قال الباحث في الفكر الإسلامي الأستاذ زكرياء السرتي إن “خطاب الكراهية واليمين المتطرف يمتح من جذور ومصادر فكرية وثقافية ودينية وتاريخية نذكر منها التراث الديني والثقافي للحروب الصليبية، ونظرية تعارض الأعراق التي أضفت طابعا دنيويا على أنظمة الإقصاء المتبادل التي طورها لاهوت العصر الوسيط”.

واستدعى في تصريح لموقع الجماعة.نت، استقراء لخلفيات الحدث الإرهابي الذي عرفته نيوزيلندا الأسبوع المنصرم، لتعزيز قوله كلاما لمفكرين غربيين “فقد كان إرنست رينان “يسعى على الخصوص إلى سن تراتبيات وأفضليات وماهيات جامدة. وفي نفس الآن الذي كان يريد فيه لأوروبا أن تتجاوز العرق نحو الأمة، كان يعزز التعارض بين أوروبا وما يوجد خارجها بحكمه على غير الأوربيين بالبقاء إلى الأبد “منتوجا عرقيا”. وحتى يتجنب تعريف العرق بالدم، اختار أن يعرفه باللغة والدين والعادات، انطلاقا من رؤية جامدة لكل هذه العناصر. فالإنسانية العليا تتحدد في أوروبا” (محمد حداد: في جذور نظرية صدام الحضارات)”.

وأضاف: “ويدعو دييتر سنغاس، في كتابه الموسوم “الصدام داخل الحضارات، التفاهم بشأن الصراعات الثقافية” إلى ما يسميه فلسفة الحوار التفاعلي بين الثقافات. وتعتمد هذه الفلسفة مبدأ مراجعة تاريخ الغرب المثقل بالنزاعات (علاوة على النهج الإمبريالي) وأثرها الراهن على الاقتصاد السياسي الكوكبي. معنى هذا أيضا أن المجتمعات المختلفة مطالبة بالحوار مع ذاتها ومراجعة نقدية لذاتها في التاريخ والحاضر والكشف عن العوائق التي تتخفى وراء مزاعم أيديولوجية تحول دون الحركة والتقدم. وتقضي هذه الفلسفة بالمواجهة عبر الحوار الصريح لحقيقة أزمة الغرب (وأزمة أي مجتمع) في داخله بدلا من اختلاق خصوم من خارجه، هم أعداء وهميون”.

واعتبر السرتي أن هذا العمل الإرهابي يجعل “السؤال المركب: كيف يمكن التغلب على الفوضى الحديثة أو حالة القلق المتصلة في المجتمع الحديث؟ يتجدد”.

طالع أيضا  فعاليات مدنية وسياسية بمدينة البيضاء تستنكر بشدة مجزرة نيوزيلاندا وتندد بازدواجية المعايير

وأجاب عنه انطلاقا من نظرية لسنغاس الذي يرى “أن الحل الحداثي “لمشكلة الفوضى” هو حل سداسي يشتمل في صورته المثالية على العوامل الستة التالية:

“أولا: نزع سلاح المواطنين المسيسين ومأسسة احتكار القوة لإلزامهم بالاشتراك في الخطاب وفي “سياسة المداولة والتشاور”.

ثانيا: شرعية احتكار القوة عن طريق سيادة قانونية تحدد قواعد اللعبة التي يمكن على هديها حسم الصراعات الدائمة والحتمية بشأن الهوية والمصالح المادية.

ثالثا: الانتقال من المجتمعات التقليدية الحديثة يمهد الأرض لعدد من التوقعات التي تمثل دور كل فرد في المجتمع. ويؤدي هذا إلى ظهور سلسلة طويلة من الأنشطة المختلفة وظيفيا، وتهيئ لكل فرد نطاقا واسعا من الأدوار التي من شأنها كقاعدة عامة أن تساعد على الحد من الصراعات وتفكيكها إلى نسب محتملة ومباحة وبذلك تدعم التحكم في المشاعر.

رابعا: تظهر الحاجة إلى المشاركة الديمقراطية في المجتمعات التي تمر بمرحلة انتقال وذلك نتيجة لتزايد الحراك الاجتماعي.

خامسا: أكثر من هذا أن الحوار بشأن قضايا عدالة التوزيع والنزاهة أمر حتمي لا مناص منه في المجتمعات المسيسة وذات الحراك الاجتماعي.

سادسا: يشكل تزامن هذه العوامل معا الأساس لنشوء وتطور الثقافة السياسية للإدارة البناءة للصراع والتي تسود مجالات الحياة”.

ليختم بقوله إنه “من المؤكد أن المقاربة الشاملة لمعالجة خطاب الكراهية ونزعات الصدام العرقي والديني لا تنحصر في وجود “العوامل الستة” لأنها هي ذاتها تبحث عن السبيل إلى الإدارة البناءة للصراع، بينما تحتاج الحياة الإنسانية إلى بث معاني المودة والرحمة والتآخي بعيدا عن سموم الصراع والتنابذ. وهذا ما يفرض استثمار مصادر ومرجعيات أخرى مغيبة في الفكر الإنساني المعاصر”.