أجرى موقع الجماعة.نت حوارا مع الأستاذ عبد الكريم العلمي، رئيس مجلس شورى جماعة العدل والإحسان، حول الدورة التاسعة عشرة للمجلس التي انعقدت مؤخرا؛ سياقها ومخرجتها، وكذا تركيبة المجلس والصلاحيات المخولة له، والمحاور التي تطرق إليها المجتمعون خلال هذه الدورة والخلاصات التي خرجوا بها.. وغيرها من النقط، تتعرفون عليها في الحوار الهام:

عقدتم نهاية الأسبوع المنصرم، 09-10 مارس 2019، الدورة التاسعة عشرة لمجلس شورى جماعة “العدل والإحسان”. ما السياق العام الوطني، والخاص بالجماعة الذي عقدت فيه هذه الدورة العادية؟

السياق العام الذي انعقدت فيه هذه الدورة ينبئ باستمرار الوضع السياسي والاجتماعي على ما هو عليه، فبإزاء الانحباس والخواء الذي يُعاني منه الواقع السياسي في البلد، وانعدام الإرادة السياسية الصادقة للقطع مع الأشكال والطرق المخزنية العتيقة التي ضجر منها المغاربة وملوها، هناك استمرار من نوع آخر للاحتجاجات الاجتماعية القطاعية والمهنية والمجالية والتي لا تزال المقاربة الأمنية هي الوصفة المخزنية للتعامل معها. كل ذلك يزيد الوضع تعقيداً وترديا.

أما السياق الخاص بالجماعة، فمن جهة تنعقد الدورة بعد أسابيع قليلة من الحملة الجديدة والهجمة المتجددة للحاكمين على الجماعة اقتحاماً وتشميعا للبيوت، في تحد سافر لشرائع السماء وقوانين الأرض، ومن جهة ثانية فإن السياق الخاص بالجماعة يعبر عن السير القاصد الذي لا تثنيه بنيات الطريق عن الخط اللاحب والعمل الدؤوب فيما ينفع الناس في دنياهم وآخرتهم وينفع الوطن إن شاء الله، والإسهام في تحقيق حياة الكرامة والحرية والعدل.

ما دلالة وصول دورات المجلس، في لقاءاته العادية، إلى 19 دورة؟

مما نحمد الله عليه أن هذه المؤسسة -وكباقي مؤسسات الجماعة وأجهزتها- تعرف سيراً منتظماً ومنضبطاً للقوانين الداخلية للجماعة حيث لا تتخلف عن مواعدها، كما تعرف التزاما عاليا من قبل أعضائها وعضواتها، الذين يستحقون بالمناسبة كل تقدير واحترام وتنويه.

مادام البيان تحدث عن دورة عادية، فالطبيعي أن القانون المنظم للمجلس يتيح إمكانية عقد دورات استثنائية. ما طبيعتها وكيفية انعقادها؟

نعم هناك دورات استثنائية تنعقد عند الضرورة، سواء تعلق الأمر بضرورة تنظيمية خاصة، أو أمر عام يهم البلد كله، وتنعقد بنفس ضوابط الدورات العادية عموماً.

ما صلاحيات مجلس الشورى؟ وما تركيبته؟ وموقعه في البناء الهيكلي للجماعة؟

مجلس الشورى هو أعلى هيئة تشريعية وتقريرية في الجماعة، يقيم أداءها العام، ويفصل في قضاياها الكبرى واستراتيجيتها العامة، ويقرر في استحداث الهياكل ويصدق على القوانين المؤسسة لها، كما أن مجلس الشورى مكوِّن أساسي من الهيئة الناخبة التي تنتخب الأمين العام وأعضاء مجلس الإرشاد وفق القانون المنظم.

أما عن تركيبته فالمجلس يتكون من أعضاء الهيئات المركزية إخوانا وأخوات ومسؤولي ومسؤولات المؤسسات العليا في الأقاليم، وكل هؤلاء منتخبون مركزيا وإقليميا، بالإضافة إلى فعاليات من الإخوة والأخوات مُعَيَّنة في المجلس، ويضاف إلى كل أولئك ضيوف من رجال الجماعة ونسائها.

مما تطرقت له الدورة، تقييم الأداء العام لمؤسسات الجماعة، ما الخلاصات العامة لهذا التقييم؟ وكيف ترون سير العدل والإحسان وحركتها في المجتمع؟

سجل المجلس بارتياح واطمئنان السير الموفق لكل مؤسسات الجماعة إخوانا وأخوات وعلى كل المستويات مركزيا وإقليميا ومحليا، كما سجل بحمد الله الانسجام الحاصل داخل هذه المؤسسات والأجهزة، وما يسود الصف من تحاب في الله وسعي للتعاون والتجند لخدمة دين الله، والمساهمة في الوقوف في وجه الإفساد والاستبداد.

طالع أيضا  مجلس شورى جماعة العدل والإحسان يعقد دورته التاسعة عشرة

ورغم الحصار المفروض على الجماعة والتضييق الذي لا يتوقف إلا ليتجدد بأشكال موغلة في التخلف والاستهتار بكرامة الإنسان، فإن الجماعة ماضية في عملها وحركتها ودعوتها شعورا منها بالأمانة والمسؤولية تجاه دينها ووطنها وأمتها.

ما المشاريع الكبرى التي ستحملها مؤسسات الجماعة إلى الشعب المغربي خلال المرحلة المقبلة؟

أهم مشروع وأكبر مشروع تسعى جماعة العدل والإحسان لحمله للشعب هو أمر التربية ووصل القلوب بالله، فنحن كما كان يقول الأستاذ المرشد رحمه الله جماعة تتوب إلى الله وتدعو الناس إلى التوبة إلى الله، “ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين”. فهمنا وعملنا أساسا أن نكون ملاذاً أخلاقيا ملتصقا بالمواطنين وقضاياهم، بمعنى أن هَمّ كل واحد منا في صلاح حاله مع ربه والاستعداد لآخرته، لا ينفك عن هم الأمة وسعادتها في هذه الدنيا، وهكذا ينضاف السعي لأن نكون ملاذا سياسيا وسط شعبنا إلى الهدف السابق. وبالمناسبة فالمؤسسة المعنية بهذا الشأن عاكفة على تطوير ورقة التصور السياسي للجماعة. ومن جهة أخرى هناك انكباب على تعميق النظر والفكر في الورقة التصورية لعمل المرأة داخل الجماعة وفق الأفق التجديدي الذي أثله الأستاذ المرشد رحمه الله. ومن جهة ثالثة تعمل الجماعة على إخراج المنظومة التأهيلية التربوية في حلة جديدة تكون إطارا تعليميا وتربويا وتدريبيا لأعضاء الجماعة والوافدين عليها.

انعقد المجلس في سياق حملة السلطة الجديدة على الجماعة وتمشيع سبعة بيوت لأعضائها في مدن مختلفة، ما قراءة المجلس لتعاطي السلطة؟ وما التدابير المتخذة للتعامل مع هذا التضييق الجديد؟

تضييقات المخزن على جماعة “العدل والاحسان” لم تنقطع منذ تأسيسها، تتصاعد أحيانا وتخفت أحايين أخرى لتستأنف بصور يكون الغرض منها تحقيق أذية أبلغ بدعوتنا وأعضائها. لذلك تجد أن صنوف التضييق المخزني على الجماعة تعددت وتنوعت بحيث لم تترك مجالا من مجالات نشاطنا إلا حاربتنا فيه. أما الهجمة الأخيرة، فكما لم يعد خافيا على أحد، فقد استهدفت سبعة من بيوت أعضاء الجماعة بالاقتحام والإغلاق والتشميع بدون سند قانوني ولا مرجع قضائي حقيقي ولا احترام لحرمة المسكن التي تكفلها كل الشرائع. وهذا ما ندد به المجلس في هذه الدورة معتبرا أن هذه الخطوة تمثل تصعيدا خطيرا وغير مبرر، اللهم إصرار الماسكين بزمام الحكم على المقاربة القمعية لملف “العدل والإحسان”.

 لكن المجلس وقف على أمر في غاية الأهمية كذلك والذي يتحدد في تعميم التعامل الأمني مع كل الفعاليات المطالبة بالحقوق والحريات في هذا البلد. فهذا الأسلوب القمعي لا يقتصر على أبناء الجماعة والمتعاطفين معها فقط، بل ينال معظم المغاربة من مختلف الحيثيات والمجالات من بركات القمع الرسمي. وهذا ما يلح على الكل نخبا وجماهير للوقوف صفا واحدا ضد هذا التغول المخزني الذي لم ولن يسلم من أذيته أحد.

البعض رأى في الحملة الجديدة رسالة مشفرة إلى الجماعة مطلوب منها أن تقرأ مضمونها الأساسي المتمثل في دعوة الجماعة إلى مراجعة خياراتها ومواقفها والانتقال إلى الفضاء الرسمي المفتوح، غير المشمع، والانخراط في مؤسسات الدولة والإسهام من خلالها في بناء الفرد والمجتمع. ما رأيكم؟

بناء الفرد الصالح والمجتمع السليم هو الغاية الأساس لمشروع الجماعة، فكل مؤسساتها التربوية والدعوية والسياسية تركز في برامجها على تحقيق هذه الغاية بالرحمة والحكمة النبوية. وهذا بالضبط مصدر معاناة الجماعة، وهو ما تؤدي، جراء الحرص عليه، أثمنة باهظة من حقوق وحريات أعضائها والمنتسبين إلى صفها.

طالع أيضا  مجلس الشورى 17: ينبغي أن تتكتل كل الجهود من أجل تحقيق غد أفضل

وقد حرصت الجماعة منذ تأسيسها على الاستفادة من حقها في العمل من داخل مؤسسات المجتمع المختلفة لكنها تعرضت للاضطهاد بحيث يمنع عليها غشيان المنتديات أو الاستفادة من القاعات العمومية لممارسة أنشطتها، بل كما أصبح معلوما للجميع فإن مجرد وجود أي عضو أو عضوة من الجماعة في أية جمعية ولو كانت جمعية آباء وأولياء التلاميذ أو جمعية لتحفيظ القرآن أو محاربة الأمية، يجعل تلك الجمعية في مرمى نيران المخزن، وكأنه يستميت في أن تبقى بلا طعم ولا لون ولا هوية حتى يسمح لك بولوج المجال العام.

سجّل بيان المجلس “استمرار الفشل العام للحاكمين في التعاطي الجاد مع المطالب الشعبية المشروعة وتحمل المسؤولية تجاهها من خلال تحقيق تنمية فعلية”، ما علامات هذا الفشل العام؟ وكيف يمكن تجاوزه؟

هذا لم يعد حكما خاصا بالجماعة بل صار حقيقة بادية للعيان عبرت عنها بفصاحة الأرقام والإحصاءات والتحليلات الصادرة منذ مدة غير يسيرة عن كثير من المنظمات الدولية، كما شهدت بها المئات من الاحتجاجات التي تخترق ربوع الوطن من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه. وهذا ما اضطر النظام إلى الاعتراف بفشل النموذج التنموي الذي طالما بشرت الآلة الدعائية الرسمية المغاربة ببركاته. ورغم هذا الإقرار ما تزال الدولة عاجزة لحد الآن عن التقدم بمشروع جديد وجدي قادر على مواجهة الإعاقات التنموية والمجتمعية التي أفرزتها سنين طويلة من الفساد ونهب خيرات هذا البلد. أما البديل الحقيقي، الذي تطرحه وثائقنا وتعلن عنه دائما تصريحاتنا، فيتحدد في ضرورة بلورة مشروع مجتمعي متكامل قوامه العدل والكرامة والتوزيع العادل للثروات، وبلورة هذا المشروع مسؤولية لا بد أن يتحملها شرفاء هذا البلد والغيورون عليه عبر حوار وطني شامل.

نددتم بتصاعد “وتيرة الهجوم على أخلاق وقيم المجتمع المغربي واستهدافها بالتمييع والتفسيخ”، ما العمل لمواجهة هذه الهجمة التي لا تخفى آثارها؟ وكيف يمكن حماية الشباب والأسر وسائر المغاربة من استهداف دينهم وأخلاقهم والغاية من وجودهم؟

تخريب قيم المجتمعات استراتيجية خطيرة وقديمة ومستمرة استهدفت كل المجتمعات المسلمة، وتجندت لها قوى معادية للإسلام والمسلمين، وخصصت لها إمكانات هائلة مادية وتقنية وبشرية. والغرض الأساس من هذه الاستراتيجية تفكيك لحمة هذه المجتمعات وتحطيم مقوماتها المعنوية وضرب ولائها لدينها ومسخ هويتها. ومن المعلوم أن هذه الأبعاد المستهدفة تشكل أهم دعائم نهضة الأمة وأقوى ركائز استمرارها. وقد التقت مصالح القوى المعادية للإسلام مع مصالح أنظمة الاستبداد المحلي في هذا الباب، وهذا ما يفسر استمرار تصاعد الهجوم على هوية المجتمع وقيمه الأصيلة إعلاميا وفنيا وثقافيا وسياسيا.. وقد وجهنا في مجلس الشورى الأخير نداء حارا وصادقا إلى كل الغيورين لبذل الوسع وتوحيد الجهود وتكتلها لتطويق تبعات هذه الاستراتيجية التدميرية. فهذه مسؤولية الجميع أمام الله عز وجل ثم أمام التاريخ.

طالع أيضا  ذ. العلمي: مشروع العدل والإحسان الأكبر هو التربية ووصل القلوب بالله تعالى

في سياق أعم، إقليمي ودولي، سجلتم من جهة الازدواجية في التعاطي مع إرادة الشعوب التخلص من الاستبداد، وحذرتم من جهة من تنامي النعرات الطائفية والإثنية والمذهبية وما تشكلها من تهديد لتماسك السلم المجتمعي للشعوب. كيف تقرؤون السياق الإقليمي والدولي في ظل هذه التحديات، وغيرها، والتي تؤثر طبعا على الواقع المغربي؟

منذ بداية الألفية الحالية عرف العالم تناميا خطيرا لاستهداف الشعوب المسلمة بكل أصناف الانتهاك لحقوقها وتدمير مقوماتها المادية والمعنوية، بل وصل الأمر إلى الغزو المباشر. كما اشتدت وطأة وتسلط الاستبداد المحلي على القوى المعارضة. وقد مثلت الهبة الشعبية المباركة لسنة 2011 فرصة تاريخية مهمة للبدء في مسار تحرير الشعوب العربية من الطغيان والفساد، إلا أن الاستكبار العالمي وبتحالف خطير مع الأنظمة المحلية المتخلفة بذل جهودا رهيبة في تثبيت الاستبداد الحاكم في هذه الأوطان، عبر انقلابات عسكرية ومناورات سياسية ودعم لا محدود، بدءا من التمويل المالي واللوجستي، إلى المساندة السياسية والإعلامية، إلى التشجيع على ارتكاب أفظع الجرائم والتستر عليها. وهذا ما نددت به غالبية المنظمات الحقوقية عبر العالم.

والمغرب لم يكن نشازا في هذا السياق، فقد نالت الخطوة الالتفافية التي قادها المخزن على الحراك الشعبي دعم وتشجيع الدول الغربية، كما يسجل باستمرار التغطية من قبل هذه الحكومات على الانتهاكات التي يرتكبها في حق المعارضين والمطالبين بالحقوق المشروعة، وما ملف الريف وجرادة وتشميع بيوت أعضاء الجماعة عنا ببعيد. في هذا المناخ وجهنا نداء للعقلاء في الغرب من حقوقيين ومناضلين ضد الانتهاكات إلى بذل المزيد من الجهود للدفاع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها والخروج من دائرة الفساد والتخلف والاستبداد. فالمصالح الحقيقية والدائمة للغرب تمر عبر مصالح الشعوب وليس بالتحالف مع المستبدين والناهبين لخيرات البلدان.

أما عن دعوة بيان مجلس الشورى للنخب والفضلاء والدعاة والمفكرين لليقظة والانتباه لتنامي النعرات الطائفية والإثنية والمذهبية داخل كل بلد على حدة وفي الأمة عامة، فالهدف من هذا النداء أن يكون الجميع في مستوى اللحظة التاريخية التي تمر منها أمتنا وبلدانها، من أجل تفويت فرص الكيد والمكر الخارجي والداخلي الساعي إلى تمزيق الأمة، بل تعميق وتوسيع هذا التمزيق. فلا حل لكل مآسينا إلا بالحوار الصادق بين الدول الإسلامية، وداخل كل دولة.

ويا ليتنا نستفيد من دروس التاريخ البعيد والقريب، فالدول والشعوب التي طحنتها الحروب طحنا لم تجد مخرجا إلا بوقف المأساة وبدء البناء على أساس المشترك، وما أوربا منا ببعيدة. كيف لا وهذه الأمة وعدها ربها سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم بأن تكون قدوة للأمم ورحمة في العالمين، تقود الناس وتتعاون معهم على خيري الدنيا والآخرة، ولن تحقق ذلك إلا إذا كانت صفا متراصا متعاليا على سفاسف المماحكات والنعرات. وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون. وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون.