أوحت مشاهد التضامن والوحدة التي طبعت صلاة الجمعة 22 مارس 2019 في نيوزلاندا في الساحة المحادية لمسجد النور، أحد المسجدين اللذين عرفا هجوما إرهابيا ظهر الجمعة قبلها (15 مارس) خلّف 50 شهيدا و49 مصابا بأعيرة نارية، للأستاذ المصطفى حمور بتسعة رسائل مستفادة، ضمّنها تدوينة على حسابه في “فيسبوك”، وجاءت كالتالي:

1- قيمة التلاحم الشعبي والتضامن المجتمعي والانصهار بين فئات المجتمع عند المدلهمات يدل على المستوى التعليمي والقيمي، وهو مؤشر من مؤشرات الارتقاء الحضاري.

2- نضج القيادة وتحملها للمسؤولية وانخراطها الميداني في تضميد الجراح وعزمها الفعلي والفعال في مواكبة الحدث يوما بيوم وساعة بساعة، وقد تابع العالم رئيسة الوزراء وما قامت به من جهود لتخفيف الآلام، وكل مؤسسات الدولة النيوزيلاندية، ويحس المتتبع أن الفعل الذي يقوم به هؤلاء ينبع من شعور ومحبة وتفان في العمل.

وأقارن بين هناك وهنا وكم مرت بنا من كوارث ونكبات والجاثمون على الصدور لا يتقنون إلا حرفة تكفين الموتى وإدخالهم إلى القبور والتكفل بمصاريف تحنيطهم.

3- رب ضارة نافعة: أراد إرهابيو هذا العمل تقزيما للإسلام والمسلمين وأراد الله تعالى ظهورا وبروزا، وأصبح الإسلام والمسلمون حديث الناس.

4- ضرورة استثمار هذا الحدث الأليم من قبل الدعاة من أجل تعميق قيم التعايش مع الآخر، وتعميق فكرة “أمة الاستجابة مقابل أمة الدعوة” عوض الفكرة التي ينضح بها الكثير من الناس بل حتى الدعاة: “دار الإسلام مقابل دار الكفر”.

وتقوم الفكرة الأولى على كون أمة الاستجابة هم المسلمون الذين استجابوا لنداء الإسلام والآخر غير المسلم هو مشروع أن يكون مسلما ولذا ينبغي أن نستهدفه بدعوة الإسلام ورسالته. 

أما الفكرة الثانية فتقوم على الحكم على الآخر غير المسلم مسبقا وقد قال تعالى: “وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا”. 

طالع أيضا  نيوزيلندا تقدم درس التعايش.. ومظاهر الإسلام تعلو البلد

5- الرحم الإنسانية أوسع وأرحب: فلا تحجب لغات الناس أو أديان المجتمعات عنا جميعا الأصل الإنساني الذي أودعه الله في كل إنسان من رحمة وعطاء وبذل مهما كان يهوديا أو نصرانيا أو لاأدريا، الإسلام حقا يعمق المعاني الإنسانية ويجليها وينميها.

وانظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتحدث عن النصارى وصفاتهم. 

عن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: “تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكْثَرُ النَّاسِ. فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: أَبْصِرْ مَا تَقُولُ، قَالَ: أَقُولُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ: لَئِنْ قُلْتَ ذَلِكَ إِنَّ فِيهِمْ لَخِصَالًا أَرْبَعًا: إِنَّهُمْ لَأَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ، وَأَسْرَعُهُمْ إِفَاقَةً بَعْدَ مُصِيبَةٍ، وَأَوْشَكُهُمْ كَرَّةً بَعْدَ فَرَّةٍ، وَخَيْرُهُمْ لِمِسْكِينٍ وَيَتِيمٍ وَضَعِيفٍ، وَخَامِسَةٌ حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ: وَأَمْنَعُهُمْ مِنْ ظُلْمِ الْمُلُوكِ”. رواه مسلم. 

يقول الإمام علي كرم الله وجهه: الناس صنفان: “أخ لك في الدين، ونظير لك في الخُلُق”. ميزان ورؤية.

6- مما كان يوصي به الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى الأجانب الذين أسلموا أن يحافظوا على أسمائهم الأصلية عوض أن يَتسَمَّوا بأسماء جديدة مثل عبد الله أو أحمد أو غيرها…. والحكمة من ذلك حتى يحافظوا على علاقاتهم مع المجتمع الذي هم منه، ويحافظوا على روابط الدم مع والديهم وعائلاتهم…. وهذا يعمق معنى الاندماج في المجتمعات التي غالبيتها غير مسلمين.

الاندماج وسط المجتمع غير المسلم بالخصوصية الإسلامية المؤثرة المغيرة في غير تكبر أو استعلاء مع إتقان عمل وجودة أخلاق وتميز.

وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لباس الشهرة، وتجد بعض المسلمين هناك يحرص على لباس بعينه وكأن ذاك الشكل هو الإسلام، وشرط اللباس أن يكون وفق آداب الإسلام وواجباته.

طالع أيضا  في بريطانيا.. 608 حوادث "إسلاموفوبيا" خلال 6 أشهر

من الاندماج الحرص على التواصل مع المجتمع شكلا ولباسا ولغة تواصل وتفاهم. يقول المولى الكريم: “لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ”. البر والقسط. والبر الإحسان والقسط هو العدل. الإحسان والعدل في التعامل دين من الدين.

7- الاهتمام الدعوي المتوازن بين الفعل التعبدي الإحساني ببناء المساجد مع الفعل المجتمعي المؤثر المعرفي ببناء المدارس والجامعات وقنوات الاتصال والإعلام المؤثر. فكثيرا ما تنصب الجهود الدعوية هناك إلى المجال الأول وتغيب باقي المجالات الأخرى المؤثرة.

والعصر عصر التكتلات والتجمعات، فمهما كانت قيمة الجهود الفردية وأثرها فلا مناص من انسكابها في نسق جمعي له غاية كبرى وأفق واضح وأهداف مسطورة ووسائل وأساليب.

8- كان الحدث كاشفا عن هزال أداء الحاكمين للدول العربية والإسلامية، وقد تابعنا ردود الدول الإسلامية حول الحدث فكان باهتا جدا، إلا من استثناءات نادرة.

فقد أصبحت الدول العربية والإسلامية مرهونة الإرادة، وتنتظر أن يسمح لها أو لا يسمح من قبل الاستكبار العالمي.

أن تعود للإسلام في بلاد المسلمين الشوكة والقوة والمنعة والحصانة حتى يجد المسلمون في بلاد الأقليات من يسندهم ويتكلم عنهم ويدافع عنهم، هذا من كبرى مهام الشعوب الإسلامية وأولويات عملها.

كان الله لباقي إخواننا المسلمين الروهينغا وفي كشمير وغيرها الذين يبادون بالآلاف. وحرر الله تعالى فلسطين من الظلم الصهيوني.

9- هذا زمن الإسلام؛ الإسلام آت آت آت. 

يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ. بأفواهم؛ لو كانت شمعة يمكن، لكنه النور والنور في الأعلى والنور من الأعلى، والأعلى سبحانه وتعالى. لا إله إلا الله.