سألني صديق إسباني “ملحد” عن مزايا ديني (الإسلام) في المجتمع. فقلت: هو السر المكنون والكنز المفقود الذي تبحث عنه الإنسانية في الوجود.

هو “الأخلاق”، هو “الحرية”، هو “العدل”، هو “العلم”، هو “الرحمة بالخلق”.

وبذلك فهو ملاذ روحي. كيف ذلك؟

لقد اعتنت أوربا ببناء الحضارة وشيدت صرحها وتمكنت من أسباب “السعادة” المادية، لكنها في المقابل تخلت عن الإنسان وتركته تتقاذفه الأمواج العاتية، تقلبه ذات اليمين وذات الشمال مترقبا من يمسك بيده ليصل إلى شاطئ الأمان!!

وهنا أتذكر امرأة إسبانية جاءت لتشهر إسلامها في المسجد فصرحت لي قائلة: “قبل اكتشافي للإسلام كنت أعيش كل معاني البؤس والدمار رغم توفري على كل الأسباب المادية التي تمكنني من (السعادة)، والآن أشعر بشيء وقر في قلبي يبعث لي السكينة والطمأنينة”.

وهذا رجل في مقتبل العمر دخل متجرا فإذا به يسمع قرآنا يتلى فما لبث إلا قليلا حتى فاضت عيناه وسأل ما هذا الذي أسمع؟!! لقد غاص في أعماقي ولامس جنبات روحي!!!… قلت: إنها رحمة الله يصيب بها من يشاء من عباده.

هي نماذج كثيرة، ولكن الذي نروم إليه هو حاجة الإنسانية إلى رحمة الإسلام ورحانيته، لأن الاتجاهات الفكرية التي تسود العالم اليوم لا تجيب إلا عن سؤال الماديات، ومن هنا طغت المصلحة وأصبحت العادات الجارفة هي الأخلاق المتحكمة في تنظيم المجتمعات البشرية.

شيء وقع في القلب ولامس الروح!! 

اعلم أن الإنسان هو الكائن الروحي الذي أعده الله تعالى لتلقي خطابه وبلوغ درجات الكمال في التعرف عليه. وعلى هذا الأساس فإن أسمى حق من حقوق الإنسان المفقود اليوم هو “حق الإنسان في التعرف على خالقه”، فلو أتيحت له الفرصة لسماع نداء القرآن يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم لأسرع إلى الاستجابة طوعا، لأنه في حاجة إلى اليد الحانية تنقذه من بحر الظلمات وبراثين الشهوات، أو على الأقل يقف مع ذاته سائلا إياها من أنا؟ وإلى أين؟ أسئلة جوهرية لطالما طرحها الفلاسفة بحثا عن حقيقة الوجود!!

طالع أيضا  الحنيفية السمحة

“الإنسان ذلك المجهول”.. هكذا سمى “ألكسي كاريل” كتابه النفيس حول الإنسان والحضارة الغربية، التي وجه لها انتقادا لاذعا وذلك لما رأى من اهتمامها البالغ بالأشياء على حساب الإنسان الذي أضحى ضحية لها يعاني كل الويلات والمحن؛ “إن حضارتنا، وحتى اليوم، لم تتمكن من خلق بيئة تلائم نشاطاتنا الذهنية العقلية” وما هذا إلا “لأنها تتجاهل الجانب الأخلاقي من وجود الإنسان عمدا”.

لعل ألكسي كاريل فكر وقدر ثم أدرك بعقله شيئا اسمه “الأخلاق” -وهذا هو “الدين” عندنا- فذهب يبحث عن كنه الإنسان وماهيته ورسالته، وإلا فهو كما يقول “لست فيلسوفا، ولكنني رجل علم فقط، قضيت الشطر الأكبر من حياتي في المعمل أدرس الكائنات الحية، والشطر الباقي في العالم الفسيح أراقب بني الإنسان وأحاول أن أفهمه”.

ترى، كم هو شاق أن يتكلف الباحث فهم نفسه وحقيقة وجوده باعتماده على عقله ونظره دون مُعين يأتيه من وراء سجف الغيب يكشف له الغطاء، فيرى بواطن الأشياء من ظواهرها.

هذا المعين هو “الوحي”؛ الذي جعل محور رسالته “الإنسان”، يرعاه ويهديه ويرشده إلى سبل السلام، ويقول له من هنا الطريق: طريق المعرفة والعلم المعبر عنه في كلمة “إقرأ”، وطريق النظر والتعقل أفلا ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنينها وزينها ومالها من فروج، ثم طريق الإيمان والعمل الصالح من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مومن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون.

وإلى هنا تلتقي السماء بالأرض حيث الإيمان والحياة الطيبة.