وأنت تحاول أن تدفع من جهة الحق والعدل، ولولا دفاع الله الناسَ بعضهم ببعض لفسدت الأرض، لا بد أن تتعرّض لما تعرّض له من سبقك بإحسان وجهاد؛ للتكذيب والتسفيه والمعاداة والمحاربة، وهو ابتلاء قد يشتدّ ويضعف، ويطول أو يقصر، فلست استثناء من سنة الله تعالى في خلقه أبدا..

وما دام اختيارك طريقَ الدعوة إلى الله عز وجل، والتحزّبَ لسِرْبِ دُعاته الصادعين بالحق، عن قناعة ووعي ويقين، فإنك واجد ما وجده كلُّ صادقٍ في طريق الحق من مناكفة وتسلّط واستعلاء، فإن لم تفزعْ حينها إلى جناب ربك، وتلذْ ببابه، راجيا فَرَجه، وطالبا نصرته، ومستمطرا غوثَه، في إلحاح فاقةٍ، وتمام افتقار، ولُجْإ اضطرار، فإنما كان شعارُك حركيةً سياسيةً جوفاء فقدت روحها، وغضباً على الظلم لم يرتق ليكون غضبا لله، واستعراضاً تنظيميا يقتفي أثر تنظيمات التزاحم على الدنيا، فيصيبه ما يصيبها من وهن وهوان وفرقة وشنآن، فتنكص لا قدّر الله في مواطن الاختبار، وتزلّ أقدام فقدت تثبيت الله ومدده عندما صار الأمر منقطعا عن طلب الله والدار الآخرة..

وما أصاب المؤمنين في غزوة حنين لدرسٌ بليغٌ وموعظةٌ عظيمة، لكي لا يكون الاتكاء القلبي على عدد أو قوة تنظيم، مع ضرورتهما في منطق الأسباب التي نتعبّد بها الله عزّ وجل، بل يكون الاستنادُ التامُّ إلى جنابِ المولى الكريم، ونصرتِه عبادَه المستضعفين المؤمنين لمّا نصروا الله في أنفسهم، واستكملوا شروط النصر السببية أيضا.

واعلم، رعاك الله، أن مبتدأَ هذه الدعوة ومسارَها قائم على الانتصار بالله تعالى، والاتكاءِ على مستند رجال الفتح، الذين صحبوا من صحب، وراثةً نبويةً نورانيةً متصلة، تُشِعُّ رحمة وبركة وفتحا، “أفيكم من صحب من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولون نعم، فيُفتَحُ لهم”، صحبة مجدّدة متجدّدة، في جماعة دعوة وجهاد ودلالة على الله تعالى، وما أسباب السياسة وتدابير المدافعة المدنية والحقوقية والإعلامية إلا وسائل لا تغني شيئا إن لم يكن التوفيق والقوة بالله ركنا شديدا نأوي إليه.

طالع أيضا  اقتحامية الفعل الدعوي

فالتوبة التوبة، والبدار البدار لإصلاح ما بيننا وبين الله تعالى، فإنما تحارَبون لأنكم تحملون روحا جامعة أصيلة متصلة، وتحملون بذورَ العافية وفيضَ المحبّة للناس أجمعين، ونورا وهاجا يشرئبّ ليعمّ العالمين، وفكرا تمرّد على صندوق السفاهة وأسوار التدجين، وتحملون إرادةً تحررت من ربقة الاستبداد وكمائن الهوى، وبضاعةً لا عهد للغافلين في مدن الانبطاح بها، ولا خبر عند المتسكعين في سبل التفاهة عن قيمتها ونفاسة قدرها..

فكيف لا نلوذ ببابه وما عوّدنا إلا خيرا وكرما ورشادا، وكيف لا نلجأ إلى ظلّه وما عوّدنا إلا توفيقا وسدادا، تلك نقطة القوة أخي أختي، تلك الجوهرة النفيسة التي نُضرَب عليها، ونحاصَرُ من أجلها، ونُطْرَدُ من بيوتنا لإصرارنا على نقلها صافيةً مشعةً للناس أجمعين، في أدب رفيع وتواضع جم وتودّد صادق وتفان خدوم، كما يليق تماما بحامل ذلك النور، وكما يليق بمن رشّح نفسه ليكون على هدي سيد الخلق عليه الصلاة والسلام، دون أن نرضى الدنيّة في ديننا، ودون أن نهون أو يَسْهُلَ الهوان علينا، فلله العزة ولرسوله وللمؤمنين، ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون.

فلنستعصم بالله سبحانه، ونجعله مستمسكنا وملاذنا، ولنمض في دربنا، دون أن نلتفت لمحاولات الإشغال والتحريف والإمالة، داعين مبلّغين، مبشّرين قائمين، في رفق ورحمة وحكمة ومحبة، وفي وضوح وقوّة وتماسك ويقين.

والحمد لله رب العالمين.