كانت البشرية تعيش قبل الإسلام الفوضى والاضطراب في الفكر والسلوك والعقيدة، وكانت تعيش في الظلمات؛ فلا قوانين عادلة تحفظ للمستضعفين كرامتهم، ولا منهاج يفسر علاقتهم بالله والكون والناس، ويحدد دورهم في الحاضر، ويرسم خط سيرهم في المستقبل في الدنيا، ويحدد مصيرهم في الآخرة، إلا ما تبقى من هدي الأنبياء والرسل السابقين وتعليمات الكتب السماوية السابقة التي سلمت من التحريف والتزوير اللذين طالا معظمها، وكذا بعض مكارم الأخلاق التي بقيت ناقصة غير تامة تنتظر من يتممها.

فاقتضت إرادة الله عز وجل- رحمة بالعباد – أن يرسل رسولا جعله خاتم الرسل والأنبياء وأكرمهم على الإطلاق. وأنزل معه قرآنا هو خاتم الكتب السماوية وواسطة عقدها. وأوكلت إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مهمة شرح وتفسير هذا الكتاب وتجسيد معانيه في نموذج بشري يمشي على الأرض ويقتدي به الناس. فأثل لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تراثا تربويا وفقهيا وحركيا ضخما تمثل في أقواله الشريفة وأفعاله وتقريراته الصريحة وأحواله المنيفة. وهو ما يعرف عند الخاص والعام بمصطلح “السنة” بمفهومه الشامل الجامع.

وأمام هذا الإرث الضخم تتضح لنا جسامة المسؤولية الملقاة على الأمة الإسلامية من بعده صلى الله عليه وسلم؛ ألا وهي مسؤولية الحفاظ على هذه السنة الجامعة المانعة والذب عنها والتعريف بصاحبها عليه أزكى الصلاة والسلام. فانبرى الصحابة الأجلاء بعده صلى الله عليه وسلم للقيام بهذه المهمة فقاموا بها أحسن قيام، باذلين في ذلك جهودهم وأرواحهم وأموالهم وكل ما يملكون، وسار على منوالهم من جاء بعدهم من التابعين وتابعي التابعين ومن تبعهم بإحسان من الفقهاء والقراء والمحدثين والعلماء العاملين، كلهم يدافعون عن هذه السنة وينافحون عن هذا الدين كل من موقعه وحسب تخصصه، دافعهم إلى ذلك حبهم لله عز وجل، وتعلقهم الشديد بالجناب الشريف صلى الله عليه وسلم، وإحساسهم الشديد بثقل المسؤولية الملقاة على عاتقهم.

ومن هؤلاء الأكابر عالم جليل معروف يدعى “القاضي عياض”. وهو أحد الذين تفانوا في خدمة سنة النبي صلى الله عليه وسلم بكل ما أتاه الله من علم ومنصب وجاه. وسنحاول في هذا المقال أن نتعرف عليه لنقترب منه ونقربه للقراء الكرام.

فمن هو القاضي عياض؟ 

وأين تجلت مساهمته في خدمة هذا الإرث النبوي الجليل؟

 الاسم والنسب:

يقول الإمام الذهبي رحمه الله في تعريفه للقاضي عياض هو “الإِمام العلامة الحافظ الأوحد شيخ الإسلام القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرو بن موسى بن عياض اليحصبي الأندلسي ثم السبتي المالكي. ولد (بسبتة) في سنة ست وسبعين وأربع مئة. وهو ما أكده ابنه محمد وابن بشكوال في الصلة حيث ذكر أن عياضا كتب له ذلك. تحول جدهم من الأندلس إلى فاس، ثم سكن سبتة” 1.

نشأته وطلبه للعلم وتعليمه:

طالع أيضا  القاضي المغربي الذي وصف النبي

نشأ القاضي عياض نشأة عادية هادئة مستقرة. ينتمي إلى أسرة ميسورة الحال موسع عليها في الرزق، لم يذق طعم الفقر وويلاته، بالإضافة إلى كونها أسرة ذات علم ووجاهة. وعاش في كنف الدولة المرابطية وهي في عز أوجها وقوتها واستقرارها. كل هذه الظروف، بالإضافة إلى ما حباه الله من ذكاء حاد وقوة شخصية وحافظة قوية واستعداد نادر المثال في طلب العلم والنهل من معينه، جعلته يحصل مع مرور الأيام والسنوات أرقى ما يمكن لطالب العلم أن يحصله من العلوم والمعارف الشرعية واللغوية والأدبية، وعلى يد أكبر وأهم الشيوخ في عصره حتى أجازوه، كالحافظ أبي علي الغساني، والقاضي أبي علي بن سكرة الصدفي، وأبي الوليد بن رشد، ومحمد بن حمدين، وهشام بن أحمد، وغيرهم 2. واستمر على هذا “حتى استبحر من العلوم، وجمع وألف، وسارت بتصانيفه الركبان، واشتهر اسمه في الآفاق”  3.

وأخذ عنه، وحدث عنه كثير من العلماء منهم الإمام عبد الله بن محمد الأشيري، وأبو جعفر بن القصير الغرناطي، والحافظ خلف بن بشكوال، وولده القاضي محمد بن عياض قاضي دانية.

وهب القاضي عياض حياته للعلم الشرعي والنبوي حتى تمكن منه فجلس “للمناظرة وله نحو من ثمان وعشرين سنة، وولي القضاء وله خمس وثلاثون سنة” 4.

وكانت له عناية بالحديث النبوي الشريف خاصة. يقول ابن فرحون: “كان القاضي أبو الفضل إمام وقته في الحديث وعلومه” 5. وقال ابن بشكوال في كتاب “الصلة”: “دخل الأندلس طالبا للعلم، فأخذ بقرطبة عن جماعة، وجمع من الحديث كثيرا، وكان له عناية كبيرة به والاهتمام بجمعه وتقييده. وهو من أهل التفنن في العلم والذكاء واليقظة والفهم” 6.

ولمكانته في علم الحديث، وقدره الرفيع بين علماء الإسلام، نورد كلاما نفيسا لأبي عبد الله محمد الأمين في كتابه “المجد الطارف والتالد” حيث قال: “مقام عياض مثل مقام البخاري والأئمة الأربعة؛ فهم حملة الشريعة وعلومها التي يبثونها في حدور الرجال بالتلقين والتأليف، ذبوا عن الشريعة بسيوف علومهم؛ فبقيت علومهم خالدة تالدة إلى الأبد..” 7.

ألف مجموعة من التآليف في فنون ومعارف متعددة، تلقيت من أهل العلم بالقبول والثناء لما فيها من الجودة والإبداع، ككتاب “مشارق الأنوار في اقتفاء صحيح الآثار” الذي قيل فيه:

طالع أيضا  خُدّام النبي صلى الله عليه وسلم.. أبو هريرة صاحب الحافظة الفريدة

مشارق أنوار تبدت بسبتة *** ومن عجب كون المشارق بالغرب

8

إلا أن أهم كتاب ألفه القاضي عياض وأشهره، هو كتاب “الشفا بتعريف حقوق المصطفى” الذي قيل عنه: (لولا الشفا ما عرف المصطفى). هذا الكتاب الذي تتجلى من خلاله الرابطة القلبية القوية التي تربط القاضي عياض بالمحبوب الأعظم صلى الله عليه وسلم، ومدى تفانيه في حب الذات الشريفة.

هذا الكتاب الذي عده كثير من العلماء والمحققين من خير الكتب في موضوعه، فقد بلغ فيه الغاية القصوى في إبراز صفات الذات الشريفة بكل ما يليق بها من العصمة والتفرد والتميز عن سائر البشر، منزها لمقام النبوة من كل ما لا يليق به، فقد قال عنه المقري في أزهار الرياض: “وفضائل هذا الكتاب لا تستوفى، ولا يمتري من سمع كلامه العذب السهل المنور في وصف النبي صلى الله عليه وسلم أو وصف إعجاز القرآن أن تلك نفحة ربانية، ومنحة صمدانية، خص الله بها هذا الإمام، وجلاه بدرها النظيم، وذلك فضل الله يوتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم” 9.

علاقته بالأدب:

وكانت له رحمه الله صلة وثيقة بعلوم اللغة العربية وآدابها. قال ابن الأبار: “كان لا يدرك شأوه، ولا يبلغ مداه في العناية بصناعة الحديث، وتقييد الآثار، وخدمة العلم مع حسن التفنن فيه، والتصرف الكامل في فهم معانيه، إلى اضطلاعه بالآداب، وتحققه بالنظم والنثر، ومهارته في الفقه، ومشاركته في اللغة العربية” 10.

 له أشعار جيدة منها قوله:

انظر إلى الزرع وخاماته *** تحكي وقد ماست أمام الرياح
كتيبة خضراء مهزومة *** شقائق النعمان فيها جراح 

11

وله شعر في النسيب والتشوق إلى زيارة النبي صلى الله عليه وسلم بث فيه لواعجه ولهفته الشديدة لزيارة المحبوب الأعظم صلى الله عليه وسلم، وكيف لا يتشوق إلى تلك الديار المقدسة وساكنيها، وهو الذي وهب حياته لخدمة سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم والدفاع عنها والذب عن حياضها خدمة لصاحبها عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، مع العلم أنه رضي الله عنه لم يتمكن من أداء فريضة الحج نظرا لانشغاله في طلب العلم وانشغاله بأمر القضاء.

طالع أيضا  خُدّام النبي صلى الله عليه وسلم.. أبو هريرة صاحب الحافظة الفريدة

يقول رحمه الله في هذا الشعر:

قف بالركاب فهذا الربع والدار *** لاحت علينا من الأحباب أنوار
بشراك بشراك قد لاحت قبابهم *** فانزل فقد نلت ما تهوى وتختار
هذا النبي الحجازي الذي شهدت *** له بتقديمه رسل وأخبار
هذا الشفيع الذي ترجى شفاعته *** للمذنبين إذا ما اسودت النار

12

وتجدر الإشارة إلى أن حياة القاضي عياض مرت في مجملها هادئة مستقرة، تفرغ فيها لطلب العلم وتحصيله، فوهب حياته فعلا لهذا الغرض، باستثناء ما وقع من تزعمه الحرب ضد الموحدين الذين كانوا يعملون على إزالة دولة المرابطين واجتثاثها. إلا أن الغلبة كانت للموحدين الشيء الذي أدى إلى استسلام القاضي عياض، فتم نفيه إلى مراكش التي مات بها.

وفاته:

توفي رحمه الله بمراكش يوم الجمعة السابع من جمادى الآخرة سنة 544هـ. وقد اختلف في سبب الوفاة، فمن قائل أنه مات مسموما سمه يهودي، ومن قائل أنه قتل بالرماح لكونه أنكر عصمة ابن تومرت، رغم أن ابنه محمدا لم يثبت شيئا من ذلك.

رحم الله الرجل رحمة واسعة، وجزاه الله عن المسلمين والمسلمات خير الجزاء. فلم يخرج من هذه الدنيا حتى ترك من بعده علما غزيرا نافعا له ولأمته.


[1] الإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، سير أعلام النبلاء، تحقيق شعيب الأرناؤوط – محمد نعيم العرقوسي، مؤسسة الرسالة، ط 1، 1985م، ج 20، ص: 212/213.
[2] نفس المصدر 213.
[3] نفس المصدر 214.
[4] الإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تذكرة الحفاظ، الطبقة السادسة عشر، ج 2، ص 68.
[5] ابن فرحون، الديباج المذهب، مكتبة الثقافة الدينية، ط 1، 2003، ج 2، ص: 43.
[6] ابن خلكان، وفيات الأعيان، دار الكتب العلمية، ط 1، 1998، م 3، ص: 424.
[7] https://archive.islamonline/net
[8] ابن خلكان، وفيات الأعيان، تح: د. إحسان عباس، دار صادر – بيروت، بدون طبعة، المجلد 3، ص: 484.
[9] الملا علي القاري، شرح الشفا، دار الكتب العلمية، ط 1، 2001، ج 1،ص: 3.
[10] ابن الأبار، المعجم في أصحاب القاضي الصدفي، دار الكتب المصرية، ط 1، 1989، ص: 302.
[11] الإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تذكرة الحفاظ، الطبقة السادسة عشر، ج 2، ص 68.
[12] الوافي، 56/1.