يقول الله عز وجل في كتابه الحكيم، بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 1، وجاء في كتاب “المنهاج النبوي” ما نصه: “كما أن التعلم لا يتم إلا بوجود معلم عالم وطالب لديه قابلية للتعلم من حيث الاستعداد العقلي والنفسي، فكذلك الجهاد لبناء الأمة على أسس إسلامية، لا يتم إلا بوجود مجاهدين لديهم الكفاءة العملية الجهادية من حيث التربية والتنظيم، مع وجود قابلية في الشعب لقبول النظام الإسلامي في السياسة والاقتصاد والاجتماع.. الركب يتحرك إلى خير إن شاء الله، لكن العمل الميداني إن لم يدخل في خطة محكمة لها وجهة مدروسة، وغاية معروفة، وأهداف مرحلية، وقسمة للمهام بين فئات جند الله، لن يؤدي لتأليف قوة التغيير المرجوة وإن انتهى إلى تكوين تكتل ذي حجم” 2.

2. العمل تصويب للعلم ومصدر نشأته

يقول الحبيب رحمه الله: “.. ثم العلم والعمل.. علم بالأحب إلى الله ثم عمل به..” 3، العمل عنوان العلم وعلامته، العمل هو مناط التكليف، وميزان التشريف، دنيا وأخرى. جاء في العدد السادس من مجلة الجماعة: “.. بعد العلم العمل، بعد الفقه النظري للتجديد وأسسه النفسية التربوية الفقه العملي بالممارسة الصابرة الذكية، بالتعلم من العمل إثر العمل على ضوء العلم” 4 وهذا ما يميز العلم المنهاجي، لأنه علم عملي إجرائي، يصبح فيه العمل شرطا لبلوغ العلم وأهدافه، العمل فيه تقوى وإيمان قبل كل شيء، عمل وجهاد، يقول الإمام رحمه الله  في النموذج الخالد: “.. لقد أوتي الصحابة الإيمان قبل القرآن كما يحدثنا مولانا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. وهذا يدل على المنهاج والفقه المنهاجي، الذي يسبق الإيمان فيه العلم ويتلوه بعدئذ العمل. فإن دخل في وهمنا أن بيدنا إسلاما لأن من بيننا حملة للعلم النبوي، رواة لفظيين وإن كانوا لا يصلون ولا يتقون [ويعتبرون المرجعية الدينية أسطورة من الأساطير] فلنقبل معها أن يكون من شبابنا من يضحكون ويسخرون ولا يصدقون” 5، وما العمل إلا إيمان وإحسان، إحسان العبد في عبادته لله وإلى عباد الله، وإحسان الله إلى المحسنين من عباده ومحبتهم، جاء في الإحسان: “.. كل معاني الإحسان مكتوبة مطلوبة من عمل المؤمنين ليكون سعيهم مرضيا في الآخرة، وليأتي بحسنة الدنيا والآخرة، وليُدْرِجَ العاملين في صف من يحبهم الله عز وجل، ومن أحبَّه أناله مقامات الإحسان. هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ 6 .. إحسان العبادة من خلال العمل، كل العمل المشروع لاسيما ما كان أحبَّ إلى الله عز وجل. وإحسان الإتقان، في الفروض العينية وفي الفروض الكفائية. والإحسان إلى الناس، وهو البر، وهو قِوام المجتمع الأخوي. في رأس قائمة الأعمال الإحسانية المحبوبة عند الله المفضلة، لا أفضل منها، الدعوةُ إلى الله وراثَةً للنبوة وتأدية لوظيفتها. قال الله عز وجل: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ 7. ثم تتراصُّ الأعمال الأحب إلى الله في صرح السلوك الإحساني” 8، “ومن ثمَّ يكون هو الفلاحَ المطلوبَ من الأمة المحسنة، هو الإحراز على حسنة الدنيا والآخرة معا، بالعمل الصالح للدنيا بجدواه وصوابه، الصالح في الآخرة بإخلاصه وجدواهُ وصوابه. قال الله جل جلاله يعرض علينا الحالتين المتقابلتين: فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ أُولَـئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ 9. حسنة الدنيا تنال بالعمل وحسنة الآخرة تنال بنفس العمل لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا. وإن سجلات الامتحان في دار البلاء تكتب، وهناك في دار البقاء تنشر ليعلم الله أينا أحسن عملا. وأحسن العمل ما يحبه الله” 10.

انطلاقا من المنهاج النبوي يصبح للعمل جدلية المقدمة والخاتمة في آن واحد، وكما أسلفنا، والمصدر والنتيجة، والمرجعية والمخرجات. وكل المطالب التي يحث عليها المنهاج، ويهيئ لها في مسعى جهادي، هي مجتمعة في هذه المعادلة الجدلية التفاعلية: “.. يطلب المنهاج العلم لينحُوَ به المنحى العلمي الإجرائي، ويطلب الإنسان ليوضح له الطريق ويحفزه للعمل، ويطلب العمل ليبرمجه ويمرحله، ويطلب الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي في العالم وفي الأمة، ليخطط مرامي العمل ومفاصله، ويطلب الأهداف الدنيوية والغاية الأخروية، ليضعها على خط واحد لا تتناقض ولا تتنافر، ويطلب المجموع لينسق الجهود ويوجهها..” 11.

الجمع بين العملين في أدب واحدة  هو مناط السلوك وعلمه، وتحسين الأداء والإنجاز هو الإحسان بعينه وهي عبادته، وقد حرص السالكون والواصلون على هذا النهج والخلق، وسموه “أدبا” مع الله ورسوله، ومع الناس أجمعين وذوي القربى في الدين والرحم خاصة، ومع الأشياء والمخلوقات في العالمين، جاء عند الأستاذ المجدد رحمه الله شرح لبعض هذا في كتاب الإحسان، فقال: “.. وقد افتتح الأستاذ القشيري “باب الأدب” من رسالته، بقول الله عز وجل عن نبيه وعبده محمد صلى الله عليه وسلم في معراجه وقربه من ربه: مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى 12، فعد ثبات رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام الأقدس وطمأنينته أدبا. وعلق ابن القيم رحمه الله على صنيع الأستاذ فأحسن التعليق. قال: “لم يتجاوز البصر حده فيَطغَى، ولم يمِلْ عن المرئي فيزيغَ. بل اعتدلَ البصرُ نحو المرئي، ما جاوزه ولا مال عنه كما اعتدل القلبُ في الإقبال على الله، والإعراض عما سواه. فإنه أقبل على الله بكليته . […] وهذا غاية  الكمال في الأدب مع الله الذي لا يلحقه فيه سواه […]”. وقال: “فلم يزل صلى الله عليه وسلم في خفارة كمال أدبه مع الله سبحانه، وتكميل مراتب عبوديته له، حتى خرق حجب السماوات، وجاوز السبع الطباق، وجاوز سدرة المنتهى، ووصل إلى محل من القرب سبق به الأولين والآخرين. فانصبَّت إليه هناك أقسامُ القرب انصبابا، وانقشعت عنه سحائب الحُجْب ظاهرا وباطنا حجابا حجابا. وأقيمَ مقاما غَبَطه به الأولون والآخرون. واستقام هناك على صراط مستقيم من كمال أدبه مع الله، ما زاغ البصر وما طغى” 13. قلت: وفي هذا المقام الأسنى والدرجة العليا علمه ربه عز وجل وكلفه وشرفه، تتميما لتعليم الوحي لـمَّا كان في الأرض وبعد أن رجع إليها. فاجتمع فيه صلى الله عليه وسلم كمال العلم وكمال المحامد، وعلم أمته فأحسن التعليم كما علمه ربه وأدبه. روى ابن السمعاني عن ابن مسعود رضي الله عنه بإسناد صححه السيوطي أنه صلى الله عليه وسلم قال: “أدبني ربي فأحسن تأديبي”. فأدَبُ أتباعه صلى الله عليه وسلم، يبتدئ وينتهي عند اتِّباعه صلى الله عليه وسلم فيما بلغ عن ربه عز وجل، مع محبته وطاعته. فالأدب بهذا المعنى هو الدين كله، يشمل آداب القول والفعل والتخلق والنية..” 14.

طالع أيضا  جدلية العلم والعمل.. من أجل رؤية منهاجية (1)

نستشف مما سبق، منهاج السلوك النبوي حيث لا يطغى عمل الجوارح على أدب القلوب وعملها، ولا يسبح عمل الجنان في أنوار المعارف والحقائق والدقائق والرقائق والخوارق، دون أخلاق الأركان، وضوابط الشريعة وسنن الرحمن في الأكوان، وهذا هو عين العمل إسلاما وإيمانا وإحسانا. جاء في مجلة “الجماعة”، عند الإمام المجدد رحمه الله: “الإيمان قول باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالأركان. يشترك فيه القلب المصدق والفكر الناطق والقوى الحركية العملية في تحقيق معاني الإيمان” 15، ويثبت هذا المعنى ويشرحه، رحمه الله، في كتاب “الشورى والديموقراطية”، حين يقول: “.. الإيمان قول باللسان، وعقدٌ في الجَنان، وعمل بالأركان كما قال علماؤنا رحمهم الله.. أعمال حِسيّة أنزلها الذي بَرأَ جِسمي، ونفخ فيه من روحه. فهو أعلم بما يُدخل الإيمان في قلبي إن أنا أذعنت، وصدقت وتوضأت وصليت، ونهتني صلاتي عن الفحشاء والمنكر، فعملت الصالحات.. إنما أبدأ من أعمال بسيطة أتحرّى فيها طهارة الماء، ومواضع الغسل، وأعضاء الوضوء، وترتيب فروض الغسل والوضوء وسُننهما. أعمال جسدية بسيطة التنفيذ عظيمة المغزى في تطهير حسِّي ومعنويَ. أعمال جسدية بسيطة تتلوها أعمال يشترك فيها حضور العقل والنية وحركةُ الجسم قياما وركوعا وسجودا في الصلاة.. هكذا تنتظم الطهارة، وينتظم الوضوء والصلاة في سياق واحد، الأخلاق الإيمانية حلَقات في سِلْكِهِ.. من جملة الصالحات، [بَلْ وَ] مِنْ أعظم الصالحات إقامة دين الله في الأرض، وحمل رسالة الإسلام للعالم. ومن شرط هذه الصالحات الأعظم أن نُقيم في بلاد المسلمين حكما شوريا” 16.

لكن بعض الناس، عندما يسمعون بمكانة العمل في الإسلام وضرورته في الدين، يظنون أنه فقط العامل الحاسم في السلوك إلى الله وبلوغ مقامات الإحسان، وهذا لا يستقيم مع روح القرآن وسنة النبي العدنان، وإن درجت عليه بعض مدارس المجاهدات وبعض الكتب، لكن أهل الطريق وخصوصا الكمل منهم يحذرون من منزلق الاعتماد على الأعمال وبعض الإيمان، يقول ابن العريف رحمه الله (في مخطوط كتب بتاريخ 12 محرم 750 هـ)، منبها على هذا الأمر وموضحا منازل السالكين والعارفين: “.. علق العباد بالأعمال، والمريدون بالأحوال، والعارفون بالهمم، والحق ورا [وراء] ذلك كله.. فالأعمال للجزا [للجزاء] والأحوال للكرامات والهمم للوصول، وإنما يتعين الحق عند اضمحلال النفس..” 17. وإنما أعمال الجوارح هي رافعة لأعمال القلوب والقلب هو القائد والمرشد في الطريق، الجسم هو بمثابة السفينة والقلب هو ربانها “فلا فائدة في الربان مهما كان ماهرا، إن وجد ثقب بالسفينة أو عطل، ولا سير للسفينة في الاتجاه الصحيح إلى بر الأمان إن لم يوجد ربان حي سليم مطمئن”، كما كان يحدثنا الحبيب المرشد رحمه الله أكثر من مرة.

ويزيدنا الإمام المجدد رحمه الله وأحسن إليه توضيحا وبيانا لعلاقة عمل الجوارح بعمل القلب، في كتاب الإحسان وخصلة العمل، حيث يقول: “.. إن الله الخالق جلت عظمته عرض على قلوب العباد وعقولهم، كما عرض على جسومهم، العبودية له جل جلاله. وفرض على القلوب والعقول وجوارح الجسم، لكلٍّ عبودية خاصة، تتكامل هذه بتلك، ولكل عبودية مراسيمها وشروطها وأركانها.. ما يصدر عن أوامر القلب، وتدبير العقل، وتنفيذ الجوارح، من أعمال صالحة يتحول بقدرة الله تعالى، القادرة الذي خلقنا وخلق ما نعمل؛ إلى هيآت متخلِّقَةٍ، وصور ثابتة، روحها إخلاص القلب، وجمالُها صواب العقل، ومادتها الحركات والكيفيات الجوارحية.. القلب المعنوي ملِكُ هذه المملكة الإنسانية في وجود المؤمن والمؤمنة من حيث يكون الهوى والشيطان مَلِكَ الوجود الكافر والـمُشْرَبِ بكفر. والعقل وزير، والجوارح منفذة. لا حول للقلب ولا طول، بل ولا وجود ممكنا أصلا، إلا بوجود القاعدة الجسمية. ولا عمل للقلب يرفعه ويرقيه لو لم تكن طوعا لتوجيهه هذه الأجهزة التنفيذية التي هي الجوارح” 18، ومن هنا نتدبر معه، رحمه الله، أوائل سورة المؤمنين، حين يقول: “.. نقرأ قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ إلى آخر السياق فنجد أن الفلاح مكافأة لعمل متكامل للقلب فيه مكان الروح من الجسد، لكنه لن يكون أبدا عملا بدون مساهمة الجوارح تلك المساهمة الأساسية. في هذا الكتاب نتحدث في كل صفحة عن القلب وإرادته، وصدقه، وصفائه، ومرضه، وشفائه، وعَماه، وبصيرته، وحبه، وبغضه، ونقصه، وكماله، وقصوره، ومشاهدته. نعطي للقلب المكانة الأولى لأن بصلاحه يصلح الكل وبفساده يفسد الكل، كما مثل النبي صلى الله عليه وسلم..” 19، رحم الله إمامنا رحمة واسعة وخاصة، وأسكنه بجوار الحبيب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فقد نصح الكل وبلغ وأوصل.

طالع أيضا  جدلية العلم والعمل.. من أجل رؤية منهاجية (1)

تحدثنا عن عمل القلب والجوارح واستمداد بعضها من بعض، ونعود الآن لنؤكد على أهمية عمل الجوارح بعد أن أثبتنا أولوية عمل القلب وشرفه. فعندما أولى الإسلام الأهمية لأعمال الجوارح وركز عليها من المهد إلى اللحد، لم يكن اعتباطيا ولا تثقيلا لكاهل العباد، كما يظن البعض، ولكن لأهمية الأمر وضرورته مع التأكيد دائما على القلب وأهميته، يقول الحبيب المرشد رحمه الله في كتاب الإحسان: “للجوارح تسبيحها وعبادتها وذكرها. الإسلام ظاهر يتجلى في العبادات الظاهرة الجوارحية. وعلى مدارج الإيمان والإحسان تسبيح القلب وذكره، على ذكر القلب ونيته تنبني صحة الأعمال وقَبولها فِي الآخرة. العبادة الجوارحية كالنطق بالشهادتين والصلاة والزكاة والصيام والحج تصنف الإنسان في دائرة الإسلام، وتضمن له سعادة الدنيا لأنها تكفل حُرمة دمه وماله وعرضه، وتكفُل له مكانا في المجتمع المسلم عُضوا تام العضوية فيما يخص الحقوق والمعاملات. لكن عمل القلب وحده هو الذي يرفع المؤمن في درجات الآخرة والقرب من الله عز وجل، إن اقترن عمله بأداء الفرض والنفل. وللعقل مشاركة في التسبيح والذكر كبيرة، ينظم الحركات الجوارحية في الزمان والمكان والمقدار، ويحرك نسائم القلب، ويسجل هباتها خادما ساعيا بين يدي القلب أمينا على تدبير الطاعات وضبط نزوات النفس .. كذلك التفكر .. التفكر تناول الأشياء والمعاني من زاوية مرجعيتها إلى الخالق، ومن زاوية معنى وجود الإنسان، ومصيره بعد الموت، ومخلوقيته، ومسؤوليته في الآخرة. صيغة فعَّل تفعيلا تفيد انصبابا على العالم الخارجي وفعلا فيه..” 20.

معرفة أهمية العمل، لا تنفك عن معرفة المضمار والمجال الذي سيتنزل فيه العمل، وهو ما يفسر لنا نزول القرآن منجما ويشرح لنا أسباب النزول عند المفسرين وكتاب السيرة والمغازي، لابد من معرفة الواقع وسنن الله في الآفاق والأنفس، حتى يكتمل عندنا العلم ويجتمع بالعمل، ويتحقق الإنجاز، وتصنع القابليات والقدرات على الفعل والإتمام، كما مدح الله سبحانه وتعالى إنجاز الصحابة الكرام في آخر الآيات التي نزلت بقوله سبحانه “اليوم أكملت لكم .. وأتممت عليكم ..” (المائدة: 3)، يقول الحبيب المرشد الإمام المجدد رحمه الله، في هذا الصدد: “.. من الضروريات معرفة ما أمرنا الله به، ومعرفة كيف أنجز رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه ما أمروا به، ومعرفة طبيعة زماننا ومكاننا، وتكتلات أعدائنا، وأسلحتهم، وأحلافهم، وتحركاتهم، ومعرفة ما لدينا من قوة رجال وقوة وسائل، ومعرفة الفرص المتاحة لنا، وبركة الساعة وهي فضل الله بهذه اليقظة في مطلع هذا القرن. وبعد المعرفة الإنجاز. ما كان محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه رجال تأمل بل كانوا رجال عمل صالح. في عشر سنوات غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعا وعشرين غزوة. وبعث من السرايا ما يبلغ مع غزواته الأربعين أو الخمسين على خلاف في كل ذلك. عمل دائب، جهاد مستمر..” 21. ولا يكون الإنجاز معتدا به، إلا إذا كان محاطا بسياج الشريعة وصوابها، وحكمة النبوة وزكاتها، منسجما مع غاية الدين وأهداف الدنيا، متعاضدين متكاملين، في اتجاه لقاء الله عز و جل، ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، كما جاء في الحديث الشريف، جاء في المقدمات: “.. إن القدرة على إنجاز المهمات لا يعتد به إسلاميا إن لم يكن العمل صالح الأهداف صالح الوسائل بميزان الشرع. لهذا فإن سياج الشريعة، وصوى الطريق، ضمان لحرية المؤمن وحرية الأمة في حركتها. من كانت اللذات والمنفعة المادية هدفا له في الدنيا فسيعتبر الشريعة التي تحوط عمل المؤمن من مولده إلى مماته في كل صغيرة وكبيرة قيدا كليا شموليا. أما من يعرف أن بعد الدنيا دار الجزاء وأن الإنسان خلق للسعادة الأبدية في الجنة فحريته يحدها في العمل بما يحقق غايته، بما يرضي ربه، وليس إلا اتباع الشريعة في تفاصيل أحكامها من سبيل” 22.

معرفة صواب العمل وصلاحه وغايته ومصيره، أمر أساسي، وتحديد الإنجاز كيفا وكما، حاسم في نجاح العمل، لكن كان عند الإمام المجدد رحمه، خصوصا في بداية العمل وإنشاء الجماعة، سؤال محوري لا يمكن أن يكون العمل مكتملا إلا به، ألا وهو سؤال: ما العمل؟ وماذا يجب علينا أن نعمل في إطار العمل المنهاجي؟ وكيف نعمل وبماذا نبدأ أولا؟ حيث خصص للسؤال عن العمل وحيثياته وضرورياته، فقرة في كتاب المنهاج النبوي، يقول فيه: “.. ما العمل؟ إن مهندسا وبناء يحدثان نفسيهما بعمل جليل، ولا يطرحان على نفسيهما هذا السؤال قبل أن يجدا نفسيهما أمام المادة المبعثرة، والأرض الملغومة، والسيول الجارفة، لرجلان أحمقان. في زحفنا إلى النصر إن شاء الله، وقبل أن تفجأنا (تفاجئنا) الأحداث مثلما فجأت (فاجأت) العالم بقومة إخوتنا بإيران [نهاية السبعينات من القرن الماضي]، نشرع في جهاد البناء من داخل الصف على الخطوط التالية:

طالع أيضا  جدلية العلم والعمل.. من أجل رؤية منهاجية (1)

1- إعادة الثقة لنفس الأمة: موضوع التغيير، وهو جسم الأمة كلها و جسوم الشعوب القطرية، نطلق عليه اسم «المجتمع المفتون» وهو اسم عام. علينا أن نحصي، ونضبط المعلومات والأرقام، وتطور الأحداث و العلاقات. هذا يساعدنا على فهم الواقع، وفهم الواقع يمكننا من تخطيط المستقبل، ووضع خطة التغيير، وهذان إن وضحناهما لأنفسنا وللأمة ورسمنا لها ولأنفسنا خطوات العمل يساعداننا على أن نثق بأنفسنا، وتثق الأمة بكفاءتنا، لتحمل المسؤولية.. هذا الشرط النفسي ضروي. وبدونه تكون محاولة بطح الواقع على مشرحة تغيير الهياكل صناعة في حرفة تحنيط الجثث..

2- الصرامة والمستقبل: .. أمل الأمة مطالبة فسيحة على قدر ما هي فيه من ضيق. فلا يكاد الشعب يرى وقد اعتاد الوعود الكاذبة، فيما يمكن أن يعترض المؤمنين من صعوبات غداة الإسلام إلا نوعا مما ألفه من حكام الجبر. لذلك نتعلم نحن ونعلم الشعب الحدود بين ما ينبغي وما يمكن، بين ما تصبو إليه العواطف وما تتيحه الوسائل المتوفرة.. بهذه الذهنية ذهنية الواجب، وهذه الإرادة إرادة الجهاد، يسأل جند الله أنفسهم ماذا قدمنا من خدمة، ماذا صبرنا، ماذا ظمئنا ليروى الناس، وماذا جعنا ليشبع الناس، وماذا نصبنا ليرتاح الناس، وماذا أرغمنا أنف الأعداء، ليأمن الناس، وماذا أنفقنا ليستكفي الناس، وماذا قطعنا من أودية الفتنة عبورا للمجتمع الإسلامي والخلافة الإسلامية؟

3- صفحة تطوى: من هذه العبارات المجازية الدارجة في كلام الناس ما هو من قبيل السحر والكذب. يقولون: «طوينا الماضي» وكأنه صفحة بين أصبعين. فإذا كان وهم العامة وحماس الجماهير ينفتحان ليندس منهما وإليهما كذب الوعود الخلابة بعد كل انقلاب و«ثورة» و«تصحيح» في بلادنا البائسة المضطربة، فإن القومة الإسلامية يجب أن تقدم للعامة وللجماهير، وتترسخ في عقولنا، على أنها فاتحة عهد طويل من البذل (التضحيات) والعمل الدائب. من ماضينا الفتنوي مخلفات ثقال، جروح مثخنة في نفوس الأمة وعقولها وأحوالها. وفي حاضرنا الجبري تعتيم بالحفلات والمؤتمرات المسمات إسلامية على بؤسنا، وتخلفنا، وقزامتنا، وأمراضنا، وهزائمنا. و فاضلو الأمة منهم محوقلون عاجزون، وآخرون يتسلون بتقديم مساعدات من فضول وقتهم ومالهم، يوهمون ضمائرهم بذلك أنهم أدوا حق الله عليهم. واقع يجب تغييره يوم تنتقل الدعوة من كونها رفضا للفتنة والجبر والجاهلية إلى قضية إيجابية لا نفر من البذل من أجل إنجاحها، ولا من الموت في سبيل تحقيقها..” 23.

3. خاتمة

كل هذا، يبين جدلية العلم والعمل، ووجوب العلم قبل العمل، ويظهر لنا تأثير العمل في العلم، وكيف يكون العمل مصدرا للعلم ولكماله رغم أن العلم هو الإمام، ويفسر لنا جدلية العلم والعمل في المنهاج النبوي لكن بمعنى العلم العملي الإجرائي الذي هو المنهاج ذاته، وعصارة جوهره وكنهه، وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ 24، ويبقى أحسن العمل والعلم ما كان مصدره ومرجعه الله عز وجل وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ 25 وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ 26 ورسوله الحبيب الرؤوف الرحيم .. وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ.. 27.

 ولا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.


[1] سورة “النحل”، الآية 97.
[2] “المنهاج النبوي: تربية وتنظيما وزحفا”، الفصل الخامس: “الخصال العشر وشعب الإيمان” في الخصلة السادسة: “العمل”، فقرة: “من الفتنة إلى الإيمان”، ص. 234 – 235.
[3] الإحسان، ج 2. الفصل الثامن، خصلة: العمل، فقرة: “أحب الأعمال إلى الله عز وجل”، ص. 107.
[4] مجلة الجماعة، العدد 6، ص. 3، افتتاحية “الجهاد”، شهور: جمادى الثانية – رجب – شعبان 1400.
[5] الإسلام غدا، الفصل الثاني: النموذج الخالد، فقرة العمل، ص. 262 – 263.
[6] سورة الرحمن، الآية 59.
[7] سورة فصلت، الآية 33.
[8] الإحسان، ج 2، الفصل الثامن، خصلة: العمل، فقرة: “أحب الأعمال إلى الله عز وجل”، ص. 106 – 107.
[9] سورة البقرة، الآية 199.
[10] الإحسان، ج 2، الفصل الثامن، خصلة: العمل، فقرة: “أحب الأعمال إلى الله عز وجل”، ص. 105.
[11] مقدمات في المنهاج، “مطالب المنهاج”، ص. 39.
[12] سورة النجم، الآية 17.
[13] مدارج السالكين، ج 2، ص 383.
[14] الإحسان، ج 2. الفصل 11 خصلة الاقتصاد، فقرة “آداب السلوك”، ص. 394 – 395.
[15] مجلة الجماعة، العدد 7، الافتتاحية، الخصلة الثالثة: الصدق، ص 18، شهور محرم-صفر-ربيع الأول 1401.
[16] الشورى والديموقراطية، فقرة: “أخلاق إيمان وتربية إيمان”، ص. 98 / 100 – 101.
[17] محاسن المجالس، ابن العريف الصنهاجي، مخطوط، دار النشر Avebury  1980، ص. 23.
[18] الإحسان، ج 2، الفصل الثامن: خصلة العمل، فقرة: “عبودية الجوارح”، ص. 113 – 114.
[19] الإحسان، ج 2، الفصل الثامن: خصلة العمل، فقرة: “عبودية الجوارح”، ص. 112 – 113.
[20] الإحسان، ج 1، الفصل الرابع: خصلة الذكر، فقرة: “التفكر”، ص. 304 – 305.
[21] “المنهاج النبوي: تربية وتنظيما وزحفا”، الفصل الخامس: “الخصال العشر وشعب الإيمان”، الخصلة السادسة: “العمل”، فقرة: “القدرة على إنجاز المهمات”، ص. 237.
[22] مقدمات في المنهاج، الخصلة السادسة: العمل، ص. 82.
[23] المنهاج النبوي، الخصلة السادسة: العمل، فقرة: “العمل تنظيما” و”الطاقات المهدرة”، ص. 242 – 243 – 244 – 245.
[24] سورة فصلت، الآية 33.
[25] الصافات، الآية 96.
[26] الحجر، الآية 21.
[27] الحشر، الآية 7.