مقدمة

كتبت قبل أربع سنوات هذا المقال الذي يحمل عنوان “صناع الإرهاب”؛ بمناسبة جريمة تفجيرات باريس يوم 13 نونبر 2015. ووجدت نظريته ما زالت قائمة. تأكدت حقيقتها مع تتالي أحداث متتالية. آخرها ما وقع يوم الجمعة 15 مارس 2019، بمسجدين بنيوزلندا.

سلسلة أحداث متباعدة في المكان والزمان، يصعب على كثير منا الربط بين الأحداث، وإيجاد الخيط الرابط بينها.

أعيد نشره بعد إضافات.

عنف أسس مفهوما

منذ الحادي عشر من شتنبر 2001، وبإسقاط البُرجين الشهيرين في عقر دار أقوى دولة غربية، تناسلت أحداث بشعة في العالم الأوربي، القاسم المشترك بينها بِرَك من الدماء وأشلاء أجساد أُناس أصبحوا ضحية طاحونة غريبة متعطشة للقتل وسفك الدماء. إنه كابوس “الإرهاب”.

مصطلح “الإرهاب” أُقحم إقحاما في القاموس السياسي المعاصر. أصبح معيارا رئيسيا يصنف به الأفراد والجماعات. بل أصبح حديثا مشتركا بكل اللغات وعلى اختلاف الحضارات يشغل كل الناس، وأضحى موضوع بحث عند النخب السياسية والفكرية لتفسير دينامية المجتمعات. ومما زاد الطين بلة، التوظيف السياسي لظاهرة الإرهاب وربطها بالتدين عموما والإسلام خصوصا، ليخلص العقل المُمَنطق بمعادلة من الدرجة الأولى -وهو العقل الذي يحتكم إليه السطحيون من الناس- أن المشكلة الحقيقية هي الدين، أي الإسلام. وتأسس مع هذا المنطق ما يصطلح عليه بـ”الإسلاموفوبيا”.

الإسلاموفوبيا

مصطلح ظهر حديثا في المجتمعات الغربية منذ عام 1976 لكن استعماله بقي نادراً في الثمانينات وبداية التسعينات من القرن العشرين. ثم انتشر المصطلح انتشاراً سريعاً بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001. معناه هو التحامل والكراهية تجاه المسلمين، أو الخوف منهم أو من الجماعات العرقية التي ينظر لها على أنها إسلامية. يشير المصطلح المثير للجدل إلى الممارسات المتعلقة بالإجحاف أو التفرقة العنصرية ضد الإسلام والمسلمين في الغرب، ويُعَرفه البعض على أنه تحيز ضد المسلمين أو شيطنة للمسلمين.

طالع أيضا  أمام البرلمان: هيئات مغربية تستنكر العملية الإرهابية في نيوزيلاندا (فيديو)

صناعة أهل الإرهاب

لتجسيد حقيقة الإرهاب، كان من الواجب على صناع الإرهاب من صناعة أهله ليفعلوا فعلهم بالضرورة على أرض الغرب، لكنهم يُستقدَمون من الأرض العربية والإسلامية ليروعوا الناس وليقتلوا الأبرياء. تفجر الأجسام الملغمة في كل بقاع الأرض.

ظهرت بذلك مجموعات إجرامية تحت مسميات إسلامية تسيئ إلى معانيها: الدولة الإسلامية، حركات جهادية نكرة يزج فيها بفتيان ذوي أصول عربية، لا يعرفون من الإسلام إلا لحية طويلة وقميصا قصيرا، ليصبحوا قنابل موقوتة قابلة للتفجير عن بعد يتحكم فيها صناع الإرهاب. غالبا ما تخدم تلك الأنشطة المسلحة المستهجنة قضايا الصهاينة ونفوذهم في العالم، مما يجيش الغرب والشعوب ضد المسلمين.

أثر الإرهاب في العالم الإسلامي

واقع غُرس فيه الرعب والخوف، لكن الغرب بقي يقود العالم. لم تتغير القاعدة من ضوابط الأمن في العالم، بل زادت نسبة الإساءة إلى المسلمين والتشكيك في سلميتهم وفي قدرتهم على أن يكونوا عامل أمن. تحول المسلم إلى كيس مشبوه، إلى تهمة متنقلة.

عمد النظام المالي العالمي إلى التضييق على المسلمين وإلى غلق حسابات الجمعيات الخيرية. كما زاد التضييق على القضية الفلسطينية، وافتعال أزمات سياسية في دول عربية عاشت ربيعا تغيى التحرر من الفساد والاستبداد، لتصبح بؤر توتر ومصدرا للإرهاب. من أجل ذلك، فرضت إملاءات غربية على المنظومة التعليمية العربية باسم إصلاح مناهج التعليم في الدول العربية والعالم الإسلامي. وأغلقت آلاف المدارس الدينية في العالم، وزج بمئات الآلاف في السجون الغربية والعربية.

المسلمون في الغرب

يبلغ عدد المسلمين في أوربا حوالي 20 مليونا: فرنسا 8%، ألمانيا 6.5%، بلجيكا 6%، السويد 6%، بريطانيا 4.8%، إيطاليا 4%. ومع تزايد عدد المسلمين ازدادت نسبة العداء للمسلمين وللمهاجرين عموما، وتحولت تهمة الإرهاب إلى مبرر بسيط لمطاردة المسلمين والعرب. وقد نشر إحصاء EUROPOL أن نسبة الهجمات الإرهابية التي نفذها المسلمون في أوربا سنة 2013 لم تتجاوز 2% بدوافع عرقية أو قومية أو انفصالية. كما نشرت دراسة إحصائية لجامعة كارولينا أن هجمات المسلمين في USA عام 2014، وصلت إلى 37 حالة مقابل 190 ألف من طرف غير المسلمين. أرقام يخفيها الإعلام الغربي عن حقيقة الجرائم الإرهابية في أوربا وأمريكا.

طالع أيضا  حركات وجمعيات مغربية تدعو إلى وقفة أمام البرلمان تنديدا بالجريمة الإرهابية بنيوزيلاندا

نظرية “صناع الإرهاب”

بحسب المحلل الألماني كريستوف هورستل، صاحب نظرية “صناع الإرهاب: Management de la terreur” سنة 2006، المصالح الأمنية في الغرب تكون غالبا على علم ب 95%، وصناع الإرهاب يرغبون في هذا الواقع المليئ بالرعب والخوف، لأن العالم الغربي يعيش أزمة اقتصادية حادة ويتخبط في مشاكل سياسية داخلية وأزمات مالية تنذر بانتفاضة غربية عارمة، لذا وجب شغلها بمثل أحداث “شارلي إيبدو” وتفجيرات باريس الأخيرة، التي قفزت بشعبية الرئيس الفرنسي فرانسوا أولند من 13% إلى 29%.

تفجيرات في عاصمة الأنوار

في وقت يعتصر فيه القلب ألما على ما يحدث من قتل للمسلمين في الشرق الأوسط ويباد المستضعفون في بورما ويشرد فيه أبناء شمال افريقيا ويموت الأفارقة في هجرتهم السرية نحو أوربا في صمت مريب… عاشت عاصمة الأنوار الفرنسية باريس يوم الجمعة 13 نونبر 2015، أحداث تفجيرات عنيفة ذهب ضحيتها عدد من الأبرياء.

أحداث مدانة بجميع المقاييس، لا يقبلها صاحب عقل سليم ولا يبررها صاحب قضية محاصر في أرض فلسطين ولا مقتول بطائرات الغرب في أرض اليمن أو سوريا أو العراق… قتلى بالآلاف من أطفال ونساء وشيوخ في الأرض العربية والإسلامية يتصدقون بأرواحهم لإنقاذ العالم من ثقافة الكراهية وصراع الأجناس.

قتل أبرياء في بيت الله بنيوزيلاندا

يوم الجمعة 15 مارس2019، قتل موثق لخمسين من المصلين بمسجدين بنيوزيلاندا، ونشر فيديوهات الجريمة البشعة عبر الشبكة العنكبوتية ليشاهدها العالم بأسره.

دماء الأطهار تلطخ بساط المسجد، وصراخ الجرحى يملأ المكان.

ولم نسمع بعدها بتنديد صريح، ولا بإدانة رسمية لما وقع. بل الإذاعات والتلفزيونات العربية استمرت في برامج الإلهاء والرقص والغناء.

في حين، اصطف غداة جريمة عاصمة الأنوار سنة 2015، زعماء الدول العربية والإسلامية خلف صناع الإرهاب، لإعطاء عنوان للحدث: الإسلام هو السبب.

طالع أيضا  ذة. بلغازي: اتخذ الله تعالى شهداء نيوزيلندا ليؤسس بهم لغد إسلامي أكثر إشراقا

وبعد

إن الإرهاب صناعة معقدة، لكنها تؤدي وظيفتها بدليل تغيير منحى اهتمام الجميع، وتجعل المواطن البسيط يعيش في الإبهام وخلط الأوراق.

العنف سلوك مرفوض، لا أصل له ولا دين له. العنف مرفوض يتقزز منه المسلمون قبل غيرهم. العنف جريمة مع الله تعالى في حق الإنسان.

نعوذ بالله من خصلة العنف وهي ملمح من ملامح الجاهلية ولازمة من لوازمها، ومعنى من معانيها.

لا بد من الكشف عن هوية صناع الإرهاب، فما منفذو العمليات الإرهابية إلا دمى متحكم فيها. صناع الإرهاب هم مجرمون في حق الإنسانية يستبيحون دماء الأبرياء من أجل أطماع في استغلال الأرض واستعباد الإنسان.