عُرفت جماعة العدل والإحسان بأنشطتها السلمية الرافضة للعنف، وبِعدم تعاملها مع الجهات الخارجية وبمعارضتها الصريحة لنظام الحكم في المغرب منذ نشأتها، ما أدى بالنظام إلى تشديد الخناق عليها، وعدم إتاحتها حيزا من الفضاء العمومي للتعبير عن رأيها وتبليغ مشروعها والتعبير عن مواقفها.

ورغم الحصار الممتد لسنوات منذ بداية الثمانينات، المتقلب بين مئات الاعتقالات والمتابعات القضائية، والإقامة الإجبارية على مرشدها ومؤسسها لمدة عشر سنوات، ومحاكمة مجلس إرشادها… وغير من أوجه الحصار والتضييق والحرب، إلا أنها بقيت صامدة ولم تتراجع عن وجهتها، بل وتزايد انتشارا، بفضل تماسك تنظيمها وقوة مشروعها.

وظلت الجماعة محافظة على استقلالية قراراتها ومواقفها بالتوازي مع استمرار توسعها وتأثير مشروعها في فئات كبيرة من المجتمع بكل مستوياته، فبدأت السلطات تفكر في أساليب جديدة لتنويع الحصار لتحد بها انتشار الجماعة وتكسر شوكتها، ومعها تخويف المواطنين من الالتحاق بها وبمجالسها، بعدما استعصى عليها حلها والقضاء عليها.

التشميع أسلوب جديد من أساليب الحصار

ومع دخول سنة 2006، دخلت العلاقة بين العدل والإحسان والسلطة مرحلة جديد، بعدما انفتحت الجماعة بأنشطتها على المجتمع بشكل غير مسبوق، وبداية تجربة “الأبواب المفتوحة” التي تم تنظيمها في مختلف المدن المغربية، خرج وزير الداخلية حينها شكيب بنموسى بتصريحه لوسائل الإعلام بقولته “إن جماعة العدل والإحسان بتكثيفها لأنشطتها تكون بذلك قد وضعت نفسها خارج القانون”.

وكان هذا التصريح بمثابة إيذان بحرب جديدة؛ فبدأت حملة تشميع البيوت يوم 24 ماي 2006، وبلغ عددها 10 بيوت من بينها بيت الأمين العام الأستاذ محمد عبادي.

ولم تقتصر الحملة على تشميع البيوت بل امتدت لتشمل مجالس النصيحة، فمنعت مئات المجالس، وتعرض العشرات من الأعضاء جراء ذلك لمتابعات قضائية بداعي عقد اجتماعات بدوت ترخيص، وبالانتماء إلى جمعية غير قانونية. ومنعت عشرات الجمعيات من تجديد ملفاتها، كما ضُيق على أعضاء الجماعة في أنشطتهم التجارية ووظائفهم، وتم حرمانهم من الوثائق الإدارية إلى غير ذلك من الخروقات والانتهاكات، التي لم تكن تخطر على بال أكثر المتشائمين بخصوص الوضع الحقوقي في المغرب.

ورغم اشتداد الحصار إلا أن الجماعة لم تغير في مواقفها ولم تبدل، وظلت صامدة أمام تلك الموجة التي لم تكن بالهينة.

جعلت الدولة من العدل والإحسان عدوها الأول، ووجهت إليها كل السهام، وكأن بتنويعها لأساليب الحصار تستهدف الصف الداخلي للجماعة من أجل تفكيكها، كما تستهدف الصف الخارجي من أجل تسويق صورة خاطئة لدى عموم المواطنين، من خلال التهم التي توجهها إليها، ومن خلال الكم الهائل من المغالطات التي تروجها عنها في المنابر الإعلامية الموالية للسلطة.

تَجدُّد التشميع وثبات الجماعة على مواقفها

دشنت السلطات المغربية حملة تشميع البيوت يوم 24 ماي 2006 بإغلاق بيت الأستاذ محمد عبادي بمدينة وجدة، وبيت الأستاذ لحسن العطواني بمدينة بوعرفة، إلى جانب ثمانية بيوت مأهولة أخرى، لأصحابها المنتمين إلى الجماعة كلها بالجهة الشرقية.

طالع أيضا  د. بن مسعود يقدم إجابات عن أسئلة جوهرية تُقوّض فعل تشميع بيوت أعضاء "العدل والإحسان"

وعادت السلطات إلى هذا الأسلوب بعد مرور أزيد من 12 سنة لتقوم بتشميع بيت جديد لصاحبه لطفي حساني يوم 03 دجنبر 2018 بمدينة وجدة، لتضيفه إلى البيوت الثلاثة التي بقيت مغلقة أزيد من عقد من الزمن والتي لم تفتح بعد.

ولم تكتف السلطات الإدارية بالجهة الشرقية بتشميع بيت المواطن لطفي حساني، بل اعتبرته عمالة وجدة، في محاولة للتضليل، مكانا للعبادة غير مستوف للشروط الضرورية لتبرير تشميعه وربما تقدم على هدمه كما تشير الوثائق.

ولم يقف التشميع بحدود الجهة الشرقية، بل واصلت السلطات المغربية هذه الحملة المسعورة وقامت بإغلاق 3 بيوت لأعضاء آخرين يوم 06 فبراير 2019، بكل من الدر البيضاء وإنزكان والقنيطرة، بدون سابق إنذار وبدون مبررات قانونية.

وتواصلت حملة التشميع والإغلاق، لتصل يوم الأربعاء 27 فبراير 2019، بيوت أعضاء وقياديين آخرين بمدن طنجة وفاس والجديدة، بأشكال تعسفية وبدون سابق إنذارات، وبأشكال لا تستند إلى أي قانون. ليصل العدد الإجمالي إلى 10 بيوت.

وأمام كل هذا اعتبرت جماعة العدل والإحسان، عبر ندوتها الصحفية يوم 8 فبراير المنصرم وغيرها، أن ما تقوم به الدولة من تشميع لا يخرج عن سياق تنويع وسائل الحصار، وأن هذه قرارات سياسية لا علاقة لها بالقضاء. وتتعلق بمواقفها السياسية.

وأكدت الجماعة أنها لن تنجر إلى ما تستدرج إليه من ردود فعل، وأنها ستسلك مسالك الدفاع عن نفسها أمام القضاء وبكل الوسائل المتاحة، وأنها ستواصل عملها وحركتها خدمة للشعب المغربي وتبليغا لرسالة العدل والإحسان.

التشميع في ميزان القانون والقضاء

ينص الفصل 126 من الدستور على أن: “الأحكام النهائية الصادرة عن القضاء ملزمة للجميع”، وبما أن الأمر كذلك فقد سبق للقضاء -بمختلف درجاته ابتدائيا واستئنافيا وعلى مستوى محكمة النقض- أن أصدر أحكاما وقرارات نهائية تعتبر قرارات التشميع غير مشروعة والجهة التي أصدرته غير مختصة.

ورغم صدور أحكام قضائية نهائية بمختلف درجاتها ابتدائيا واستئنافيا وعلى مستوى محكمة النقض، تعتبر فعل التشميع غير مستند على أساس، والجهة التي أصدرته غير مختصة، إلا أن السلطات ما تزال وفية لتجاهل القوانين والقضاء، مخلصة لمنهج العربدة والبلطجة، لتواصل تشميع البيوت بكل صفاقة وصلف.

بل إن القضاء برأ أصحاب البيوت المشمعة حتى من المتابعات اللاحقة التي سطرتها النيابة العامة في حقهم؛ والمتعلقة بالجنحة المنصوص عليها في الفصل 273 من القانون الجنائي “كسر الأختام الموضوعة بأمر من السلطات العامة”.

من تلكم الأحكام التي تبطل إجراءات السلطة القاضية بالتشميع، وتقر أصحاب البيوت في ولوج منازلهم:

1.       قضت محكمة الاستئناف بالناضور بتاريخ 2007/02/22 ملف جنحي عادي عدد 2007/1 قرار عدد 271: “… حيث إن إغلاق المحل أو المؤسسة التي استغلت في ارتكاب الجريمة يعتبر من التدابير الوقائية العينية طبقا للفصل 62 من القانون الجنائي ويجب أن تقضي به المحكمة التي تصدر العقوبة الأصلية، والحال أن إغلاق منزل المتهم كان بأمر من الوكيل العام للملك وقبل صدور الحكم من أجل الأفعال المتابع بها المتهم”، “وحيث أنه بمراجعة ظهير 1958/11/15 المتعلق بالتجمعات العمومية، يتضح أنه لا يتضمن كتدبير وقائي إغلاق المقرات والمحلات التي تعقد فيها التجمعات العمومية بدون تصريح، وعليه يبقى أمر إغلاق منزل المتهم عمل غير مشروع..”.

طالع أيضا  إغلاق المساكن في ميزان القانون (1)

وقد أصبح هذا القرار نهائيا بعد رفض الغرفة الجنائية بالمجلس الأعلى سابقا طلب النقض المقدم من طرف الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالناظور.

2.       الحكم الابتدائي عدد 1378 الصادر بتاريخ 19/4/2011 في الملف الجنحي عدد 819/11 عن المحكمة الابتدائية بالناظور، والقاضي لفائدة السيد فريد زروال بالبراءة من تهمة كسر أختام منزله الكائن بزايو، وهذا الحكم تم تأييده بالقرار الاستئنافي الصادر بتاريخ 19/4/2012 في الملف الجنحي عدد 1334/11 عن محكمة الاستئناف بالناظور.

3.       الحكم الابتدائي عدد 1896 الصادر بتاريخ 21/6/2011 في الملف الجنحي عدد 890/11 عن المحكمة الابتدائية بالناظور، والقاضي لفائدة السيد الحسن مرجاني بالبراءة من تهمة كسر أختام منزله الكائن بالعروي، وهذا الحكم كذلك تم تأييده بالقرار الاستئنافي الصادر بتاريخ 26/4/2012 في الملف الجنحي عدد 1388/11 عن محكمة الاستئناف بالناظور.

4.       الحكم الابتدائي عدد 1377 الصادر بتاريخ 19/4/2011 في الملف الجنحي عدد 654/11 عن المحكمة الابتدائية بالناظور، والقاضي لفائدة السيد جمال البوطيبي بالبراءة من تهمة كسر أختام منزله الكائن بالناظور.

5.       قرار محكمة النقض عدد 2165/5 المؤرخ في 03/12/2008 ملف جنحي عدد 10801/6/5/2007، الذي ألغى القرار الاستئنافي الذي قضى بإدانة السيد جمال بوطيبي من أجل جنحة كسر أختام موضوعة بأمر السلطة العامة.

تضامن حقوقي وطني ودولي مع أصحاب البيوت المشمعة

عبرت هيآت وطنية حقوقية وسياسية، وشخصيات وطنية، ومنظمات حقوقية دولية في مناسبات متعددة عن تضامنها مع أصحاب البيوت المشمعة، بدون سند قانوني.

وتم تنسيق الجهود بين عدد من الفاعلين في المجال الحقوقي؛ فتأسست سنة 2016 اللجنة الوطنية للتضامن مع أصحاب البيوت المشمعة، بالموازاة مع الندوة التي نظمتها هيئة الدفاع بمناسبة تخليد الذكرى العاشرة للبيت الأسير. وقامت بالترافع عن الملف عبر مراسلة المعنيين وعبر الندوات وعبر قوافل تضامنية إلى البيوت المشمعة في الشرق على رأسها بيت الأمين العام الأستاذ محمد عبادي.

وصرح منسق هذه اللجنة، الأستاذ عبد العزيز النويضي، في قراءة قانونية لقرارات تشميع بيوت أعضاء جماعة العدل والإحسان، بمناسبة الذكرى الحادية عشرة سنة 2017، أن هذا سلوك “خارج القانون، وهو اعتداء صرف، خصوصا بالنظر للمبررات التي كانت تقدم، والتي هي عقد اجتماعات عمومية بدون تصريح؛ الاجتماع في البيوت ليس اجتماعا عموميا أولا، هذه جماعة على شكل جمعية معترف بها تشتغل في إطار القانون، ولا تدعو إلى العنف”.

طالع أيضا  ذ. السفياني: أطالب السلطات بالتراجع عن قرار تشميع بيت حساني والاعتذار له ولعائلته

كما راسلت الهيئة المجلس الوطني لحقوق الإنسان بخصوص هذا التعسف الذي يطال أصحاب البيوت المشمعة، الأمر الذي دفع المجلس إلى رفع تلك الشكاية إلى وزير العدل، إلا أن هذا الأخير لم يتحمل مسؤوليته باعتباره يوجد على رأس الهرم القضائي، بالرغم من اقتناعه بعدالة قضيتهم، حيث جاء في إحدى فقرات كتابه الموجه للمجلس الوطني لحقوق الإنسان بتاريخ 15 يونيو 2016 “في جميع الأحوال، فإن هذه الوزارة تشاطركم الرأي وتأمل بأن تتخذ الجهة المختصة قرارها برفع التشميع وتمكين مالكي البيتين من استرجاع حيازتهما واستعمالهما طبقا للقانون”.

وأبدت عشرات الشخصيات الحقوقية والقانونية وجمعيات ومنظمات وطنية ودولية استغرابها من هذه التشميعات والقرارات التعسفية، مثل منظمة العفو الدولية والمنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا ومنظمة “إفدي” الدولية لحقوق الإنسان والجمعية المغربية لحقوق الإنسان والعصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان والوسيط من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان… وغيرها كثير.

خاتمة الحكاية.. عبرة ورسالة

تشميع بيوت أعضاء جماعة العدل والإحسان، أسلوب مخزني آخر ينضاف إلى غيره من الوسائل اليائسة البائسة التي تحاول من خلالها السلطة -عبثا- أن تحاصر جماعة نبتت من أول يومها في أرض المغرب، وضع بذرتها رجل صالح مصلح حمل هم الإنسان المغربي ومسار المجتمع والدولة، ورعتها واحتضنتها أيادي مواطنين مغاربة استقر في قلوبهم مشروع الجماعة واقتنعت عقولهم بمؤسِّساته الشرعية والفكرية والعلمية، فانفتحت بيوتهم، تبعا، وما تزال، لهذا الخير الذي يريد الفلاح للأفراد والجماعات في الدنيا والآخرة.

تشميع بيوت أعضاء جماعة العدل والإحسان، حملة سلطوية جديدة تكشف طبيعة النظام الحاكم وأساليبه التي لا تحترم القانون الذي تخطه يداه ولا القضاء الذي اعتبره في دستوره الأخير سلطة مستقلة. قرارات إدارية تكشف حقيقة الحكم في المغرب، وتبين حجم المسافة وبعدها بينه وبين الديمقراطية التي يدعي وصلها، وتأبى الوقائع إلا أن تكذب دعواه “فليلى لا تقر له بذاك”.

تشميع بيوت أعضاء جماعة العدل والإحسان، محطة أخرى تنضاف إلى حجم الظلم المسلّط على رقبة الشعب المغربي سنين وعقودا طوال، والتي كان آخرها أحكام بالسجن النافذ قرونا لشباب مسالم في مقتبل العمر نما في الهامش في الريف وجرادة وطالب بأبسط المطالب، ومدونون وصحفيون وأصحاب الرأي المهددون بـ”قوانين” صيغت في دهاليز الرقابة والتفتيش والتضييق والمحاكمة، وحركات وتنظيمات سياسية وحقوقية يطالها المنع والحصار وإغلاق الفضاء العام والمرافق العمومية، حتى لا يُسمع رأي غير رأي السلطة ولا تنفتح آذان المغاربة وأعينهم على المقترحات التي يحملها الأحرار والشرفاء، والتي تريد للشعب عيشا حرا كريما وحياة عادلة مصانة.