بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه

إلى أين تسير انتفاضة الجزائر اليوم؟ هل ستصل اللحظة الحاضرة بالنصف الأول من أكتوبر منذ أزيد من ثلاثين سنة: 1988 وما تلا ذلك من نسائم ديمقراطية ما لبث دخان الدبابات والرصاص أن لوثها شر تلويث؟ أم هي تسير مباشرة إلى نموذج 30 يونيو 2013 المصري وما أعقبه؟
بمعنى هل سيكون للشعب الجزائري جوابه القاطع عمن يُضحكون العالم عليه بهذه العهدة الخامسة للرئيس “الحالي” رحمه الله؟ أم سيخرج بعد أيام “المنقذ” الجديد ليعلن في الناس نهاية الهم والغم وبداية مرحلة جديدة هو سيدها وحاميها وراعيها ولا أمل إلا به وفيه؟
أيا ما كان جواب القدر فإن المتتبع لا يمكن إلا أن يطمئن إن شاء الله إلى ما يرى ويسمع. فالجزائر التي لم تستطع أن تُسَيِّر ولو مسيرة واحدة في بداية العشرية الحالية لما كانت الملايين تسير وتتظاهر وتعتصم على امتداد بلدان ما اصطلح عليه بالربيع العربي، ولما كان رؤساء الجمهوريات الملوكية يهوون الواحد تلو الآخر، حيث كانت قوات “الأمن” في العاصمة الجزائر تفوق أعدادها أعداد المتظاهرين، ها هي اليوم تبث روحا جديدة بإذن الله في هذا الربيع الذي داسته أحذية الاستبداد المحلي على مرأى ومسمع من العالم أجمع، لتُعَلّم الناس من جديد أن أعمار الشعوب لا تقاس بالشهور والسنوات القليلة، فسيرورة الهبات كما تحتاج إلى النفس الطويل تحتاج إلى الزمن الممتد، ولتؤكد سقوط خرافة “إما الاستبداد أو الدمار” التي يحكيها على مسامع الناس الحكام المفسدون وأبواقهم.
فكما كانت الجزائر متميزة في استقلالها كانت متميزة في الوقوف في وجه الفساد والاستبداد والنهب والتفقير، فبعد أكثر من ربع قرن من الحكم الفردي وقفت في خريف 1988 تلك الوقفة المعتبرة، وأدت الثمن غاليا (حوالي 500 شهيد في أسبوع واحد، من 5 إلى 12 أكتوبر)، وفرضت التعددية على الحزب الحاكم، وكان ما كان مما ينبغي ألا ننساه:
استجابة الشاذلي بن جديد لمطالب الشعب، إشاعة أجواء الحرية، انتخابات ديمقراطية جُنَّ لها ولنتائجها الماسكون بزمام الأمور في الداخل والماسكون بهم في الخارج، فبدأ مسلسل التراجعات باعتقالات يونيو 1991 والمحاكمات والاعتداء. كل ذلك لم يزد الشعب إلا إصراراً على الالتحام والمساندة لتيار رأى فيه بديلا عن السنوات العجاف، فكانت انتخابات دجنبر 1991 وإحراز الجبهة الإسلامية للإنقاذ 188 مقعداً برلمانيا من أصل 232 مقعداً القطرة التي أفاضت كأس الحقد الأعمى الإقليمي والدولي لتدخل الجزائر في عشريتها السوداء، بدءاً بإجبار الشاذلي بن جديد على الاستقالة في يناير 1992 وإلغاء نتائج الانتخابات ثم تأسيس مجلس رئاسي للحكم “عُينَ” رئيسا له محمد بوضياف ليغتال في ظروف “غامضة”، وليبقى -كما كان- الفاعل المتنفذ الجنرال خالد نزار المدعوم والمدفوع من دول إقليمية لا راحة لها في رؤية الشعوب تتنفس أي نسمة من حرية، ودول كبرى لا تمر مصالحها عبر مصالح الشعوب.
والأدهى والأشد إيلاما أن الجزائر دخلت في النادي “العالمي” لأخطر الصناعات في العقود الأربعة الأخيرة “صناعة الإرهاب” التي بدأت فضائحها في السنوات الأخيرة تخرج للعلن على أيدي بعض ضباطها من الجزائر ومن خارجها!
إن “صناعة الإرهاب” في عالمنا الإسلامي لا تنفك عن “صناعة الفقر”، فالاستحواذ على خيرات الأوطان من قبل مفترسي الداخل والخارج، من أنجع وسائل استمراره هذه الفزاعة ذات الأوجه المتعددة: التشويه، التخويف، التحييد، قتل الخصوم ماديا ومعنويا بكل “أريحية”.

طالع أيضا  نظام الحكم العربي والثورة السورية: الاستثمار في الفوضى

وبعد:
فهل تعيد هذه الحقبة السوداء نفسها؟ أم أن سنة الله في التاريخ أنه إلى أمام؟ وهل نكون على موعد مع تحول ديمقراطي حقيقي في الجزائر، وبناء جمهورية جديدة تعطي الأمل لشعوبنا، وتقدم دروساً أخرى للعالم؟
الرجاء في الله في الجزائر وفي الأمة جمعاء لا حد له.