أثارت بعض بنود القانون الإطار الجديد لمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي 51.17 تفاعلا كبيرا، ونقاشا مجتمعيا ليس من السهل القفز عليه، خصوصا في المواد المتعلقة بتمويل المنظومة، أو تلك الخاصة بلغات التدريس.

مشروع القانون الإطار الذي صادق عليه المجلس الوزاري يوم 20 غشت بعد مداولات كثيرة بين الحكومة والمجلس الأعلى للتربية والتعليم، لبلورة الرؤية الإستراتيجية 2015-2030 على شكل قانون ملزم، أثار ردود فعل، ونقاش من قبل نقابات وهيئات وأحزاب.

هذا النقاش يتركز بالأساس حول الأهداف غير المعلنة التي يرمي القانون-الإطار إلى تحقيقها، خصوصا مع الضبابية اللغوية التي تختفي وراء مسميات كثيرة من قبيل “التعدد اللغوي” و”الخيارات اللغوية” و”الهندسة اللغوية” و”التناوب اللغوي”، وكذا ما هو معلن من حيث المجانية، والتضارب الذي تعرفه بعض مواده في التمويل، فقد نص على إحداث صندوق خاص لدعم عمليات تعميم التعليم الإلزامي وجودته، يتم تمويله من طرف الجماعات الترابية والمؤسسات والمقاولات العمومية ومساهمات القطاع الخاص وباقي الشركاء، في حين يصرح المشروع نفسه بإقرار رسوم للتسجيل بمؤسسات التعليم العالي في مرحلة أولى، وبمؤسسات التعليم الثانوي التأهيلي في مرحلة ثانية، وذلك وفق الشروط والكيفيات المحددة بنص تنظيمي، مع الأخذ بعين الاعتبار مستوى الدخل والقدرة على الأداء.

وعرفت المراحل السابقة منذ تقديمه إلى البرلمان من أجل المصادقة عليه؛ شدا وجذبا بين الفرق النيابية من أجل إدخال التعديلات عليه وهو ما لم يتم بعد في خضم سجل من الملاحظات على الشاكلة التي يراد لها أن يمر بها النقاش.

وتتجه الأنظار إلى اجتماع رئيس مجلس النواب ورؤساء الفرق للبت في الأمر يوم 11 مارس الجاري، بعدما تحدثت وسائل إعلام عن تنازلات من قبل أحزاب سياسية كانت متشبثة ببعض التعديلات. وهو ما يفسر بشكل جدي توجه الدولة لإقرار هذا القانون.

طالع أيضا  أزمة التعليم إلى تفاقم.. أساتذة التعاقد ينزلون إلى الرباط ابتداء من اليوم وتنسيقيتان تضربان أسبوعا كاملا هذا الشهر

في سياق متصل أصدرت شبيبة العدل والإحسان “نداء” يوم 04 مارس بهذا الخصوص، أكدت فيه أن أي إصلاح “لم ينسجم وهوية المجتمع ومقوماته ومقدراته، ولم تسهم فيه طاقاته المتخصصة وقواه الحية، ولم يخضع لنقاش عمومي على مرآى ومسمع من الشعب، وهو المعني بمخرجاته أساسا، لن يجسد أبدا تعاقدا وطنيا ملزما، ولن ينتج نظاما تعليميا نراهن عليه لبناء الإنسان وتحصين مستقبل وطننا في عالم متسارع ومتغير”. مضيفة أن هذا “الإصلاح” “لم يخضع يوما لنقاش عمومي أو تقويم تصحيحي بعد الفشل”.

وأضافت الشبيبة أن رفع ورقة إصلاح التعليم يأتي لتحقيق هدفين متسقين، يتلخص الأول في “العزف على نغمة تخديرية بدعوى الإصلاح”، بينما الثانية تحملها الأولى في ثناياها لـ “تمرير وتثبيت مزيد من الإملاءات الخارجية الاقتصادية والسياسية والثقافية”. مضيفة أن المتتبع لهذه السيرورة المملة ليقتنع عين اليقين أننا بصدد “إفشال مقصود لا فشل طارئ”.

وواصلت الشبيبة انتقادها بما اعتبرته يقينا لدى الأكاديميين قبل السياسيين، ومعهم لدى عامة الشعب، “أن أزمة التعليم أزمة غياب إرادة صادقة لمن يملكون ناصية القرار تجاه بناء تعليم ديمقراطي حديث ومنتج”، مؤكدة أن الرفض التاريخي لمخرجات اللجنة الوطنية المكلفة بقضايا التعليم سنة 1994، شأنه شأن الارتجال التدبيري المستديم -المخطط الاستعجالي نموذجا- ما هما “إلا شواهد للتاريخ على انعدام هذه الإرادة”.

الوثيقة نفسها التي اعتبرت التعليم ورشا لـ“تطويع الناشئة لتكون “مواطنة” حسب قواميس السلطوية”، دعت من اعتبرتهم الأحرار لـ“لاستماتة في الدفاع عن هذا الورش الإستراتيجي تحملا لمسؤوليتها التاريخية تجاه الوطن، وتجاه أجيال من الشباب تلفظها المدارس العمومية لتسلمها للإحباط والفشل والمجهول، أو تخرجها بتكوين هش لواقع العطالة البئيس”، ولفتت الوثيقة المعنونة بـ“لنتحد إنقاذا لمستقبل أبناء المغاربة” إلى أن تكرار إنتاج شروط الفشل يستلزم بالمنطق تكرار الفشل.

طالع أيضا  التعليم بين "الوقفة البيداغوجية" و"الصرامة الأمنية"

وبخصوص البنود المتعلقة بتمويل المنظومة التربوية، أكدت الشبيبة “أن المقاربة التسليعية التشيئية للتعليم، والسعي التدريجي لإنهاء مجانيته جشع وامتصاص لجيوب المغاربة، وتحرر من نفقاته الواجبة على الدولة تجاه مواطنيها”، وشددت قائلة “كل ذلك لن يزيد إلا صبيب الاحتقان الاجتماعي المتنام. ذلك أن الشعب كلما خصخصت خدمة اجتماعية إلا وتشبث بالتي تليها، حتى صار التعليم على علاته أملهم الوحيد”.