الرجز جزاء الرجس 1، عبارة تجمع مترادفين متلازمين، يقترن أحدهما بالآخر جزاء وفاقا. الأول؛ أي الرجز، عقاب إلاهي يسلطه الله جلت قدرته على القوم الظالمين الفاسدين المفسدين، المبدلين آيات الله عز وجل وأحكامه، يقول الحق سبحانه: فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون 2.

قال الراغب الأصفهاني: “الرجس الشيء القذر” و“الرجز الاضطراب”.

الرجس يجمع كل أنواع الخبث والقذارة، مما أشاعه أولياء الشيطان أعداء الأمة في جميع الشعوب المسلمة ومنها المغرب. أنواع الرجس وألوانه وصفحاته في الفساد السياسي حيث الوعود الكاذبة والذمم الفاسدة التي تقول ولا تفعل وتعد ولا تفي بعهودها.

الرجس الذي طفا في الآونة الأخيرة على السطح في واقع الناس بهذا البلد فبرز في فساد السياسيين وألاعيبهم، حيث العبث بعقول الناس ومصير العباد والبلاد، وفساد أهل الاقتصاد الجشعين، الذين لا يهمهم سوى مصالحهم الشخصية ولو أدى بهم الأمر إلى امتصاص دماء الطبقات المسحوقة في الحواضر والأرياف. زد على ذلك مظاهر الفساد الأخلاقي والاجتماعي الذي أضحت الطبقات الشعبية أول ضحاياه “الأم وفتاتها في بلادكم (أي حكام المغرب) طعمة رخيصة في سوق النخاسة. إنها بإهمالكم للمستضعفين وسوء تربيتكم، وفتحكم الأبواب للعدمية والإباحية بضاعة في سوق الرقيق الأبيض. والمغرب على وشك أن يكون المفسقة الأولى للطغاة المستكبرين” 3. كان هذا في بداية الثمانينات من القرن الماضي فما بالك باليوم.

أما الرجز فهو الاضطراب بما يعنيه من اعوجاج في السير، واختلال في العمل والتدبير. الرجز يظهر جليا في بلادنا في خطط تنموية عرجاء لا تحقق أهدافها المرسومة لها، ولا توفر الأموال الضخمة التي ترصد لها. ويكاد يكون ذلك عاما وشاملا لكل القطاعات في بلدنا، سواء منها القطاعات الاقتصادية الإنتاجية: المغرب الأخضر والأزرق والسياحة… أو القطاعات الخدماتية كالتعليم والصحة والتشغيل والقضاء: البرنامج الاستعجالي في التعليم، إصلاح منظومة القضاء…

طالع أيضا  بعد توالي الفواجع.. ذ. بناجح يتساءل: هل البلد في صعود أم انحدار؟

الرجز جزاء الرجس، كلمة نيرة صريحة واضحة قالها الإمام عبد السلام ياسين في وجه الاستبداد الجاثم على صدور المغاربة، مذكرا إياه بأنه لا نفع يؤمل، ولا خير يرجى، من سياسات وبرامج تنموية عرجاء يقوم على وضعها وتنفيذها المخزن، الذي أضحى صنوا للظلم والفساد، بل جزءا أصيلا منه. فكيف تستقيم أمور البلد ويسر نحو الرشد والتنمية والتقدم، والقيادة بيد المستبدين الفاسدين إن الله لا يصلح عمل المفسدين.

الرجز جزاء الرجس، عبارة قيلت قبل حوالي أربعة عقود من الزمن، ومازال صداها يتردد في آذان وواقع المغاربة، الذين يكتوون بنار الرجس في أخلاق ناشئتهم الساقطة وبطونهم الجائعة وعقولهم المجهلة وأجسادهم الهزيلة المريضة. هي كلمة تؤكد أنه لا فرق بين عهود الجبر والاستبداد، جديدها وقديمها، التي ترعى الفساد والقذارة والرجس، وتحارب القيم الأصيلة في المجتمع المغربي قيم الشهامة والحياء والتآزر.

الرجز جزاء الرجس، نصيحة تؤكد أن الإمام عبد السلام ياسين ومعه جماعة العدل والإحسان لا يداهنون في توصيف وتشخيص واقع المغرب البئيس بعمق وجرأة وصدق. وتدلل على أصالة وبعد نظرهم في علاج مشاكل هذا البلد والسير به نحو التقدم والازدهار، إذا ما صفت النيات وقوت الإرادات وتحمل الجميع مسؤولياتهم في التفكير والعمل على إصلاح أوضاع المغرب والمغاربة. ولذلك لم يتوانوا في بعث النصائح والمذكرات إلى من يهمهم الأمر فعلا. أمر إنقاذ هذه البلاد الطيبة بأهلها الغنية بمواردها وإمكاناتها.

إن ما يشهده المغرب من اضطراب وارتباك واضح في برامجه التنموية وسياساته الاقتصادية والاجتماعية، بل وحتى تحركاته الدبلوماسية على صعيد السياسة الخارجية، مرده الرئيسي الفساد والرجس الذي انبنت وسارت عليه سياسات حكام هذا البلد، حيث العبث بمقدرات البلاد والتغرير بشبابها والمغامرة بمصيرها ومآلاتها. الفساد الذي يحمي المفسدين من كل الفئات، في السياسة والاقتصاد والثقافة والفن… ويتركها مستباحة أمام كل المخاطر والأعداء. فساد لا يريد الإصلاح إذ “لو كنا نقصد إصلاحا لبلداننا لبدأنا بتحديد المسؤوليات ولتجاوزنا عموميات الشكوى العاجزة – بل المقصودة لتفريغ سخط الشعب – إلى كشف القناع عن مسلسل الفساد وشبكته وطبقته وشرايينه وأعضائه وسدنته” 4.

طالع أيضا  د. الونخاري: مخططات التنمية تعرف فشلا ذريعا والفئة المتغلبة تحتكر ما يتم إنجازه

[1] مجلة الجماعة عدد 10 ص 35.
[2] سورة الأعراف الآية 162.
[3] مجلة الجماعة عدد 10 ص 23.
[4] نفسه، ص 20 – 21.