إذا كان العلم بمقتضيات وحقيقة لا إله الا الله مطلبا أساسيا وكبيرا في الدين، لتتجدد بواعثه يقظة تسري إرادة وهمة، وتتطيب الأمة وتتوحد، وتعيد بناء ما انتقد من تاريخها الأمجد، فإن إحياء مطالب الحياة كلها وبعثتها استجابة لربها الذي يحيي الأرض بعد موتها 1، ويجعل الإنسان مستخلفا فيها ليعمرها وينشر العدل في أرجائها، في كل جزء من جزئياتها، ويرفع الحيف والظلم والقهر والطغيان والحرمان عن أهلها، بقسمة الأرزاق وإنتاجها، ووفق الفطرة التي فطر الله الإنسان عليها، لمن الأعمال الصالحة النابعة من الكلمة الطيبة المطيبة، بل من أهم مقتضياتها.

وإذا كان الإحسان مرتبة علية، وحلما وشرفا وتشريفا لكل متبتل واقف على باب ربه بافتقار وذل، وحصنا حصينا في وجه “الأعداء القابعين على المجتمع من حكام الجور” 2 الظالمين، ومن والاهم في الداخل والخارج من أعداء الأمة والدين، فإن ذلك لمن الأحلام العزيزة الصعبة المنال، إن فقدت الشورى بسياقها العبادي والروحي والأخلاقي والاجتماعي والجهادي 3.

اعتبارا لذلك، اهتم علماؤنا عبر التاريخ بهذه المطالب وأولوها عناية خاصة، لكنهم اختلفوا من حيث زاوية نظرهم وظروفهم وإكراهات واقعهم، ثم من حيث توفيق الله لهم، خاصة آراؤهم في الشورى نظرا وعملا.

عندما تعرض المفسرون لتفسير آيتي الشورى فإنهم عللوا أهميتها بكونها ألفة للجماعة، ونفس التعليل أقره المحدثون أثناء حديثهم عن الآثار الواردة في الشورى 4، وأما من حيث مكانتها فيرى أحد المعاصرين أنها “مسنونة ومشروعة وحميدة، أي أن حكمها لا ينزل عن درجة الندب والاستحباب” 5، في حين اعتبرها الأستاذ محمد العبادي “فريضة عظمى من فرائض الدين” 6، بل هي عند آخرين مقوم من أهم مقومات وحدة الأمة، بل هي جزء لا يتجزأ من نسق إيماني متداخل متكامل متماسك، لا يصح فصل بعض عناصره عن بعض 7، وبذلك هي أعمق في حياة المسلمين.

ويضيف الأستاذ محمد عبادي متحدثا عن فضلها أنها: تجمع ولا تفرق، تؤلف وتوحد، وتحافظ على ما ائتلف، تزيد صف السالكين قوة وصلابة ويقينا، ثم تقضي على الفرقة والتنافر 8، وكأنه ينبه إلى أن غيابها عن الأمة “كل مرة – يتسبب – في إعادة إنتاج الاستبداد والفساد” 9 والطغيان الذي يولد القهر والحرمان، أو يعني أنه لا عاصم للأمة في مستقبل أيامها، أو كما كانت قبل انكسار تاريخها، من استبداد حكامها إلا بالشورى التي “إذا حضرت … غاب الاستبداد، وإذا غابت … حضر الاستبداد. فإذا استقر الاستبداد واستمر تحول إلى طغيان، وتحول إلى مفاسد ومظالم وانحرافات لا حد لها ولآثارها” 10، بل يتسبب في طمس الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها، فتسود الكراهية حياة الناس، ولعل واقع الأمة المعيش خير شاهد على ترف استبداد حكامها ومن يجري في فلكهم.

طالع أيضا  اتحاد علماء المسلمين: إعدام الدعاة والعلماء "كارثة مزلزلة ومن أخطر جرائم العصر"

وعلى هذا الأساس لا مخرج من الاستبداد إلا بالشورى، الكلمة الجامعة، فهي أمن النسيج الاجتماعي، تربط الفرد بالجماعة والجماعة بالأفراد في بناء متراص، خاصة، إن كان لهم حظ من سياقها القرآني الذي روحه وأصله 11 الدعوة وكل بنودها التي وردت في كتاب الله 12.

وما كان لأمة أن تحول دون تسلط الحكام وطغيانهم وادعائهم العصمة والقدسية واستخلاف الله لهم في الأرض، وقهرهم العباد وإهلاكهم الحرث والنسل، وتوزيعهم الظلم والحرمان، وإفراغهم كل المؤسسات بما فيها المساجد وبيوت الله عامة من روحها… ما كان لها أن تقوم بذلك إلا بالوحدة على أساس العدل والكرامة والمحاسبة في المسؤوليات ومساواة الجميع أمام القوانين والحريات وتكافؤ الفرص في المواقف والتصرفات 13.

لقد بعثر الاستبداد بكل تجلياته “طاقات الأمة إما بانصراف لمتعة ولعب، وإما بانصراف لكدّ وبؤس…” 14، بل أنساها مصيرها ومآلاتها في الدنيا والآخرة، وهي مع هذا وذاك، قد ضيعت الصلاة فرض ربها، وقرة عين نبيها صلى الله عليه وسلم.

لذلك كانت الشورى ضامنة لزوال الاستبداد بكل أنواعه وفي كل المجالات، أو انعدامه أصلا، بل وحماية للحكام والمحكومين جميعا من أن يتصفوا بهذه الصفة الخبيثة التي هي “نوع كبير من أنواع الانحراف عن الفطرة” 15 التي فطر الله عليها الإنسان.

ما كانت لتكون كذلك إلا بذلك العقد، إن صح التعبير، الذي يكون بين الحكام والمحكومين على طاعة الله، ووفق شرع الله في المكره والمنشط، وأن لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وأن لا خير في المحكومين إن لم يسدوا واجب النصيحة لحكامهم، ولا خير في الحاكمين إن لم يعملوا بنصيحة محكوميهم… كل ذلك يتم وفق الوحي وغايته رضا الله والخشية من عقاب الله، ذلك لأن نظم الحكم ليست شكلا وألعوبة وتمثيلا وتسميات ومجالس مزينة بآية وأمرهم شورى بينهم 16، وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُواْ ٱلْمِيزَانَ 17 والاستبداد ينخر كيانها، بل هي في الإسلام مضمون قبل أن تكون شكلا 18، جوهر ومضمون أهم بنوده الاستعداد ليوم الرحيل، استجابة لرب العالمين.

طالع أيضا  ذ.هراجة:على المخزن رفع عسكرته عن الشارع العام وتقديم حلول واقعية لأزمة تهدد البلد

لكن هذه الشورى التي أسيل حولها مداد كثير في القديم والحديث، تفاوت أهلها في تبسيطها وتدليلها للفهم لدى الكثير من أبناء عصرنا، فترمى الحركة الإسلامية زورا بالإقصاء والسعي إلى الاستفراد بالساحة… أو ترمى بالخرافية والعدمية… فكان طبيعي جدا أن تكون نتيجة هذا الخطاب الموروث تاريخيا، ثم آليات تصريفه 19 أحيانا، ثم عدم الوعي أو تجاهل منطق الساحة الذي يفرضه الواقع، أو الحماسة والتسرع في عرض البدائل… طبيعي أن تكون النتيجة ازدياد الهوة بين من مفروض فيهم التقارب والتعايش والتطاوع والتساهل، والأدهى والأمر إن كان ارتشافهم من معين واحد.

من هنا يأتي الأساس العملي أو التطبيقي الميداني للشورى بكل أبعادها وبنودها، وهو ما أرق العلماء العاملين للإسلام، فألفوا في ذلك كثيرا من المصنفات، لكن الإغراق النظري وصعوبة التطبيق بسبب الإكراهات العديدة، أهمها الواقع، جعل كثيرا من الدراسات تكاد تبقى رهن الرفوف، وقد فطن الأستاذ ياسين، رحمه الله رحمة واسعة، إلى هذا الإشكال وتلامذته من بعده، فانتبه منذ البداية قائلا: “ما كان منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم أحلاما وآمالا” 20، بل علم أصحابه كيفية السير، عمليا وعينيا ويوميا، بالرحمة والرفق والحكمة، وأكسبهم خبرة إنجازية اقتحامية تغالب العقبة الصاعدة 21، فكانت الشورى حياة ومعاشا ومعادا.

لذلك، وباعتبار الشورى بديلا عمليا لإدارة وقيادة مستقبل الإسلام بحكمة “وتغييرا يوافق ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وما فعله محمد صلى الله عليه وسلم” 22، فإن التدريب اليومي العملي والعيني والمؤسسي وفق النواظم الثلاث: المحبة والشورى ثم الطاعة بشكل موازٍ للتنظير، قد برزت نتائجه أو بعضها في مؤسسات الجماعة التي أسسها، من أدنى مجموعة تنظيمية إلى أعلاها، فمع تأثيله للفكرة، بنى رجالا ومؤسسات تنفذ وتمشي على الأرض عبرة.

وخلال التنفيذ نبه إلى شرط أساس: أنه لا يستقيم معاش الناس في الدنيا إلا بإصلاح الآخرة، معاش تلتحم فيه العقيدة بالشريعة، تلتحم فيه الرحمة بالحكمة، يلتحم فيه السلوك إلى الله صعدا بالسلوك في الناس صبرا ومواساة، تلتحم فيه الأخلاق بالسعي نشاطا في الأرض، وكل ذلك استجابة، من العبد، إيمانية 23 “أنّ ما يؤتاه الإنسان في الحياة الدنيا إنْ هو إلا متاعٌ، رحلةٌ موقوتة، بعدها موت، وبعد الموت حياة..” 24.

طالع أيضا  أضواء على الطاعة والشورى في فكر الإمام عبد السلام ياسين

[1] سورة الحديد، الآية: 17.
[2] عبد السلام ياسين، ألا وإن في الجسد مضغة (الإحسان ج 1): 22.
[3] خالد العسرى، الشورى المغيَّبة، دار السلام، القاهرة، ط1، 1428هـ/2007م، ص: 25-47. نقلا عن أحمد الفراك، معالم تحديث الدولة من خلال مرجعية الأمة -3- دولة العدل والشورى والحرية، 5 نونبر2014،  بتصرف.
[4] أحمد مبارك سالم، الشورى ومعاودة إخراج الأمة، مادة مرشحة للفوز بمسابقة كاتب الألوكة الثانية، مقدمة الكتاب.
[5] تلخيص: كتاب “الشورى في معركة البناء”، أحمد الريسوني، المعهد العالمي للفكر الإسلامي – عمان . دار الرازي – عمان، الطبعة: الأولى، عام: 1428هـ / 2007 م.
[6] محمد عبادي، موقع الجماعة.
[7] انظر وحدة الأمة في فكر الإمام عبد السلام ياسين، مجموعة من الباحثين، ط: 1/2015، أفريقيا الشرق.
[8] محمد عبادي، موقع الجماعة، بتصرف.
[9] محمد منار: الفرقة تسهم في إعادة إنتاج الاستبداد والفساد، الجماعة نيت، 22 يناير، 2019.
[10] تلخيص: كتاب “الشورى في معركة البناء”، أحمد الريسوني، المعهد العالمي للفكر الإسلامي – عمان . دار الرازي – عمان، الطبعة: الأولى، عام: 1428هـ / 2007 م، الاستبداد داء، والشورى وقاية ودواء. ص 40.
[11] عبد السلام ياسين، سنة الله، الطبعة: 1، سنة: 2005.
[12] راجع سورة الشورى الآيات (36 ـ 41) للوقوف على سياقها وبنودها.
[13] أحمد الفراك، معالم تحديث الدولة من خلال مرجعية الأمة -3- دولة العدل والشورى والحرية، 5 نونبر، 2014، بتصرف.
[14] عبد السلام ياسين، مقدمات في المنهاج النبوي، ص: 42/43.
[15] تحرير فتحي حسن ملكاوي، المعهد العالمي للفكر الإسلامي. للشيخ محمد الطاهر ابن عاشور وقضايا الإصلاح والتجديد في الفكر الإسلامي.
[16] سورة الشورى، الآية: 38.
[17] سورة الرحمن، الآية: 9.
[18] عبد السلام ياسين، مجلة الجماعة – العدد الثاني، الطبعة: 1، سنة: 1979.
[19] منار الهدى، العدد: 12/2008.
[20] عبد السلام ياسين، مقدمات في المنهاج النبوي، ص: 35.
[21] عبد السلام ياسين، مقدمات في المنهاج النبوي، ص: 35/36، بتصرف.
[22] عبد السلام ياسين، مقدمات في المنهاج النبوي، ص: 35/36.
[23] نفسه، بتصرف.
[24] عبد السلام ياسين، الشورى والديموقراطية، مطبوعات الأفق – الدار البيضاء، الطبعة: 1، سنة: 1996.