(1)

يتّفق العديدُ من المتابعين للشأن السياسيّ المغربيّ أن حراك “20 فبراير” كانت نتائجُه ستكون جدّ متقدمة لو لم تُفضّل جُلُّ الأحزاب السياسية الاصطفاف إلى جانب السلطة، ولو لم يختر تيارٌ إسلاميّ – في تقدير خاطئ – “الركوبَ” على المطالب الشعبية، والذهابَ سريعا في اتجاه تقديم نفسه كحلّ وحيد للورطة التي وجد “المخزن” نفسه غارقا فيها، في ظل ظروف شعبية إقليمية غاضبة على الاستبداد، ومنادية بسقوطه. فلو لم “يتحالف” حزب العدالة والتنمية – بالخصوص – مع السلطة أثناء هذا الحراك لَتَغيّرت الأوضاع كثيرا، ليس نحو “إسقاط النظام” – الذي لم يقل به أحد – ولكن، أولا، نحو المزيد من “التّعارف” البنّاء بين الأطراف السياسية المشاركة في الحراك، والتي تحمل أيديولوجيات متعارضة في المصادر والمشاريع. وهذا بحدّ ذاته غاية في الأهمية، لأن السلطة القائمة تنتعشُ وتتغذّى أثناء استمرارها على تشتّت معارضيها، وتخوُّفِهم من مشاريع بعضهم البعض. وثانيا نحو المزيد من “التنازلات” التي كان الحاكمون سيُقدّمونها – اضطرارا – للحفاظ على “استقرارهم” في منطقة كانت الأسماء والرؤوس تتهاوى فيها تباعا.

(2)

لقد أبانت الأطراف السياسية المشاركة في ذلك الحراك عن وعي سياسي عالٍ عندما “عَقّلُوا” مطالبَهم بما يتناسب والمرحلةَ والظروف والواقع المغربي، بينما أبان النظام ليس عن تَعقّل كما يعتقد البعض، بل عن حنكة ومكر عاليين في التعامل مع الخصوم؛ فحيّد أطرافا، وأطمعَ أخرى، وخوّف آخرين، واستمال من لهم القابلية لذلك، مما حدّ من “شعبية” الحراك، ليتحوّلَ في الأخير إلى حراك نخبوي محدود في الزمان والمكان (نضال عطلة نهاية الأسبوع) ، ولو فَرَضَ عليه إيقاعُ الحراك ونوعيةُ الأطراف المشاركة فيه، ومدى انتشاره، لَانْتقلَ – أكيد – إلى استراتيجيات بديلة للحفاظ على مواقعه وامتيازات شبكاته.

طالع أيضا  ما الذي تغير في مغرب ما بعد حراك 20 فبراير 2011؟

(3)

بعد توقف الحراك، والذي استنفذ – بشكله ذاك – كلَّ أغراضه، انقلبَ النظام بكل تشكيلاته وشبكاته يسابقُ الزمنَ ليُلملمَ أوراقَه، ويعيدَ ترتيبَ بيته الداخليّ، مُتّبعا ما اعتبره استراتيجية “الضربة التي لا تقتلني تقويني”، فبدأ من ثَمّ يُوسّع من خطواته في سيره الحثيث نحو استرجاع ما بدا لنا بأنه تخلى عنه، لأنه يدري أن التغيير التاريخي الذي يطلبه خصومُه هو سيرورة طويلة قد تمتدُّ لسنوات أو عقود، وما “حراك 20 فبراير” وما شابهه إلا حلقة في هذا المسار، ومن ثم عليه أن يستعد لما هو آت. وقد ساعده في ذلك بسذاجة وحماسة كبيرين من كان الناس يعتبرونهم أمناء أتقياء. بل إنه زحف – أثناء ذلك – على مساحات ما كان أبدا يحلم بأن يغرس فيها يوما راياته وأعلامه، وقد فعل ذلك بثقة وأريحية وفي واضحة النهار.. في الوقت الذي كان فيه الزّمّارُ يُلهي الناس – غريب – ومن دون أن يُدفَعَ له..!

(4)

ومنذ ذلك العهد إلى الآن مرت مياهٌ كثيرة تحت الجسر، كانت ومازالت صالحة – بحق – للإبحار نحو نقطة تنفجر فيها الأوضاع من جديد؛ فالحراك – في الحقيقة – لم يتوقف منذئذ، بل ازداد زخما، وانضمت قطاعات فاعلة، وتحركت مناطق كانت خائفة، وأخرى نائمة. وجَردٌ بسيط لعدد الاحتجاجات والمسيرات والتظاهرات والاعتصامات، وطبيعتها ونوعية المشاركين فيها سيجعلنا نقتنع أن المغرب لم يكن أبدا في كل تاريخه المعاصر على صفيح ساخن كما هو عليه الآن.

(5)

لماذا يا ترى لا تستوعب الأنظمة الدرس ؟ لماذا تسمح بتراكم الغضب في النفوس، وهم يدركون – بما تعلّموه من التاريخ – أنه سيأتي يوم ينفجر في وجوههم مخلّفا خسائر يتفاوت حجمُها بحسب رد فعلهم تجاه احتجاجات الناس وحراكهم.. ؟
لماذا لا يعمل الحاكم على اقتسام السلطة والثروة مع شعبه؛ فيحفظ الأوطان، ويكرم الإنسان، وينال مشروعية تجعله متربعا في القلوب حيا وميتا؟ هو سؤال في عالم السياسة يعتبر بليدا، فلا أحد يمكن أن يتنازل طواعية وبمحض الإرادة عن السلطة وما تُذرّه من أرباحَ ماديةٍ ورمزيةٍ إلا أن يكونَ رجلا من طينةٍ أسطورية بحجم عمر بن عبد العزيز.
إذن نحن نحتاج إلى “20 فبراير” جديدة… ولكن بأي معنى ؟

طالع أيضا  الزفزافي والحاكي يعلقان إضرابهما عن الطعام

(6)

يُجمع المتتبّعون أن الحراك القادم ينبغي أن يستقطبَ قطاعاتٍ مجتمعيّةً مؤثرةً، و أن يقتربَ من مناطقَ زاخرةٍ “بالبارود” الاجتماعيّ. وقبل ذلك وأثناءه على الفاعلين السياسين أن يستعدوا لكي يكونوا في مستوى المرحلة، وذلك بشحذ آلياتهم، وتحيينها كي يتعاطوا مع المستجدات بما يليق، مؤجّلين هواجسَهم الهُوّيّاتيّة والأيديولوجية إلى ما بعد “سقوط الفساد”، منتظرين، بعين الصقر وصبره وتحفّزه، اقتناص اللحظة المناسبة، دافعين السلطة إلى ارتكاب أخطاءَ تجعلها تقتنع بعدها باستحالة استمرار الوضع كما هو عليه. غير مبالين بمن يمكن أن يشوشَ على مطالب الناس، أو يُسَقّفَها دون وجه حق.
فمتى يقتنع الطامحون للتغيير من إسلاميين و ديموقراطيين ويسار بأن الطريقَ نحو مطلب العدل مُمتنِعٌ ما لم يَمدّوا جسورَ الحوار بينهم، والأفق القريب هو التكتّل والعمل المشترك ؟ وإن التجربة علمت الكثيرَ ممن كانوا يقفون على طرفي نقيض أن الخصومة في جزء كبير منها كانت ذات طابع نفسي أكثر مما هي خصومة مشاريع وطروحات.