخلاق ويزري بقيمنا الإسلامية النبيلة، في حين ترى العدل والإحسان كما يرى غيرها من العقلاء في هذا البلد بأن هذا إجرام في حق هذا الوطن ويجب أن يتوقف. والنظام يصر على تهميش الشعب وإقصاء قواه الحية والكفاءات النزيهة، والعدل والإحسان تصر كغيرها من أحرار هذا البلد على أن هذا الإقصاء يجب أن ينتهي إلى غير رجعة، وأن من حق هذا الشعب أن يختار من يمثله ويتولى شؤونه مع إخضاع كل ذي مسؤولية للمحاسبة.

طالع أيضا  ندوة سياسية: المغاربة يحكمهم نظام مستبد ومقاومة المجتمع تتعاظم

فأسباب الخلاف إذن واضحة، وستبقى قائمة طالما بقي النظام مصرا على موقفه الذي أشرنا إلى بعض ملامحه، وطالما بقيت الجماعة وفية لمبادئها الداعية للحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والأخلاق الفاضلة. والخلاف في الحقيقة ليس بين النظام والعدل والإحسان وحسب، وإنما هو بين النظام والسواد الأعظم من الغاربة. وما العدل والإحسان إلا جزء منه لا تزعم أنها تمثل جميع المغاربة.

هناك من يقول بأن الجماعة تراجعت تنظيميا منذ اليوم الذي انسحبت فيه من حركة 20 فبراير وأن ذلك تعبير عن فشل مشروعها السياسي.

إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا يتركون الجماعة حتى تموت موتتها الطبيعية كما وقع لبعض التنظيمات السياسية؟ لماذا هذه المضايقات المتواصلة وفي خرق سافر للقوانين التي ارتضوها وما استطاعوا أن يحترموها. لماذا هذه الحملة المسعورة التي يشارك فيها إعلام مرتزق وأصوات باعت آخرتها بدنيا غيرها؟ وإذا كان المشروع السياسي للجماعة فاشلا كما يزعمون، فلماذا نحرم من الإعلام العمومي ومن الفضاءات العمومية، ونمنع من التعبير عن آرائنا ومواقفنا في أماكن مفتوحة للعموم؟ لماذا هذه المحاولات الحثيثة الخبيثة الرامية إلى سد كل المنافذ التي يمكن من خلالها أن نتواصل مع عامة الناس؟ لماذا نمنع من حقنا في التعبير والتجمع والحركة؟

لا شك أن هذا التعامل المجحف مع الجماعة يؤكد أن النظام يعرف جيدا أصالة المشروع الذي تتبناه الجماعة ويعرف جيدا تجاوب الناس معه وإقبال كثيرين عليه. لذلك فخرافة التراجع التي يتحدث عنها البعض هي تعبير عن أمنية أكثر من كونها توصيفا لواقع.

لماذا لا يتم الحديث إطلاقا عن “المراجعات السياسية” داخل الجماعة؟

المراجعات السياسية، كما أسميتها، يكون لها معنى حين يتبين لتيار معين بالتجربة والممارسة أن مواقفه قد أصبحت متجاوزة، أو حين يصل إلى الحكم أو يشارك فيه ثم يكتشف أن برنامجه أو مقترحاته كلها أو بعضها لم تكن موفقة أو كانت طموحة أكثر من اللازم، وبالتالي يتعين إبداع أو تبني أفكار جديدة لتحقيق الأهداف المنشودة. والعدل والإحسان لم يتعين في مواقفها الأساسية ما يحتاج إلى مراجعة، ولم تتهيأ لها الفرصة لتحمل مسؤولية الحكم أو المشاركة فيه ليتبين الصواب من الخطأ فيما تقترح. فماذا تريد أن نراجع؟ هل نراجع موقفنا من الاستبداد والفساد؟ أم تريد أن نتنكر لعقولنا ونغض الطرف عما يعانيه نظامنا السياسي من أعطاب وما ترتب على ذلك من مآس؟ فماذا نراجع؟ ما الذي تبين خطؤه وأصررنا على الاستمساك به؟

وهذا لا يعني أننا لا نقوم بتقويم أدائنا ومطالبنا وأنشطتنا ونعدل ما يتعين تعديله أو تجاوزه كلية. ولكن نرى أن خياراتنا الكبرى ومواقفنا السياسية الأساسية لا تزال صالحة، بل إن الأيام والوقائع زادتنا إيمانا بصوابها ورجاحتها. لذلك فالبحث يكون عما هو أفضل، ولا ينبغي أن نستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير.

هل هناك حوار بينكم وبين النظام لتجاوز الخلاف القائم؟

النظام المغربي لا يحاور ولا يعرف معنى الحوار. فعادته أن يملي ويطلب إليك أن تخضع. وحين تلجئه الضرورة إلى ما يشبه الحوار فهو يناور ولا يحاور، ويعد ولا يفي، وقد يتظاهر بالقيام ببعض التنازلات ثم سرعان ما يتراجع عنها عند أول فرصة. وانظر إلى بعض التنازلات الهامشية التي مست قضية حقوق الإنسان وحرية التعبير ووضع الصحافة وغير ذلك مما جاء مع العهد الجديد ثم تأكد مع دستور 2011، وانظر كيف تم نسف كل شيء بسلطة التأويل أو بغيرها من الذرائع. فها هي بيوت تشمع وتغلق بدون سند قانوني، وصحافيون يتابعون أمام المحاكم، وجرائد اضطرت إلى الإغلاق وأخرى مهددة بالإفلاس، والحقوقيون يطاردون حتى خارج الوطن مثلما حدث للأستاذة خديجة الرياضي مؤخرا في فرنسا في تلك الندوة المعلومة التي تناقلتها وسائل التواصل الاجتماعي بالصوت والصورة. لذلك ينبغي أن لا نروج للأوهام. فالنظام المغربي منسجم مع منطقه الاستبدادي، ووفي لطبعه وطبيعته التي لا تري إلا ما ترى وأن على الجميع أن لا يرى إلا ما يرى هو، وأن يسمع ويخضع.

طالع أيضا  د. متوكل: النظام يضيق على الجماعة لأنها تصر على فضح الفساد ومقال "جون افريك" مشين

هل توصلتم بعرض للمشاركة السياسية مؤخرا؟

لم نتوصل بأي عرض ولا نتوقع ذلك للأسباب التي ذكرتها آنفا.

كيف تنظرون إلى تجربة عبد الاله بن كيران في الحكومة ونهايته كمتقاعد في بيته؟

تجربة مليئة بالدروس تؤكد غياب الإرادة السياسية لدى النظام للقيام بالإصلاحات التي يحتاجها البلد. ولذلك فمهما قدمت من تنازلات، فإنك لن تجد لها في الضفة الأخرى أي صدى. بل العكس هو الذي يقع دائما. كلما تنازلت، كلما طولبت بالمزيد. وبموازاة ذلك تشتغل اللوبيات أو ما أسماهم الأستاذ بنكيران بالعفاريت والتماسيح لتخلق لك العراقيل تلو العراقيل مدعومة بالآلة الإعلامية المخزنية لإفشالك في مهمتك. ومن دخل دار المخزن فعليه أن يتوقع هذا وأكثر. وكل يتحمل مسؤولية ما قدر واختار.

لماذا رغم الخلاف في التوجهات يتم الترويج بين الفينة والأخرى للقاءات بين الجماعة وحزب العدالة والتنمية (تهنئة الريسوني وغيرها)؟

الاختلاف لا يفسد للود قضية. لدينا الاستعداد والرغبة الصادقة في التحاور مع الجميع، سواء كانت الاختلافات بيننا يسيرة أو كبيرة، وسواء كان الاختلاف في المرجعية أو الرؤية أو المقاربة. وهذا الاستعداد ينبغي أن يكون لدى الجميع لأنه يفيد في تبديد ما قد ينشأ من تصورات أو انطباعات غير صحيحة عن بعضنا البعض. ولو لم يكن من حسنات اللقاء إلا أن يتعرف كل واحد على الآخر دون وسائط، يتعرف على أفكاره ومواقفه مباشرة حتى إذا اختلف معه يعرف لماذا، لكان ذلك كافيا ومشجعا على عقد أمثال هذ اللقاءات.

هل يمكن توقع تنسيق مستقبلي بين التوحيد والاصلاح والعدل والإحسان؟

ولم لا إن تهيأت الظروف؟ أؤكد لك مرة أخرى أننا مستعدون للتعاون والتنسيق مع كل من يريد الخير لهذا البلد ليقيننا أن التحول السياسي الذي تتطلبه المرحلة ويتطلع إليه عامة المغاربة لا يمكن أن ينهض به طرف واحد أيا كانت شعبيته وامتداده في المجتمع.

لذلك قد دعونا في أكثر من مناسبة ولا نزال إلى التلاقي على أرضية مشتركة تكون أساسا ومنطلقا لعمل مشترك جاد يدفع للانتقال من زمن الاستبداد والاستعباد إلى زمن الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، ومن زمن الإفلاس السياسي والتدهور الأخلاقي والقيمي إلى زمن الديمقراطية الحقة وصون الحقوق وبناء مجتمع معافى من الأعطاب التي خلفتها قرون العض والجبر والمخططات التخريبية القذرة. دعونا ولا نزال ونرجو أن تتحمل الإرادات الخيرة في هذا البلد مسؤوليتها حرصا على مصلحة الوطن وتفاديا للأسوأ.

هل يمكن الحديث عن إمكانية مراجعة فكر الراحل الشيخ ياسين داخل الجماعة؟

عندما نتحدث عن فكر الأستاذ الإمام عبد السلام ياسين، فإنه ينبغي أن نميز بين الثوابت والمتغيرات. والمراجعة عند الاقتضاء تكون في المتغيرات لا في الثوابت. وهذا كان شأننا معه في حياته رحمه الله ولا زلنا نسير على نفس النهج. وفي كتاب المنهاج النبوي مثلا تجد عدة أفكار لا سيما في الفصل المتعلق بالتنظيم قد تمت مراجعتها في حياته رحمه الله. وكان كثيرا ما يقول الذي لا يتغير فهو حجر يتيمم عليه. العيب هو أن نجمد على ما أثبتت التجربة والممارسة أنه أصبح غير ذي جدوى.

وهل مازلتم تؤمنون بما جاء في رسالة “الاسلام أو الطوفان”؟

رمزية رسالة  “الإسلام والطوفان” تكمن في أنها أحيت جهاد الكلمة الصادعة بالحق في وجه الحاكم، مصداقا لقوله عليه الصلاة والسلام: “أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر”. وقد صنعت بذلك موقفا مبهرا في تاريخ العلاقة بين الحاكم والعالم. وقد كان لها الأثر البالغ في ظهور دعوة العدل والإحسان وانتشارها. أما ما سوى ذلك فهي تفاصيل وجزئيات كانت مظروفة بظروفها، وقد راجع أكثرها الإمام رحمه الله في مكتوباته اللاحقة.