افتتح الإمام المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى مجلسه، المنعقد بتاريخ الأحد 29 جمادى الثانية 1425 الموافق لـ15 غشت 2004، بالتسليم على الحضور، والمتابعين من على شبكة الانترنت، والملائكة الذي يرصدون حلق الذكر فيدعون لأصحابها بالمغفرة والرحمة وبلوغ الجنة. ثم ذكّر بموضوع الجلسة السابقة الذي كان عن العلم والعمل، مؤكدا أن المؤمن يجب أن يربطهما بالدار الآخرة لينال فضل الدنيا والآخرة.

ثم بدأ الإمام تفسيره لسورة الرعد، مشيرا إلى أن سبب تسميتها راجع إلى ذكر الرعد في قوله تعالى ويسبح الرعد بحمده، مذكرا بأن “الحقائق العلمية نصدقها ونؤمن بأن وراءها صنع الله سبحانه وتعالى، فوراء كل قوة في العالم ملك، ملائكة تنزل مع المطر، وأخرى ترعى نبات الأرض، وأخرى تحصي أعمال بني آدم.. من الملائكة ما لا يحصيه إلا الله سبحانه وتعالى”.

وفسر الإمام قول الله تعالى أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ قائلا: “هذا كلام نزل في شخصين؛ أحدهما يعرف أن الحق هو ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم والآخر لا يريد الاعتراف به، عاصرا النبي صلى الله عليه وسلم.

أحدهما، وهو الذي يعلم أن ما أنزل على سيدنا محمد الحق، هو سيدنا حمزة بن عبد المطلب، الذي استشهد في غزوة أحد وقال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: “سيد الشهداء” في الحديث: “سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله”، و”كمن هو أعمى” هو أبو جهل وكان عدوا للنبي صلى الله عليه وسلم”.

ثم تساءل الإمام: هل يتساوى هذان؟ ليجيب بأنهما “متناقضان تماما؛ واحد من أحباب الله سبحانه وتعالى وأوليائه ومن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والآخر هو أقبح المشركين والمجرمين والظالمين”.

طالع أيضا  الإمام عبد السّلام ياسين.. كاد الفقر أن يكون كفرا

ونبه الإمام إلى أن “القرآن يربينا ويسوق لنا هذه الأمثلة المتنافرة المتباعدة كي نفهم، لا يتساوى الذي يعترف برسول الله صلى الله عليه وسلم وبأن ما جاء به الحق فهو مبصر، والآخر أعمى”.

ولتوضيح العمى، قال المرشد رحمه الله تعالى “فكيف هو العمى في الدنيا؟ من أصاب العمى عينيه يلزمه من يساعده، وهناك من أصاب بصيرته، والبصيرة هي التي نعرف بها الحق، فهي مرتبطة بالقلب والإيمان، فإذن سيدنا حمزة كان بصيرا والآخر أعمى. لذلك قال الله تعالى إنما يتذكر أولو الألباب بمعنى أن الذين يفكرون هم أولو الألباب الذين يفكرون ويميزون بين الحق والباطل”.

وزاد مفسرا “”لا يستويان” فهما متناقضان كما يتناقض النور مع الظلام وكما تتناقض السعادة الأبدية مع الشقاء الأبدي”.

ولتبيان المعنى ساق الإمام مثال فئة من الناس بصائرهم مطموسة “هناك حاجز عند المفكرين، فتجدون أحدهم في الهند يعبد بقرة ويخترع الذرة، هؤلاء بصيرتهم مطموسة لأن فلسفات غربية سدت الباب أمام أمور مهمة وأساسية يجب أن يعلمها المرء بالضرورة”.

ثم تحدث الإمام عن دأب أناس على العيش في الدنيا واقتناء كل ما به يحققون السعادة لأنهم يظنون أن الحياة تنتهي بالموت، وطالب الحضور بإثارة ما يعرف عند الفلاسفة بـ”القلق الوجودي” مؤكدا على ضرورة أن ينتاب كل إنسان، وهو الذي يثير عند الناس سؤال: لماذا أنا موجود؟

ونبه أن هؤلاء الناس الذين يعيشون في الدنيا بحثا عن السعادة دون الوصول إلى معرفة كنه الخلق غالبا ما ينتحرون، كما يقع في أوربا والغرب كله، وساق مثل السويد الذي يعد من أفضل البلدان ومع ذلك يعرف ظاهرة الانتحار. لأنه بمجرد تعرض الإنسان لضائقة ما لا يستطيع تحمل الألم، إذ ليس للمرء عندهم معنى.

طالع أيضا  مفهوم الدين وبناء المراتب (3)

في الإسلام الإنسان له معنى، فالله خلقه في الدنيا للاختبار ليبلوكم أيكم أحسن عملا وليجزيكم في الآخرة.

وعاد الإمام إلى سورة الرعد متابعا شرحها: إنما يتذكر أولو الألباب الذين يوفون بعهد الله. ما هو عهد الله؟ هناك العهد الفطري، وهناك عهود نتعامل بها مع الله عز وجل وعهود نتعامل بها مع الناس”. وذكر هنا بمعاهدة النفس على حفظ القرآن قبل الموت وطلب العون على ذلك من الله سبحانه وتعالى.

وأضاف موضحا “عهد الله فطرة في كل إنسان، قال تعالى في سورة الأعراف: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ أخذ الله تعالى في غيبه وعلمه الأزلي قبلنا العهد على أرواحنا وشهدنا بذلك، لكن لما ندخل الدنيا تطمس فطرتنا بالشهوات والمعاصي وبالأفكار المخربة للدين والعقل والإيمان، وهناك عهود أخرى كثيرة”.

وبين الإمام رحمه الله تعالى أن “طمس الفطرة يكون كليا، كما عند الكفار، وقد يكون جزئيا، كما عند المنافقين”، ونبه إلى أنه “علينا أن نخرج من النفاق كله”.

وعرّف الإمام النفاق قائلا: “لغة: يسمي العرب النافقاء الجحر الذي له بابان أو أبواب، في بلاد العرب هناك دويبة تسمى اليربوع تحفر جحرا وتجعل له بابان أو أكثر، حتى إذا ترصدتها من باب هربت من الآخر”، ووضح أن هذه هي “حالة المنافق الذي لا يثبت على هيئة؛ كلامه لا يوثق فيه، “إذا حدث كذب” كما في الحديث:آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان”، وفي حديث أربع: “وإذا خاصم فجر”، وعند العاصي أيضا الذي يواقع المعاصي ولا يتوب فهو يراكم على نفسه الظلام”.

طالع أيضا  الوفاء بالعهد: اتباعا ومحبة ودعوة وجهادا (2)

وأكمل الإمام شارحا “وهناك العهود بين الناس، يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعهود، مثل العهد بين الزوجين، وبين الشركاء في التجارة وغيرها، فالذي يخون العهد لا يكون من “الذين آمنوا” وليس من أولي الألباب الذين يوفون بعهد الله، وكل عهد وعقد فيه معنى من العهد مع الله سبحانه وتعالى”.

وفي آخر حلقته دل المرشد رحمه الله تعالى مستمعيه على مراتب الدين التي يترقى فيها إيمان الفرد وينال بها حب الله تعالى، قائلا: “هناك من يصلي ويتقرب إلى الله بالخيرات طلبا للثواب والأجر، وهو المومن، وهناك من هو أفضل منه، وهو الذي يلبي نداء الله في الحديث القدسي وفي القرآن فأما إن كان من المقربين فروح وريحان والمقربون هم المحبوبون عند الله عز وجل، يتقربون إليه بالفرض “ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه”.

ولفت الإمام الحضور إلى أمر يعد من دقائق التربية وهو السعي أن “لا نكون من التجار الذين يصومون ويصلون.. للأجر، بل نكون من عبيد الله.. ينظر المحسن إلى نفسه بعين التحقير والمذلة أمام الله، فهناك درجات لأعمالنا الصالحة، هناك الأعراب والمسلمون والمومنون والمحسنون الذين يحبون التقرب إلى الله تعالى”، وحث على ضرورة استحضار هذه المعاني..