سئل إبن عبد الله محمد الركراكي الهنتيفي عن سلطان جائر يعتدي على أهل قرية من قرى بلاد الله الحرام؛ باقتحام بيوتهم بعنف ودونما استئذان ولا استئناس فيعبثون بأثاث المنازل ويروعون أهلها ثم يضعون على أبواب تلك المنازل الأقفال مانعين أهلها من العودة إلى سكناها، فأجاب رحمه الله بقوله:

هذا جرم شنيع واعتداء بليغ بانتهاك حدود الله في بيوت عباده، وذلك من وجهين اثنين:

الوجه الأول تأسيسي:

أن الحق سبحانه قرر بنفسه من فوق سبع سماوات مسطرة خاصة في دخول بيوت الناس، أكانت تلك البيوت مسكونة أو غير مسكونة، ففي الحالة الأولى أوجب الله الاستئذان والاستئناس وإلقاء تحية السلام. ونهى نهيا صريحا عن الإخلال بتلك المسطرة. فقال سبحانه: لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستانسوا وتسلموا على أهلها.

وفي حالة البيوت الفارغة من أهلها نص الحق سبحانه على مسطرة الاستئذان اللازمة، بقوله سبحانه: فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يوذن لكم.

والإجراء الثاني قبول الرجوع عن الدخول في حالة امتناع أهل البيت من أن يأذنوا في الدخول، ذلكم قول الله تعالى: وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم.

ويلاحظ في المسطرة القرآنية لدخول البيوت أمرين اثنين:

الأول: تفاصيل مسطرية في قضية اجتماعية تبدو بسيطة لكنها عند الله ثم عند المؤمنين وعند عقلاء الدنيا عظيمة، وعادة الشارع في التنصيص على الأحكام في القرآن أنه ينص تنصيصا كليا عاما وتتولى السنة البيان التفصيلي، لكن حين يتعلق الأمر بقضية تقتضي الحسم التشريعي، فإن الله يتولى بنفسه البيان التفصيلي كما في مسألتنا التي قدمها النص القرآني قضية محكمة مسطرة وموضوعا، فهي بذلك حد من حدود الله، ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه، وساق نفسه إلى الهلاك دنيا وأخرى. 

طالع أيضا  تشميع البيوت.. تدشين لمعالم النموذج التنموي الجديد!!!

الأمر الثاني: أن الله اختار بحكمته سبحانه في بيان هذه القضية أسلوبا في منتهى البلاغة المفيد للحسم التشريعي والتوجيه التربوي الحضاري للمجتمع، فقد اجتمع في الصيغة بين أسلوب النهي التحذيري عن الدخول، وأسلوب التشريط بوضع شروط لرفع المنع، وأسلوب الأمر المفيد للإلزام.

الوجه الثاني تأكيدي:

وهو أن التأسيس القرآني المفصل تعزز بالبيان النبوي التأكيدي الذي بين لنا بكيفية تطبيقية ما للبيوت في عرف الشريعة من حرمة عظيمة، فقد أخرج البخاري في باب الاستئذان من أجل البصر أن رجلا اطلع من جحر في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، ومع النبي صلى الله عليه وسلم مدرى يحك به رأسه، فقال: “لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر”.

فانظر رعاك الله كيف أهذر النبي صلى الله عليه وسلم عين من أبصر داخل بيت دون استئذان.

فلا غرو أن قال فقهاؤنا رحمهم الله بعدم الضمان لمن فقأ عين من أبصر من ثقب الباب دون استئذان، إذ الأمر جلل، فكيف بمن ركب عنان جموحه واقتحم البيوت وعبث بما فيها بلا استئذان ولا استئناس ممن ذكرت لي في سؤالك أيها اللبيب الحبيب؟