بغض النظر عن ما راج من أفكار مقروءة أو مقولة في الندوة التي نظمتها جماعة العدل والإحسان يوم الجمعة 8 فبراير 2019، على خلفية تشميع بيوت أعضائها من طرف السلطات المخزنية، فإن هناك خطابا آخر لا ينبغي للمحللين والصحفيين والمتتبعين أن يغفلوا عنه، أو يهملوا إيلاءَه ما يستحق من نقاش ومحاولة للقراءة والفهم.

لقد كان آخر ظهور إعلامي وازن لقيادة الجماعة، باعتبارها تنظيما، هو الذكرى السادسة لرحيل الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، بحيث هيمن السمت التقليدي والزي المغربي الأصيل على المشهد، وظهرت قيادة الجماعة بجلابيب مغربية أنيقة، مألوفة في عين المتلقّي، وتعطي انطباعا بالثقة والحميمية والحكمة، لكن بحديث المواقع الإعلامية المحسوبة على السلطة، بعد “عملية” تشميع بيوت بعض أعضاء الجماعة، عن “مساجد سرية” و”جماعة متطرّفة”، يكاد المتلّقي ينتظر بروز أشخاص بعمائم وألبسة أفغانية والزبد يتطاير من أفهواههم، وهم يتوعّدون ويتهدّدون، لكن الجماعة عندما اختارت أن تردّ بالتواصل مع الرأي العام من خلال استدعاء الصحفيين، وإعطائهم فرصة طرح الأسئلة بحرية وأريحية، حققت أهدافا كثيرة، بذكاء سياسي وحصافة تواصلية متينة، فهي من جهة، قدّمت صورتها وهي تتواصل عن طريق ندوة صحفية، بشكل حضاري وتواصلي مقنع، آخذة في عين الاعتبار أهمية إطلاع الرأي العام بما جرى، في مقابل صورة نظام اختار التواري خلف مواقع إعلامية مشبوهة، روّجت لرواية وحيدة منسوخة بفجاجة، في غياب الإشارة لمصدر “المعلومة”، وخاصة صور البيوت المسرّبة، من لدن “لجان” حضرت بفيالق أمنية متنوّعة كان من المفروض أنها مُستأمنة على “أدلة الإدانة” حسب زعمها.

الخلاصة: الندوة الصحفية، من لدن جماعة، قالت لنا المواقع المعلومة، إنها “متطرفة” و”محظورة”، ولديها “مساجد سرية” و”حسينيات”،(هكذا بعينين جاحظتين)، أعطى صورة لجماعة متواصلة، ومفتوحة، ومُضاءة، وأن من يروم “الظلام” حقا، هو من يختفي خلف المبررات الواهية، والتعليمات الصنمية، ليعتدي على الحقوق، ويديم الاستبداد والفساد بتحريف النقاش العمومي واعتماد سياسة الإلهاء.

طالع أيضا  الصحفي المرابط: تشميع بيت حساني ظلم جلي والنظام غير قادر على تلبية احتياجات المغاربة

وكعادتها، في الاختيار الذوقي الرفيع والإخراج الفني المقتدر على مستوى الصورة وحساسيتها في التواصل، ظهر في الإطار، رجلان من قيادة الجماعة، يلبسان لباسا رسميا أنيقا، بربطة عنق، توحي بالجدية والمسؤولية، كما توحي بالتحفّز والحيوية، وهي صورة تعطي الانطباع للمتلقي أنه بإزاء مؤسسة سياسية منظّمة، لها هياكلها ومسؤولوها، وليست مجرد جماعة من الأتباع وراء قيادة تسوقهم حسب هواها وميولاتها الموسمية.

إن حضور الأستاذ عبد الواحد المتوكّل، هو في حد ذاته جواب رفيع عن أصل المشكل، فالرجل، يعد رأس المؤسسة التي تُعنى بالشأن السياسي داخل الجماعة، وهو ما يعطي دلالة مباشرة أن هذا الرد السياسي، هو إشارة مباشرة إلى أصل المشكل مع النظام المخزني، وهو مشكل سياسي أساسا، مهما حاول النظام أن يلبسه من لبوس ويدثّره بادّعاءات قانونية أو أمنية مختلفة، أما وقد حضر الأستاذ فتح الله أرسلان، باعتباره النطاق الرسمي باسم الجماعة، ونائب أمينها العام، فإن الصورة اتخذت أبعادا جديدة، وشكّلت رسلة مرمّزة، لا أقل من اعتبارها ردّا مباشرا، عمّا يمكن أن يقال بأن ما دار في الندوة لا يعدو أن يكون “موقف” “الجناح السياسي” في الجماعة، وأن هناك تيارا تربويا أو تنظيميا داخلها، قد يكون له موقف آخر، فالتناوب على الكلمة بين الناطق الرسمي وبين رئيس الدائرة السياسية، بنبرة واحدة، يعطي انطباعا عن وحدة الموقف ووحدة التصور، وانسجام الأداء، وأن الرهان على انتظار الشروخ وبروز التنافر هو رهان من لا يعرف العدل والإحسان من الداخل، ولا يعرف حيوية الشورى داخلها وعمق الارتباط بين مؤسساتها وأعضائها.

أما بخصوص النبرة الهادئة المطمئنة التي تحدث بها الرجلان، وظهرت بشكل بارز عند الأستاذ فتح الله أرسلان خاصة، فهي تعطي صورة وجدانية تبعث على الاطمئنان في نفوس المغاربة المتوجسين من مآلات مأساوية في بلدهم الحبيب، كما أنها ترسم تمثّلا ذهنيا، قدّم الجماعة باعتبارها تنظيما ناضجا، وواثقا من نفسه ومن طروحاته، وأبرز صورة جماعة حكيمة وعاقلة وتعرف ما تفعله بتركيزها على احترامها للمساطر القانونية وتجنيب البلاد مغامرات الطيش والفوضى، في مقابل ما يشبه البلطجة في السلوك المخزني الذي لا يلقي بالا لاحترام القانون والمساطر والأعراف وحتى أحكام القضاء، باختصار: نجحت الندوة في تصدير صورة الجماعة الناضجة المتجذرة المتفائلة المتحاورة، في مقابل صورة التخبّط وغضب الانتقام والعنف، وقلة اعتبار الرأي العام وذكاء الناس، التي ظهر بها النظام وهو بصدد طرد الناس من بيوتهم وتشميعها، ومحاولات اختلاق المبررات التي تبعث “على الشفقة قبل السخرية” بلغة بيان الجماعة الذي تلته في الندوة.

طالع أيضا  "تنسيقية أكادير الكبير": دوافع انتقامية وراء الإعفاءات والتشميعات

أما بخصوص قراءة تأثيث القاعة، ببساطة وحميمية، ولّدها البيت المغربي التقليدي، والذي يمكن قراءته في نفس الآن بمثابة رسالة مشفّرة، باعتباره فضاء لتنظيم الندوة عوض مقر الجماعة، كما أنه بيت الأمين العام، وهو ما يكتسي رمزية بالغة في الردّ الصريح، بأن التنازل عن الاستغلال الشخصي الحر للبيت أمر مستبعد بتاتا ما دام حقا شرعيا ودستوريا وقانونيا وعرفيا.

كما أن حضور ذلك العدد الكبير من الصحفيين، أعطى رسالة واضحة أن العدل والإحسان لا زالت رقما سياسيا وازنا، يجعل حركتها محط نظر إعلامي واسع، وكلامها ذا مصداقية ومثيرا للاهتمام الصحفي الوطني والدولي، أما حضور بعض الحقوقيين في قاعة الندوة، فرسالة أخرى، إلى البعد الحقوقي النضالي للمعركة، وأن معركة التشميع لا يمكن فصلها عن النضال الحقوقي ضد تغوّل الأجهزة الأمنية وضد إرادة النكوص الحقوقي التي تسيطر على الفاعل السياسي النظامي، لكن جلوس الأمين العام للجماعة، وسط الحاضرين، منصتا ومتتبعا، يفيد أن هناك احتراما تاما لعمل المؤسسات داخل الجماعة، وابتعادا واضحا عن الشخصنة، ونفيا قاطعا لهيمنة الزعامة التقليدية على الجوانب التدبيرية، أو محاولات السطو على تخصصات المؤسسات.

ولا يفوتني أن أعلّق على الابتسامة التي كانت منطبعة على وجهي كل من الأستاذ فتح الله أرسلان والدكتور عبد الواحد المتوكل، وهو ما يوحي بالانبساط والبشر والاستبشار، رغم سحب اليأس التي يريد النظام المخزني أن يعمّمها ويعمّقها بتصرفاته التي تغترف من قرون العبودية مرآتها، كما أن تلك الابتسامة تشي بالقبول والانشراح، وهو ما يؤشر على الثبات والرسوخ والتجذّر، كما يوحي بامتلاك القدرة على التسامح وسعة الأفق، وسلامة القلوب من الغل والحقد، هذا مع ما يمكن أن يرصده المنصت اليقظ من وجود شيئ في بحّة صوت الأستاذ فتح الله أرسلان، وهي تظهر بجلاء أنها بحّة حسرة، خاصة عندما كان يتمنى أن يستفيق المغاربة ويعرفوا أن الأمر يتعلّق بمعركة الشعب ضد الاستبداد، ومعركة الشعب من أجل الحرية والديمقراطية، قبل أن تكون مشكلة مواطنين ينتمون للعدل والإحسان مع قرارات جائرة وشطط تسلّطي فاضح، وهي الحسرة التي يفهم منها نداء حار وصادق لاستجماع قوى الشعب من أجل إقرار دولة ديمقراطية تذهب جهودها في اتجاه البناء والتنمية والتعاون، عوض التوتر والهدم والتيئيس والاعتداء على حرمات الناس.

طالع أيضا  11 سنة ولا يزال البيت أسيرا.. نشطاء على الفايسبوك يطالبون بتحرير البيوت المشمعة