تفاعلا مع سؤال/فرضية جريدة الأسبوع أن تكون جماعة العدل والإحسان تراجعت تنظيميا منذ “اليوم الذي انسحبت فيه من حركة 20 فبراير وأن ذلك تعبير عن فشل مشروعها السياسي”، طرح الدكتور عبد الواحد متوكل سلسلة من الأسئلة الاستفهامية الكاشفة “إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا يتركون الجماعة حتى تموت موتتها الطبيعية كما وقع لبعض التنظيمات السياسية؟ لماذا هذه المضايقات المتواصلة وفي خرق سافر للقوانين التي ارتضوها وما استطاعوا أن يحترموها. لماذا هذه الحملة المسعورة التي يشارك فيها إعلام مرتزق وأصوات باعت آخرتها بدنيا غيرها؟ وإذا كان المشروع السياسي للجماعة فاشلا كما يزعمون، فلماذا نحرم من الإعلام العمومي ومن الفضاءات العمومية، ونمنع من التعبير عن آرائنا ومواقفنا في أماكن مفتوحة للعموم؟ لماذا هذه المحاولات الحثيثة الخبيثة الرامية إلى سد كل المنافذ التي يمكن من خلالها أن نتواصل مع عامة الناس؟ لماذا نمنع من حقنا في التعبير والتجمع والحركة؟”.

قبل أن يتولى الإجابة قائلا “لا شك أن هذا التعامل المجحف مع الجماعة يؤكد أن النظام يعرف جيدا أصالة المشروع الذي تتبناه الجماعة ويعرف جيدا تجاوب الناس معه وإقبال كثيرين عليه”، قاطعا أن “خرافة التراجع التي يتحدث عنها البعض هي تعبير عن أمنية أكثر من كونها توصيفا لواقع”.

العدل والإحسان و”المراجعات السياسية”

وجوابا عن سؤال “المراجعات السياسية” داخل جماعة العدل والإحسان، أكد رئيس الدائرة السياسية، في ذات الحوار، أن تلكم المراجعات يكون لها معنى في إحدى حالتين؛ حين “يتبين لتيار معين بالتجربة والممارسة أن مواقفه قد أصبحت متجاوزة”، أو حين “يصل إلى الحكم أو يشارك فيه ثم يكتشف أن برنامجه أو مقترحاته كلها أو بعضها لم تكن موفقة أو كانت طموحة أكثر من اللازم، وبالتالي يتعين إبداع أو تبني أفكار جديدة لتحقيق الأهداف المنشودة”. مبيّنا أن جماعة العدل والإحسان “لم يتعين في مواقفها الأساسية ما يحتاج إلى مراجعة، ولم تتهيأ لها الفرصة لتحمل مسؤولية الحكم أو المشاركة فيه ليتبين الصواب من الخطأ فيما تقترح”.

طالع أيضا  ملاحظات وتساؤلات في الخطاب الملكي

وبعد أن بسط هذا المرتكز المبدئي، أوضح أن مؤسسات الجماعة تقوم بتقويم أدائها ومطالبها وأنشطتها و”نعدل ما يتعين تعديله أو تجاوزه كلية”، مؤكدا “ولكن نرى أن خياراتنا الكبرى ومواقفنا السياسية الأساسية لا تزال صالحة، بل إن الأيام والوقائع زادتنا إيمانا بصوابها ورجاحتها. لذلك فالبحث يكون عما هو أفضل، ولا ينبغي أن نستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير”.

وبخصوص إمكانية مراجعة فكر الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، بيّن أن الجماعة تميز بين “الثوابت والمتغيرات. والمراجعة عند الاقتضاء تكون في المتغيرات لا في الثوابت”، موضحا “هذا كان شأننا معه في حياته رحمه الله ولا زلنا نسير على نفس النهج”، ضاربا مثالا بتجاوز عدة أفكار من كتاب المنهاج النبوي خاصة ما يتعلق “بالتنظيم”.

في نفس الصدد أوضح عضو مجلس الإرشاد أن “رمزية رسالة  “الإسلام والطوفان”” تكمن في أنها “أحيت جهاد الكلمة الصادعة بالحق في وجه الحاكم”، مؤكدا أنها صنعت “موقفا مبهرا في تاريخ العلاقة بين الحاكم والعالم”، وموضحا أنه “كان لها الأثر البالغ في ظهور دعوة العدل والإحسان وانتشارها”، غير ذلك، يضيف، “تفاصيل وجزئيات كانت مظروفة بظروفها، وقد راجع أكثرها الإمام رحمه الله في مكتوباته اللاحقة”.

في التنسيق مع التوحيد والإصلاح

عرج حوار جريدة الأسبوع على العلاقة مع حركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية رغم الخلافات السياسية الكبيرة، فكان جواب الدكتور متوكل “الاختلاف لا يفسد للود قضية. لدينا الاستعداد والرغبة الصادقة في التحاور مع الجميع، سواء كانت الاختلافات بيننا يسيرة أو كبيرة، وسواء كان الاختلاف في المرجعية أو الرؤية أو المقاربة”. موضحا بأن اللقاء المباشر والحوار لو لم يكن من حسناته “إلا أن يتعرف كل واحد على الآخر دون وسائط، يتعرف على أفكاره ومواقفه مباشرة حتى إذا اختلف معه يعرف لماذا، لكان ذلك كافيا ومشجعا على عقد أمثال هذ اللقاءات”.

طالع أيضا  د. بنمسعود: الدولة فشلت في ترسيخ ديمقراطية حقيقية بعيدة عن المقاربات السلطوية

وحول إمكانية توقع تنسيق مستقبلي بين الحركة والجماعة، قال “ولم لا إن تهيأت الظروف؟ أؤكد لك مرة أخرى أننا مستعدون للتعاون والتنسيق مع كل من يريد الخير لهذا البلد ليقيننا أن التحول السياسي الذي تتطلبه المرحلة ويتطلع إليه عامة المغاربة لا يمكن أن ينهض به طرف واحد أيا كانت شعبيته وامتداده في المجتمع”.

واسترسل رئيس الدائرة السياسية مؤكدا في ذات السياق “لذلك قد دعونا في أكثر من مناسبة ولا نزال إلى التلاقي على أرضية مشتركة تكون أساسا ومنطلقا لعمل مشترك جاد يدفع للانتقال من زمن الاستبداد والاستعباد إلى زمن الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، ومن زمن الإفلاس السياسي والتدهور الأخلاقي والقيمي إلى زمن الديمقراطية الحقة وصون الحقوق وبناء مجتمع معافى من الأعطاب التي خلفتها قرون العض والجبر والمخططات التخريبية القذرة”.

الجماعة بين عهدي الحسن الثاني ومحمد السادس

“القضية قضية نظام سياسي، والنظام السياسي الذي كان في عهد الملك الراحل الحسن الثاني هو الذي لا يزال مستمرا في عهد الملك محمد السادس”، بهذا الوضوح كان جواب متوكل على سؤال الفرق بين نشاط الجماعة في عهد الملك الراحل والحالي، قبل أن يضيف “لا يمكن أن نختزل المسألة في الأشخاص، وإن كان للأشخاص دور لا يمكن إنكاره”. ليوضح أن الجماعة كانت “أيام الحسن الثاني ولا تزال فيما سمي بالعهد الجديد تتعرض للحصار والمضايقة، وبعض الأحيان تكون الوطأة أشد، ربما ليثبت الفريق الجديد الذي يدير شؤون البلد أنه أقدر من سلفه”.

وبحسب تصنيف العلوم السياسية، فنظام الحكم المغربي يصنف ضمن “الأنظمة الاستبدادية التي لا تقبل المعارضة الجادة، وتتضايق من المطالبة بالمشاركة في اتخاذ القرار، واحترام اختيار الشعب، وربط المسؤولية بالمحاسبة وغير ذلك من الصفات التي يتميز بها الحكم الديمقراطي الرشيد” يضيف دكتور العلوم السياسية. لذلك، يقول، “فلئن تغير الأشخاص فإن الممارسات لم تتغير، إلا ما كان من بعض الأشكال والجزئيات التي لم تغير من طبيعة النظام شيئا”.

طالع أيضا  هل المغرب في منأى عما يجري في المحيط؟

ترقبوا نص الحوار كاملا يوم غد الجمعة.