قال الأستاذ شعيب عاهدي، المحامي بهيئة طنجة، إن يوم 15 مارس “سيظل يوما فاصلا في الذاكرة الجماعية لمواطني نيوزيلندا ولكل الضمير الإنساني العالمي، فالحادث الإرهابي الذي شهده المسجدان بمنطقة كرايست تشيرتش بنيوزيلندا الذي راح ضحيته 50 شهيدا وعشرات من المصابين من بينهم أطفال ونساء وشيوخ، يعتبر حادثا إرهابيا فاصلا، أحدث تأثيرا بالغا على هذه المنطقة من العالم التي تعتبر واحة للحرية والقبول المجتمعي بالتنوع العرقي والديني، إذ أن قيم المواطنة والتسامح والتعاون والديمقراطية هي الناظمة للحمة المجتمع النيوزيلندي”.

وبسط الباحث في العلاقات الدولية، في تصريح لموقع الجماعة.نت، قراءته لخلفيات الحدث وسياقاته وتداعياته، بقوله “إن الباحث عن الخلفيات التاريخية لهذا العمل الإرهابي، وسياقاته السياسية، وتداعياته العالمية، يلاحظ للوهلة الأولى، تنامي الخطابات العنصرية بشكل ملفت، وبروز الظاهرة اليمينية على مستوى الأحزاب السياسية والحكومات التي انبثقت عنها في أوروبا وأمريكا، إذ إن هذه الأحزاب أصبحت برامجها السياسية وخطاباتها مُشبعة بالحمولة الإديولوجية العنصرية، من خلال التركيز على تفوق العرق الأبيض، والتخويف الشديد من الإسلام والمسلمين، والخطر الاستراتيجي لهجرة مواطني الجنوب نحو الشمال، والتأثير السلبي على الاستقرار المجتمعي لمواطني أوروبا وأمريكا وانعكاس ذلك على الرفاه الاقتصادي والوظائف وانتشار الجريمة”.

وأكد عاهدي أن “تنامي خطابات الكراهية في الغرب من شأنه التأثير على التعايش بين الطوائف وتهديد الأقليات خاصة المسلمة”.

ولمحاربة هذه الخطابات المتطرفة أبرز عاهدي أن “هذا يقتضي من المجتمع الدولي، وجميع مؤسساته الحكومية وغير الحكومية، القيام بأدوار تاريخية لإعادة الاعتبار للمشترك الإنساني والحفاظ على قيم الحوار والتعاون والعيش المشترك”.

واعتبر أن المدخل إلى ذلك هو “اتخاذ عدد من الإجراءات والتدابير العاجلة للحد من نزيف العنف العالمي العابر للقارات، والمهدد للسلم والاستقرار العالميين”.

هذه التدابير تتم عبر مستويات، حسب عاهدي، “فعلى المستوى الأممي لابد من اعتماد ميثاق عالمي يضمن قيم التنوع والعيش المشترك بين جميع المجتمعات، ونبذ خطاب العنصرية والتمييز بجميع أشكاله، سواء أكان على أساس الدين أو العرق أو الإثنية، وجعل يوم 15 مارس يوما عالميا لمناهضة التمييز على أساس الدين أو العرق أو الإثنية.

طالع أيضا  ساكنة تطوان تندد بالهجوم الإرهابي في نيوزيلندا

كما على الأمم المتحدة تحمل مسؤوليتها من خلال الجمعية العامة، عبر القيام باعتماد ميثاق شرف إنساني عالمي مُلزم يُجرم الخطاب العنصري الذي يمس الدين أو يستهدف أعراقا أو إثنيات أو أقليات، سواء أكان صادرا عن حكومات أو هيئات منظمة أو مؤسسات إعلامية أو شخصيات عمومية مؤثرة”.

أما على صعيد الحكومات الوطنية، فيدعو عاهدي إلى “اعتماد قوانين تجرم الخطابات والممارسات العنصرية بكافة أشكالها وتأثيراتها، واعتبار العمل السياسي والممارسة الحزبية القائمة على هذا الأساس تُشكل خطرا على الاستقرار المجتمعي وتهديدا لسلمه وتعايش مُختلف مكوناته. إذ أن هذه الخطابات لا علاقة لها بالحرية والديمقراطية ما دامت تُصادر حقوقا وحريات لمواطنين مسالمين ينتمون لنفس البلدان”.

وباعتبار الدور الأساسي للإعلام في توجيه الرأي العام، قال عاهدي: “أما على مستوى الخطاب الإعلامي الغربي الموجه للرأي العام، فقد أصبح يضطلع بأدوار متقدمة في بعض البلدان، ويُشكل بعضه حاضنة لخطابات العنف والتمييز على أساس العرق والدين والإثنية، وخاصة اتجاه الإسلام والمسلمين، مذكيا لنزعة الإسلاموفوبيا، حيث أن المادة الخبرية والتركيز الشديد على الإسلام ومهاجمته، ساهم إلى حد كبير في تنامي الخطاب اليميني المتطرف المتوسل بالعنف أحيانا كثيرة، الشيء الذي يقتضي فتح نقاش عالمي من قبل الهيئات والمنظمات والحكومات، من أجل اعتماد ميثاق عالمي إعلامي يُنمي قيم الحوار والتعاون والعيش المشترك، وينبذ ويجرم خطابات العنصرية والكراهية ومعاداة الأديان والأقليات”.

وشدد الباحث في العلاقات الدولية على أن “الترافع من أجل سيادة هذه القيم الكونية النبيلة من خلال منظمات المجتمع المدني العالمي أمسى ضرورة ملحة لمواطني الغرب من المسلمين، وذلك لخلق التأثير المناسب الذي يُفضي إلى سن تشريعات وقوانين تساهم في خلق بيئات للحوار والتعاون والعيش المشترك”.

وتوجه عاهدي إلى الأقليات المسلمة في الغرب، دالا على بعض أوجه المساهمة في صد العدائية ضدهم، قائلا: “إن الأقليات المسلمة في الغرب اليوم، أصبحت ملزمة أكثر من أي وقت مضى، بالمساهمة الفاعلة والواعية في مجتمعات إقامتها، لا على أساس كونها جالية أو أقلية، بل على أساس المواطنة الكاملة، من خلال المشاركة السياسية الفاعلة والعمل الحزبي المؤثر، والمساهمة في النقاش العمومي وصناعة الرأي العام، لأن من شأن ذلك إعطاءها أدوارا مهمة في سن القوانين وحماية الاستقرار المجتمعي وضمان مشاركة الجميع في تنمية البيئة الديمقراطية الضامنة للحقوق والحامية للمشترك الإنساني”.

طالع أيضا  الجمعة يوم «حجاب من أجل الألفة».. نيوزيلندا تدعم المسلمين وترسّخ قيم التعايش