في سياق عالمي يتميز بتغول سيطرة الاستكبار العالمي في توجهه العام نحو إعادة بناء وصياغة الخريطة الجديدة للنظام العالمي، وفي سياق إقليمي يظهر فيه انعدم الاستقرار المجتمعي وتنامي حركات الاحتجاج الاجتماعي، وفي سياق محلي وطني يتميز بالفشل العام للنموذج التنموي في أقطابه الكبرى سياسيا ودستوريا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وقيميا، تبرز سمتان أساسيتان تسمان السلوك السياسي للدولة المغربية؛ السمة الأولى  التمكين للتسلط القمعي الذي يبرز أن الثابت الجوهري البنيوي للذات المخزنية هو القمع والجبر والاستبداد، خاصة في سعية لاسترداد ما يعتقد أنه فقده من هيبته بعد الربيع العربي. أما السمة الثانية فإفراغ مختلف مؤسسات الوساطة المجتمعية من أي معنى أو وظيفة؛ إذ تلاشت الأدوار الحقيقية التي يفترض أن تقوم بها الحكومة والبرلمان والمجالس المنتخبة والنقابات والأحزاب والجمعيات، على نحو غدا الخطاب المهيمن والصوت المسيطر المسموع هو صوت المخزن وآلياته التخريبية.

ومع هاتين السمتين سيعتمد الحكم آلية الإلهاء والتمييع بإشغال الناس بقضايا جزئية هامشية بينما يتفرغ هو لإنجاز العمل الحقيقي الذي يضمن به سيطرته وتحكمه الأخطبوطي في كل مناحي الحياة من خلال مهمتين؛ تتجلى الأولى في الاستمرار في تجميع الثروة وسد -في سبيل ذلك- مختلف المنافذ على الشعب عبر سلسلة الإجراءات التي تضرب في العمق القدرات المعيشية لمختلف فئات الشعب خاصة الفقراء والمستضعفين منهم. المهمة الثانية وهي أبعد خطرا وأقوى أثرا، وتتمثل في استهداف اللحمة المجتمعية الضامنة لوحدة المجتمع وقوته من خلال الهجوم الكاسح على أخلاق وقيم ودين المجتمع في مؤسساته الحاضنة: في المدرسة والأسرة والمسجد والإعلام في سبيل خلق جيل فاقد الذاكرة، تائه الهوية، أسير الغرائز والشهوات.

سيلحظ الباحث المتأمل أن السلوك السياسي للدولة المغربية سيفشل في إطفاء شعلة الحركة الاحتجاجية وفي إيقاف مد موجاتها المترددة في العديد من مناطق المغرب؛ فشل أمام طابعها الاجتماعي، فشل أمام زخمها الجماهيري، فشل أمام سلميتها ولا عنفها، وفشل أمام المصاحبة الإعلامية القوية لمواقع التواصل الالكتروني. وسيظهر أن هذا الفشل يسهم وسيسهم في إيقاظ العديدين من أوهام الإصلاح في ظل الاستقرار، ومن مخدرات الأمن مقابل العدل، ومن الإشهارات التسويقية للنموذج المغربي مقابل الوهدة السورية.

طالع أيضا  العدل والإحسان بمكناس تزور معتصم عمال مطرودين وتتضامن معهم

سيكون  أمام الاحتجاج الشعبي تحديات أساسية  مهمة سيفتل  التعامل الرزين معها في حبل إفشال السياسات المخزنية: هناك تحدي المحافظة على السلمية وعدم الانجرار وراء العنف، وهناك تحدي عدم السقوط في المعارك الهامشية والإلهاء بقضايا التقاطبات الإيديولوجية مع ما يعنيه ذلك من رهان المحافظة على وحدة المقصد ووحدة الوجهة، أيضا من التحديات الجليلة مدى القدرة على الوضوح في تحديد المسؤوليات دون مواربة أو اختفاء وراء لغة السياسة المهادنة المنحرفة المحرفة الشاهدة الزور تحت دعاوي الواقعية والمرونة، من هنا وجب التأكيد على مسؤولية النظام الحاكم المستأثر بمختلف دواليب السلطة تخطيطا وتدبيرا في ما وصلت إليه البلاد نتيجة الاستبداد والفساد. ولعل الحذر من الانزلاقات الإعلامية وسط شبكات التواصل الاجتماعي سيكون تحديا آخر مهما خاصة أمام التوجه نحو إحكام القبضة الأمنية المراقبة بمبرر استعمال القانون، وذلك في اتجاه استثمار جاد وجيد للتعريف بمعاناة المجتمع وحشد التأييد الشعبي لقضاياه الملحة.

وربما سنجد أن التحدي الأعظم رهين بنضج الفاعلين المجتمعيين ووعي قوى الممانعة للصمود في المواجهة من خارج قواعد المنظومة المخزنية المرسومة، ومدى قدرتها على الإسهام في بناء جبهة وطنية مجتمعية لمحاربة الظلم والاستبداد والفساد على أرضية الحضور الدائم الدؤوب وسط الشعب تهمما بمآسيه وخدمة لقضاياه بعيدا عن الحسابات السياسوية الضيقة. وإنه لنا اليقين التام أن الله عز وجل سيتم نوره، وسيغلب أمره، وسيمضي قدره وسيري جنده ما تقر به الأعين وتسر به القلوب. هو ولي ذلك والقادر عليه تفضلا ومنة.