تلعب العوامل الخارجية بأبعادها السياسية والاقتصادية دورا مؤثرا في القرار السياسي الداخلي لدول العالم “الثالث” باعتبار أنها لاتزال عرضة للنفوذ الخارجي بشكل كبير. من هنا تنبع أهمية المواقف الدولية الحالية من قضيا حقوق الانسان في هذه البلدان والعربية الإسلامية منها على وجه الخصوص.
وهي مواقف كانت وحتى عهد قريب تعتبر جد متقدمة بالمقارنة مع تاريخ الدعم الغربي للحكام المتسلطين الذين يختبئون خلف شعارات ديمقراطية مزيفة، لكن غلبة لغة المصالح في الحسابات السياسية الغربية وازدواجية المعايير التي تنتهجها هذه الدول في عمليات تنزيل المواقف والمبادئ، أصبح أكثر وضوحا من ذي قبل حيث باتت القوى الغربية ترى أن مصالحها في الدول العربية -خاصة ما بعد الثورات الأخيرة- لا يمكن أن تضمنها من خلال مؤسسات ديمقراطية أثبتت كل التنبؤات أن رياحها باتت إسلامية بامتياز، بل عبر زعماء “أقوياء”، يستطيعون الإتيان على الأخضر واليابس فقط من أجل دوام كرسي السلطة.
لقد كانت المسألة الحقوقية داخل دول المواد الخام، الحاضر الغائب في كل اللقاءات الثنائية بين وفود هذه الدول ووفود الدول المتقدمة التي كانت تضع أكثر من شرط متعلق بهذه المسألة الإنسانية قبل الشروع في مناقشة أي تعاون بين الطرفين، بل وتمارس ضغوطا معتبرة في هذا الاتجاه، استطاعت، وفي حدود معينة، الحسم في قضايا حقوقية من مثل إطلاق سراح بعض السجناء، أو التوقيع على بروتوكولات، والانضمام إلى هيئات حقوق الإنسان، أو حتى بعض التعديلات الدستورية.
ورغم ما يراه بعض المحللين من أن تطبيق معايير مزدوجة عند التعامل مع مسألة حقوق الانسان ليس امراً جديدا، بل يرجع إلى فترة الثنائية القطبية وصراع الشرق والغرب حيث تبادل المعسكران -وفي المقدمة الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي- الاتهامات: كل طرف منهما يتهم الآخر بالتغاضي عن انتهاكات حقوق الإنسان التي تجري من قبل حكومة دولة حليفة أو صديقة لهذا المعسكر أو ذاك، والتركيز بالمقابل على كشف وتضخيم الانتهاكات الحقوقية التي تجري من قبل حكومات دول متحالفة أو متعاونة مع المعسكر الآخر.
إلا أن نظرة بسيطة في المصالح الاستراتيجية لدول العالم المتقدم تجعلنا نفهم هذا التحول على مستوى علنية هذه المواقف التي باتت مهددة أكثر من ذي قبل في ظل إرهاصات عالم جديد ترسم ملامحه الشعوب بدل الأنظمة.
فقد بقيت الأهداف الغربية -المثبتة في وثائق الاتحاد الأوروبي مثلا على صعيد أهداف “سياسة الجوار” في جنوبه العربي والإسلامي- تقوم على ثلاثة ثوابت وهي: تأمين الطاقة والمواد الخام أولا، ومكافحة “الإرهاب” ثانيا، ثم التصدي لهجرة بؤساء إفريقيا نحو الغرب ثالثا، هذا دون نفي أخرى لها أهميتها من مثل ضمان الأسواق التجارية واليد العاملة الرخيصة وغيرها… لكنها تبقى بشكل أو بآخر مرتبطة بالأولى في صورة وسائل، أو حتى نتائج.
وقد أمعن مجموعة من الباحثين في تخصيص الحديث عن وسيلتين رأوا ارتقاءهما إلى مرتكزات أساسية للحفاظ على هذه المصالح الثلاث (مع الإشارة إلى أن هناك من يقول بقلب المعادلة فتصبح هاتين الوسيلتين هما المصالح المراد الحفاظ عليها من خلال الأهداف الثلاث).
وهما: أولا تثبيت الوجود الاسرائيلي وسط هذه الدول، مع ما يصطحبه هذا التثبيت من نحث لصور التفوق العسكري والاقتصادي بل وفي المقام الأول الديموقراطي لهذا الكيان وسط دول عربية استبدادية بكل المقاييس، تثبيت ذلك في وجدان شعوب هذه الدول، وهي أمور يمكن من خلالها فهم الدفع الدائم للغرب في شخص المؤسسات المالية الكبرى لضرب التعليم والصحة، وبالتبع الثقافة والهوية والأخلاق وغيرها.
أما الثاني والذي سنحاول التفصيل فيه بعض الشيء فهو: منع وصول التيار الإسلامي للسلطة.
إذ يعد البعد الحضاري والثقافي بل والهوياتي لهذا الأمر شيء في غاية الأهمية، فهو الكفيل بخلخلة البناء “الحصين” الذي عمل الغرب وبآليات عديدة على إرسائه وترصيصه، منذ زمن الاستعمار الصريح وحتى ما نعيشه الآن من استعمار وبألوان الطيف.
إذ أن نجاح الطرح الإسلامي في الوطن العربي يعني مما يعنيه فشل النموذج الغربي في التنمية والتعليم والصحة والسياسة والمؤسسات وغيرها، فهي كلها مجتمعة من مستوردات هذا الوطن، أو على الأقل: هو نجاح لنموذج منافس.
لقد أتبتت الأزمات المتوالية التي يعيشها المنتظم الغربي التي كان آخرها: تهاوي أسطورة البناء المجتمعي الفرنسي والتي فجرتها مظاهرات القمصان الصفراء، أثبتت ما لخيرات إفريقيا من يد طولى في استقرار و”تقدم” هذه البلدان، وبالتالي سقوط ذاك الربط الذي عمل الشرق والغرب على جعله مسلمة المسلمات بين التقدم والغرب من جهة وبين الإنسان الغربي وتاريخه وحضارته والتفوق من جهة أخرى، وقبل ذلك كله بين التقدم والانسلاخ عن الدين، والدين الإسلامي على وجه الخصوص.
لم تكن هذه الصور التي استطاعت أن تترسخ في أذهان مجتمعات المستعمرات السابقة ومن ضمنها مجتمعات الدول العربية الإسلامية وليدة نظرة مغلوب مولع بغالبه، بل هي نتاج مخططات طويلة الأمد استطاعت تكوين أجيال لا تؤمن إلا بالغرب وحداثة الغرب ومعامل الغرب ولباس الغرب… حتى ولو كان المهندس والعامل والمادة الخام و.. و.. أبناء جنوب أو شرق.
فوصول الإسلام السياسي إلى قمة هرم السلطة، وبآلية الديموقراطية نفسها يجعل من الغرب يعيد كل حساباته ذلك أنه الطرح الأكثر بعدا عن مرامي الهيمنة الغربية اقتصادا وفكرا.
من هنا يمكن فهم ما شاع على مستوى النخبة السياسية الغربية وما تعبر عنه مقولة المستشار الألماني الأسبق هلموت شميدت في كتابه “خارج الخدمة” أنه لا يمكن حكم الشعوب العربية والإسلامية بالديمقراطية بل يتطلب أنظمة حكم شمولية.
والواقع أن ما تعنيه هذه العبارة وأمثالها في الغرب، هو ببساطة شديدة أن ممارسة الديمقراطية على صعيد الشعوب العربية والإسلامية لا توصل إلى أنظمة حكم تحقق المصالح الغربية بالأسلوب الراهن الذي تضمنه أنظمة الاستبداد والفساد.
من خلال كل ذلك تظهر لنا جليا دواعي التغاضي الغربي عن إعدامات السيسي وتصريح الجانب الفرنسي قبل أسابيع بأنه لا مشكلة له في العهدة الخامسة لبوتفليقة وبرودة التعامل مع فضيحة نيوزلاندا والقائمة طويلة.

طالع أيضا  الإسلام ملاذ روحي وأخلاقي