من المفاهيم الرائجة بقوة في السنوات الأخيرة إعلاميا وسياسيا وثقافيا مفهوم الإرهاب، فما المقصود به؟

جرى ويجري الآن توظيف مصطلح الإرهاب في الإعلام وفي السياسة الدولية والمحلية لتصوير خطر عالمي أسود يهدد الجميع، لكن دون تحديد المعنى المقصود بالإرهاب حتى لا يختلط بغيره، وذلك بتعريف واضح القيود تتفق عليه دول العالم في إطار الأمم المتحدة، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره كما تقرر عند المناطقة، لكن المروجين لهذا المفهوم تجاوزوا قضية التعريف هروبا من التقيد في سياستهم تجاه الإرهاب وتوظيفا لحالة الغموض، رغم أن عددا من الباحثين أقروا بصعوبة التعريف، في حين يرجع بعضهم صعوبة التعريف إلى أسباب منها عموم مدلول المصطلح وشموله لأشكال وصور من العنف والإرهاب لا تكاد تنحصر، ومنها ممارسة الدول الكبرى المتناقضة، حيث تحارب الإرهاب في مكان وتدعمه في مكان آخر، حتى صح القول أو كاد إن الإرهاب صناعة غربية بديلة عن الحروب التقليدية، فالأمر لا يخرج عن صناعة مقصودة لمفاهيم جديدة يستعملها المثقفون المزيفون من أجل الخداع كما يقول المفكر الفرنسي باسكال بونيفاك.

ومما ترتب عن غياب التعريف الخلط بين المقاومة المشروعة والإرهاب، وبين الإرهاب والجرائم السياسية، وكذا الانتقائية في وصف الأفراد والجماعات والدول بالإرهاب، وفقا للأهواء والمصالح السياسية، فحتى الأمم المتحدة في استراتيجيتها لمكافحة الإرهاب استفاضت في الحديث عن شرح الإرهاب وخطورته على السلم العالمي وعن التدابير العملية لمحاربة الإرهاب في العالم، وعن الإجراءات القانونية، دون الحديث عن المعنى المقصود تحديدا بالإرهاب، وذلك انسجاما ووفاقا مع الاستراتيجية الأمريكية لمعالجة الإرهاب التي نسجت مباشرة بعد أحداث الحادي عشر من شتنبر 2001م.

فوزارة الدفاع الأمريكية، عرفت الإرهاب سنة1983 م وفق رؤيتها الخاصة بقولها: “الاستعمال أو التهديد بالاستعمال غير المشروع للقوة أو العنف من قبل منظمة ثورية”، فأبعدت بذلك إرهاب الدولة قصدا وأقحمت  في مسمى الإرهاب أعمال مقاومات الاحتلال والعنصرية، وتأكد ذلك من خلال تعريف وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية: “التهديد الناشئ عن عنف من قبل أفراد، أو جماعات”، غير أن تعريف منظمة المؤتمر الإسلامي كان واضحا ومفصلا وموضوعيا إلى حد كبير نافيا الخلط الأمريكي، حيث جاء فيه: “الإرهاب كل فعل من أفعال العنف أو التهديد به أياً كانت بواعثه أو أغراضه، يقع تنفيذاً لمشروع إجرامي فردي أو جماعي ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس أو ترويعهم بإيذائهم أو تعريض حياتهم أو أعراضهم أو حريتهم أو أمنهم أو حقوقهم للخطر أو إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق أو الأملاك العامة أو الخاصة أو احتلالها أو الاستيلاء عليها أو تعريض أحد الموارد الوطنية أو المرافق الدولية للخطر، أو تهديد الاستقرار أو السلامة الإقليمية أو الوحدة السياسية أو سيادة الدول المستقلة”.

طالع أيضا  د. الريق: الحكام وبعض النخب واجهوا حدث نيوزيلندا بالبرود إرضاء لقادة الاستكبار

وما صور وتجليات هذا الإرهاب؟

يمكن تصنيف صور الإرهاب الآن في العالم إلى نوعين اثنين: أحدهما ناشئ عن الآخر، فالإرهاب الفكري النظري في مجتمعات غير مسلمة قائم على عقيدة نفي المخالف وعدم قبوله استعلاء كما عند اليمين المتطرف في أوربا وأمريكا، أو حقدا دينيا موروثا، كما نجد لدى الكثير من الدوائر الدينية والسياسية والحزبية في أوربا وأمريكا والصين والهند وغيرها من مناطق العالم.

ويتجلى الإرهاب الفكري في مجتمعات المسلمين في نفي المخالف تكفيرا أو تبديعا أو تفسيقا، لضيق فكر الإرهابي أو اختلال نفسيته وسوء فهمه، ويمثل ذلك في كلا الصنفين القاعدة النظرية للإرهاب العملي التطبيقي المتمثل في تنفيذ مقتضى العنف الفكري من استباحة كل ما له صلة ما بالمخالف قتلا وتدميرا وتفجيرا وإحراقا، كما حدث في كثير من مناطق العالم، وعلى رأسها فلسطين من قبل الإرهاب الصهيوني، وأفغانستان والعراق سابقا من قبل الإرهاب الأمريكي، وسوريا وليبيا ومصر من قبل الإرهاب الدولي والإقليمي، وما حدث من انفجارات في مناطق عدة من العالم، وأخيرا ما ارتكب في نيوزلاندا من مجزرة رهيبة في حق المسلمين، أرادها الإرهاب الأسود نكاية بالمصلين المسلمين الآمنين، فأرادها الله فتحا مبينا لدين الله، ونكاية بالإرهابيين الداعمين والمنفذين.

والحمد لله رب العالمين