انتقل الحكم من شورى 1 إلى عض 2 فبدأ الانحدار مع التتار والاستعمار، بكل تجلياته، يدب إلى كيان الأمة رويدا رويدا، ليرتمي، بعد ذلك، ثلة من مثقفينا وأبناء جلدتنا في أحضان ثقافة غيرنا، فعمت شبابنا وشاباتنا بلوى الإلحاد والانحلال، وازدادت الهوة تدريجيا، والانفصام النكد، والخصام البشع، بين القرآن والسلطان 3، ففشت آثاره في ربوع أوطاننا، وتأثرت بذلك أفهام الناس للدين والحياة والموت والبعث، فكانت الصدمة قوية منذ بداياتها، فكيف بنهاياتها؟

فر عن الفتن الظاهرة والباطنة من فر بدينه وبقلبه نائيا، وانصرف إلى التأليف وجمع الحديث والتأصيل في اللغة والشعر من وطّن نفسه على هذا الثغر مجتهدا، وقام لله عالم عامل فقارع السلطان بحجة القرآن، يبغي الشهادة فنالها، وتعرض للسجن والأذى آخرون قهرا من ذوي النفوذ والحساد، وقعد خادم السلطان ومن ينافق يستجدي عطايا الأسياد…

في ظل هذه الصورة تشكلت رؤيا جديدة للعالم، وتكونت ثقافة مزجت بين الشرق والغرب، فانطلى على ثقافتنا بريق القادم من أوربا وأمريكا وروسيا والصين وغيرها، وفقدت الثقافة الإسلامية، تدريجيا، أصالتها وريادتها وربانيتها، بل أصابها وهن 4، فتبعثرت أولوياتها، وأصبحت كأنها من لقطاء في التاريخ طارئة عليه 5، يزاحمها اللقيط والدخيل الذي يدعو الأمة إلى الانسلاخ عن دينها باسم الحداثة والانفتاح والتسامح والتثاقف.. وهلم جرا من المصطلحات البراقة الخادعة، وما هو إلا زعم يزعمه الحداثيون المغربون 6، وهم يجترون “سنفونية” عصر الأنوار وصراع الكنيسة والفلاسفة، ويريدون، ظلما وعدوانا، إسقاط ذلك على ثقافتنا وحياتنا، بل يصمم بعضهم “على أن النموذج العالمي الأبدي واحد لا يتجزأ، في حين يصرخ آخر معنا باستغلال «المخزون النفسي» للشعوب الإسلامية” 7، لكن في الاتجاه المعاكس، وينسون، أو يتناسون، أن هذه الشعوب كلما تقدمت يقظتها، ووعيها بتاريخها، وفقهها بالكارثة الغازية إلا وازداد يقينها في الموعود الإلهي بإعادة العرى التي انفصمت، وبالتمكين بعد جولات استضعاف بين الأمم، فها هي الآن تستجمع قواها وتتساءل عن الأولى والمفقود في سيرها؟

فما السبيل إلى تجديد وإحياء هذا المفقود؟ وهل فعلا لدينا مفقود في ثقافتنا يجب البحث عنه؟ وكيف نعيد ترتيب الأوليات 8 في ظل السمو إلى تحقيق مناصرة العدل والإنصاف في الأرض بين الناس والوقوف مع الحق، استجابة لنداء الإتقان العبادي والعملي، والدعوة إلى البر بالناس والتراحم والتسامح؟

كيف ننبذ ثقافة العنف والكراهية وننشر بدلها ثقافة الحب والتراحم والتواد…؟ لا يخفى ما تعيشه ثقافتنا اليوم، وكأنها بين فكي طرفين متناقضين 9 ومتناحرين أحيانا، فكيف نقرب بينهما؟ وبتعبير أحدهم؛ في ضوء التقمص الحالي لنموذج الشرق والغرب، أيمكن توحيد منهج الإثنين ذوي المنظورين المتناقضين؟ ما الذي يمنع ذلك؟

ثروتنا الثقافية هائلة، فهل تكفي لإعادة ترتيب أولوياتنا وفق معيشنا والمستجدات؟ لكن لمَ ننبذ ديننا، نقطة قوتنا وعزتنا، ونأخذ ثقافة الغير بشروطها لا بشروطنا وبقوالبها لا بقوالبنا؟ أليس لدينا حمية ضد هؤلاء المشدودين المنجذبين إلى نقطة وكأنها مبدأ التاريخ؟ هل من بدائل مستقبلية تؤسس لثقافة الإنتاج والإبداع عوض الاجترار والركوض؟ كيف نؤسس لثقافة القيم وعدالتها وكونيتها 10 سعيا إلى الرقي والتقدم وبناء مجتمع العمران الأخوي من جديد؟ كيف لنا بثقافة تشق بنا طريقي الخلاصين الفردي والجماعي؟ ما المؤشرات الموضوعية على أن ثقافتنا الحالية والمستقبلية في الاتجاه الصحيح، اتجاه تركيز الثوابت؟ هل من رؤيا استراتيجية لتحقيق ذلك؟ كيف بثقافة أصلها ثابت وفرعها في السماء لتؤتي أكلها وثمرتها كل حين بإذن ربها الحنان المنان؟

طالع أيضا  آثار الانكسار التاريخي على تاريخ المسلمين وواقعهم

يقال: وراء كل مفقود مطالب، أيمكن اعتبار النقد الثقافي البناء مفقودا؟ أم أن التفلسف في ثقافتنا هو المفقود؟ أم أن المثقف صاحب القضية هو المفقود؟ ألم يعد هو الآخر مستأجرا وبوق دعاية وفتنة، مكرسا ثقافة الكراهية والإقصاء؟ أين هو المثقف الذي ينافح مهتما بأمر الأمة… بشحمه ولحمه ودمه، نسجا لمجتمع العمران الأخوي الذي كان على عهد النبوة وقوض بنيانه العض والجبر 11؟

إنه الجبر: الاستبداد الكبير والقمع الواسع، ومغير حكم الله تعالى بقوانين وضعية مستوردة، بل هو المجترئ على كتاب الله تعالى باسم المنهجيات المعاصرة 12.

فكيف لنا أن نفهم الأنسب والأجدر لثقافتنا، ونعرف فاضل الأعمال ومفضولها، وراجحها ومرجوحها؟ بناءً على ماذا يتم ترتيب أولوياتها؟ أعلى الواقع الذي يتطلبها بغرض تحقيق أهم المصالح بأخف الأضرار؟ أم بمعرفة النتائج التي يؤول إليها تطبيق تلك الأعمال 13؟ أم بربطها بأصولها السماوية الربانية الإحسانية بغرض توحيد الأمة التي “حين تتوحد … تولد من جديد ولادة فاعلة بانية… وبالتالي ستكون الوسيلة والتجسيد الحي للثقافة الإسلامية في جميع تفاصيلها”؟ 14.

إن إعمار الأرض ونشر قيم التراحم والتباذل والتضامن…. ومد جسور التعارف والتفاهم المتبادل مع الآخر المختلف الذي له تاريخه الخاص وتصوراته الخاصة عن الكون والإنسان والحياة، ثم التضييق على أطروحة الصراع التي يروج لها الغرب، ونشر بدلها ثقافة المحبة والعدل والإنصاف للإنسانية، لمن الأولويات الأساسية لتصحيح الذات والتشارك في الفضل، ثم التحرر من الهياكل الثقافية والأفكار السلبية القائمة حتى تسير ثقافتنا جنبا إلى جنب مع الأخلاق 15، فالعالم يتسع للجميع.

لقد بدا واضحا أن تخلف الثقافة الإسلامية تخلف في الروح والقيم 16، فبُعدها عن سبر أغوار النفس البشرية، محور كل دين أو اجتهاد بشري عبر التاريخ، أو ما يصطلح عليه في علم الاجتماع بـ”طبيعة الإنسان” 17، وغياب فقه التعايش وفق المشترك الإنساني، جعلها وكأنها تمنع النهضة وتعطل التقدم والازدهار والرقي 18.

كيف لنا بثقافة مؤمنة عاملة مجاهدة صادقة منتصرة للمستضعفين ولقضايا الأمة، منهضة غير مُقعِدة؟ أُجمل وصفها في ثقافة البلاغ 19، المذكرة بالمصير، الحاملة الهمّين الفردي والجماعي، ثقافة الإنسان، ثقافة الأخوة، “أخوة أكثر منها تضامنا… من أجل سياسة حقيقية للحضارة” 20 التي لا ينتظم شأنها “إلا بوجود مشترك للجماعة، وإذا وجدت الدولة ولم يوجد المشترك الإنساني، يجب على أهل الدولة العمل على إيجاده واختراعه” 21.

كيف لنا بثقافة تعي تحدي “الموازنة بين التخطيط والتنفيذ، مع مراعاة المرونة أثناء التخطيط لمسايرة التطور، والتغير، ومناسبة مطالب الحياة” 22؟

إن الأوضاع الجارية في العالم الإسلامي تأتي ضمن سياق طويل، وكأن شيئا ما قد أخطأ السير في التاريخ الإسلامي، أو ما عبر عنه الأستاذ ياسين عبد السلام رحمه الله في كتابه “نظرات في الفقه والتاريخ بـ”الانكسار التاريخي” 23، فما السبيل لإعادة الاعتبار 24 لكل مناحي الحياة بما فيها الثقافة؟ ألا يتم ذلك بربط الحاضر بالماضي للوقوف على الانزلاقات التاريخية المسببة لأزماتنا، ثم ربطها بالتحديات الآنية لبناء الأولويات وفق نظرة تراعي الخصوصية، ولا تهمل تكييفها فقها للواقع والمقاصد؟

طالع أيضا  في سبيل الله والمستضعفين

إنها مجرد تساؤلات، أنرْهنُها بتطلعات السياسيين وأطماعهم؟


[1] وهي مقوم من أهم مقومات وحدة الأمة، راجع سورة الشورى الآيات (36 ـ 41) للوقوف على سياقها وبنودها، وهي جزء لا يتجزأ من نسق إيماني متداخل متكامل متماسك، لا يصح فصل بعض عناصره عن بعض، انظر وحدة الأمة في فكر الإمام عبد السلام ياسين، مجموعة من الباحثين، ط: 1/2015، أفريقيا الشرق.
[2] مرحلة بعد الخلافة الراشدة، وقد نعث هذا الملك بالعاض لحرص الحكام عليه، وطغيان العصبية والاستبداد، فكانوا يورثونه أبناءهم ويأخذون البيعة لهم بالإكراه، وكان أول اجتهاد لوضع أسس الملك اجتهاد الصحابي سيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، وذلك بتنصيبه ابنه وليا للعهد بعده، ومن مواصفات هذا الملك:

·      غياب الشورى وظهور الاستبداد.

·      الانفصام بين القرآن والسلطان. انظر وحدة الأمة في فكر الإمام عبد السلام ياسين، مجموعة من الباحثين، ط: 1/2015، أفريقيا الشرق.
[3] مضمون حديث رواه عبد بن حميد رحمه الله عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خُذوا العطاءَ ما كان عطاءً، فإذا كان رَشوة عن دينكم فلا تأخذوه. ولن تتركوه! يمنعكم من ذلك الفقرُ والمخافة! إن بني يأجوج قد جاؤوا. وإنَّ رحى الإسلام ستدور، فحيثما دار القرآن فدوروا به. يوشك السلطان والقرآن أن يقتتلا ويتفرقا. فإنه سيكون عليكم ملوكٌ يحكمون لكم بحكم، ولهم بغيره. فإن أطعتموهم أضلوكم، وإن عصيتموهم قتلوكم». قالوا: يا رسول الله! فكيف بنا إن أدركنا ذلك؟ قال: «تكونوا كأصحاب عيسى، نُشرُوا بالمناشير ورُفعوا على الخشب. موتٌ في طاعة خيرٌ من حياة في معصية». الحديث. نقله السيوطي في «الدر المنثور» في تفسير قوله تعال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ (سورة المائدة، 78) وعزاه في «الجامع الصغير» للبخاري رحمه الله في تاريخه وأبي داود رحمه الله وصححه مختصرا هكذا: عن ذي الزوائد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خذوا العطاء ما دام عطاء، فإذا تجاحَفَتْ قريش بينها الـمُلْكَ وصار العطاءُ رِشاءً عن دينكم فدعوه».
[4] حب الدنيا وكراهية الموت “حديث القصعة”.
[5] ياسين عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، مطبوعات الأفق – الدار البيضاء، الطبعة: 1، سنة: 1994، ص: 197.
[6] نسبة إلى الحداثة الغربية، الحداثيون المغربون هم أبناء جلدتنا لكنهم خلعوا ربقة أصول الإسلام من أعناقهم ولهثوا وراء الغرب وحضارته يمجدونها، ويربطون كل تخلف بالدين ورجال الدين متأثرين في ذلك بأفكار عصر الأنوار…
[7] ياسين عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص 195-197. بتصرف.
[8] بغياب الأولويات، يفصل الناس بين العلم والعمل، والنظر والتطبيق، وقد يؤدي إلى صراع بين أهل العلم وأهل العمل، لعدم تحديد العلاقات من جهة، ولعدم الفهم من جهة أخرى. رابط الموضوع: http://www.alukah.net/culture/0/108322/#ixzz5CSM6mOlL
[9] منار الهدى، مجلة فكرية شهرية جامعة، العدد: 5/6/2005. انظر صراع القيم بين الإسلام والغرب، عرض حسين عبد العزيز، الجزيرة آخر تحديث: 2010/9/28 الساعة 13:11 (مكة المكرمة) الموافق 1431/10/20 هـ.
[10] ونتساءل هنا: هل توجد قيم كونية مشتركة يجتمع عليها البشر بمختلف ثقافاتهم وقومياتهم ولغاتهم؟ وان كانت فما سبب اختلاف نظرة الشعوب إليها؟ انظر: صراع القيم بين الإسلام والغرب، رضوان زيادة، كيفن جيه أوتول، دار الفكر، ط: 1/2010.
[11] مرحلة تلت الملك العاض، ويمكن التأريخ لها بالصدمة الثانية التي تعرض لها المسلمون والمتمثلة في دخول الاستعمار بلادهم وعقولهم، انظر وحدة الأمة في فكر الإمام عبد السلام ياسين، مجموعة من الباحثين، ط: 1/2015، أفريقيا الشرق.
[12] انظر وحدة الأمة في فكر الإمام عبد السلام ياسين، مجموعة من الباحثين، ط: 1/2015، أفريقيا الشرق.
[13] علاء حسين رحال، نهيل علي صالح، تأصيل الأولويات وكيفية تحديدها، كلية الشريعة، جامعة اليرموك، المجلة الأردنية في الدراسات الإسلامية، المجلد الثاني، العدد(2)، 1427ه/2006م. بتصرف.
[14] مجموعة من الباحثين، وحدة الأمة في فكر الإمام عبد السلام ياسين، ط: 1/2015، أفريقيا الشرق، ص:5.
[15] كيف تغير العالم؟ ديفيد بورنستاين، ترجمة لميس فؤاد اليحيى، الطبعة العربية الأولى: 2014، الأهلية للنشر والتوزيع، ص: من 333 إلى 345.
[16] ما وراء السياسة، الموقف الأخلاقي في فكر عبد السلام ياسين، إدريس مقبول، ط: 1. مطبعة أفريقيا الشرقـ المغرب: 2016، غلاف الكتاب بتصرف.
[17] منصور زويد المطيري، الصياغة الاجتماعية لعلم الاجتماع، ص: 106.
[18] محمد زاهد جول، التربة النهضوية التركية، تجارب: 2، مركز نماء للبحوث والدراسات، ط: 1/2013، مطابع الشبانات الدولية، ص: 233. بتصرف.
[19] التي أتى بها الأنبياء والرسل والمصلحون والمجددون، تدعو الناس بحكمة عقلية ورحمة قلبية الى ما فيه خيرهم في الدنيا والآخرة، لكن بدون مداهنة أو تنازل عن الحق.
[20] من مقدمة كتاب إدغار موران، إلى أين يسير العالم؟ ترجمة أحمد العلمي، الدار العربية للعوم ناشرون، بيروت، ط: 1/2009، ص: 7.
[21] شلق، الفضل. في مهب الثورة، بيروت: دار الفرابي، ط:1، 2012، ص: 58. انظر ما وراء السياسة، ص: 396.
[22] تحليل محتوى مساق الثقافة الإسلامية في الجامعات الفلسطينية بقطاع غزة في ضوء قضايا معاصرة، بحث مقدم إلى مؤتمر التربوي الأول “التربية في فلسطين وتغيرات العصر”، المنعقد بكلية التربية في الجامعة الإسلامية. في الفترة 23-24/11/2004م، إعداد، د. شريف علي حماد، أستاذ مساعد – جامعة القدس المفتوحة، نوفمبر 2004، ص: 2.
[23] الانحراف التاريخي الذي حول مجرى حياتنا ففقدنا بالتدريج مقوماتنا. ذهبت الشورى مع ذهاب الخلافة الراشدة، ذهب العدل، ذهب الإحسان، انظر نظرات في الفقه والتاريخ، ص: 10.
[24] الإسلام وتحديات العصر، أحمد الشايب، https://alwafd.news