الخطوة الأولى: الإفادة من مسار الانكشاف

وتعني أن يتعرّى الوجه الحقيقي للنظام الأبيسي، القائم على الوصاية المطلقة والتصرف المطلق من قبل الحاكم، في مقابل التبعية العمياء والطاعة المطلقة المغلّفة بقشور دينية تتمسّح بصورة فلكلورية لـ”عقد البيعة الحقيقي” الذي يتضمنّ اشتراطا من طرفي العقد وليس عقد إذعان أخرس، وأن تتكشّف تصرفاته المطابقة لنواياه، فتسقط كل أوراق التوت، ويظهر للناس بجلاء أن النظام الذي كان يتم تسويقه باعتباره حاميا وضامنا وراعيا، صار ناهبا، قاتلا، معذبا، مفترسا، معيقا.. فيظهر الحقد الذي كان مدثّرا بابتسامات الكاميرا، ويظهر العنف الذي كان ملفوفا في اللغة الديبلوماسية، وتحمرّ العين التي كانت تنظر باستعلاء، وتحاول أن تخفي احتقارها للناس وهونهم عليها، ويظهر السوط تحت السلهام..

وقد تولّى النظام – مشكورا- تجلية هذا الأمر، وتحقيق هذا الهدف، متخليا عن وقاره المزيّف عند أبسط مطالبة بالحقوق، أو أدنى هبّة صغيرة من أجل مطالب لا تبتعد عن دائرة الخبز والصحة، ومظهرا قوة وبطشا لا يظهران حتى في مواجهة أعداء الوحدة الترابية للبلد، وقد فهم المغاربة أخيرا، الأبوّة الزائفة لنظام لا يتوقف عن تهريب ثروات البلاد، ولا يرعوي أن يفتك بكل من رفع الصوت بسبب لسعة ألم أو مرارة ظلم أو حق مسلوب، وصار من شبه النادر أن تجد من يقول لك بأن المخزن “زوين” ويريد خيرا لهذا البلد.

الخطوة الثانية: بناء صيرورة الاصطفاف

بعد أن يعرف الشعب المسؤولين المباشرين عن ظلمه، ويزيل عن عينيه غشاوة التعامي، ويخرج من مداراته والتواء تشخيص وضعه والمتسببين فيه، عليه أن يعي جيدا أن لا أحد هناك قادر على رفع الظلم عنه، وليس هناك منقذ “سوبرمان” يقول لأمله “كن فيكون”، فلا داعي لتلك الاستغاثات البئيسة في باب المغارة، والانتظار الغبي لكي يتدخّل الظالمون أنفسهم لإصلاح ما أفسدوه، والخيار المنطقي يكمن في البحث عن الإمكانيات الذاتية ومدى قدرتنا على توظيفها في النضال من أجل رفع الظلم، والسبل الممكنة لذلك، والمحاذير الواجب التحوّط منها.

طالع أيضا  "مداخل التحول السياسي بالمغرب" تجمع فاعلين في ندوة بالقنيطرة

إمكانات ذاتية، تبدأ بمعرفة القوى الحية الملتصقة بهموم الشعب والمصطفة إلى جانب نضاله، وفعالياته المختلفة، التي يمكن أن تشكل أعمدة رافعة لحركة الشعب وحراكه من أجل حقوقه.

إمكانات ذاتية يتوقّف النجاح على مدى حسن الإفادة منها وتطويرها، مثل الانتظام الذاتي في تنسيقيات كبرى تنضاف إلى القوى النضالية الميدانية الممانعة، ودوائر فعل نضالي جامع، وجبهة شعبية واسعة، تضع استراتيجية لفعل تأسيسي يبني خيارات جديدة واضحة، تقطع مع الترقيع، والتسويف، واللف والدوران، في اتجاه قيادة حراك شعبي راشد وقاصد، يضع قطار البلاد على سكة الديموقراطية، دستورا، ومؤسسات فعلية، وتداولا على السلطة، وتعددية حرة، وربطا للمسؤولية بالمحاسبة، وتوزيعا عادلا للثروة..

ودون هذا السبيل الواضح، سنبقى ندور مع رياح المخزن، ونرقص مع زوابعه، إمّعات راضية بالفُتات، وقطيعا أسمى آماله أن يتعطّف رعاته ليتكرّموا ببعض ما يفيض عن نزواتهم، وليس أصحاب حق وأرض ومصدر سلطة، أما الحذر الواجب، فهو الخوف كل الخوف، من التردد في منتصف الطريق، وتمكين أصحاب السومات السريعة من بيع المسار، والاسترزاق ببضع مكاسب ومناصب، وتمرير بعض المراهم على جراح كالأخاديد تحتاج عملا كبيرا وعلاجا جذريا.

الخطوة الثالثة: إبراز نخبة جديرة بالالتفاف

لعلّها أصعب خطوة وأخطرها، لأنها تتعلّق بتفكيك العقد التاريخية المانعة من بناء تكتل سياسي وطني، يضم الأحزاب والنقابات والتنظيمات والفعاليات، القادرة على إدارة دولة الحقوق والمواطنة الفعلية، بعيدا عن “لعب” الماضي، و”حقد” الماضي، و”عُقَد” الماضي، مما علق بالنفوس والتصورات، جراء المعاشرة للأجواء المخزنية الفاسدة، أو جراء الانحباس الإيديولوجي بعيدا عن التهوية التواصلية والتجديد الفكري اللازم، وهو ما يتطلّب قراءة جديدة لمتطلبات البناء، ومستوى التنازل المطلوب من كل طرف، وقراءة سليمة لطبيعة المرحلة، وتقدير الأخطار الخارجية وكيفيات التعاطي معها، وصياغة ميثاق المرحلة الانتقالية، يضع التوجهات العامة للبناء المشترك وقواعده الأخلاقية اللازمة، ومحاذيره الكبرى.

طالع أيضا  بين الإسلاميين وشركائهم في الوطن: مقدمة لتبديد الهواجس

وفي هذه الخطوة بالذات، يتطلّب الأمر نخبة وطنية مخلصة، تتعالى على مضايق الانتماءات الصغرى، بجميع صيغها، وتتحمّل المسؤولية التاريخية في التأسيس لانطلاقة جديدة، نخبة لا يمتلكها الجمهور، ولا الأجنبي، ولا خيوط الماضي الفاسد، الذي سيرفض الهزيمة ولن يستسلم بسهولة كما يفعل دائما، خاصة إذا كان في المنتظم الدولي من لا يزال يراهن عليه ويمدّه بأمصال الحياة.

وعلى قدر القوة الاقتراحية المستقبلية لهذه النخبة، وتماسك طروحاتها، والتفاف القوى الشعبية حولها، يتماسك البناء وترشد الحركة، ويُتَوَّجُ المسعى.