بعد الربيع العربي الذي شهد خروج جل الشعوب العربية للتعبير عن رفضها للظلم الاجتماعي التي تنهجه الأنظمة الحاكمة في العالم العربي، وبعد المآلات التي انتهى إليها الوضع في معظم هذه الدول بفعل مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية؛ ليس المقام هنا للتفصيل فيها، أضحت بعض الأنظمة التي خرجت بأقل الخسائر -ومنها النظام المغربي- تنهج سياسة التخويف من مصير بلدان أصبحت مسرحا لصراع ذو أبعاد دولية، تتحكم فيه المصالح الإستراتيجية للقوى العظمى، وتضع شعوبها بشكل مستفز أمام خيارين لا ثالث لهما؛ أنا أو الفوضى، وطبعا وأمام كل هذا الدمار المنقول بالمباشر عبر القنوات الإعلامية بالصوت والصورة، وصرخات الأطفال ونياح الثكالى وبكاء العجائز، لا يجد المواطن البسيط الخائف والمتوجس من المستقبل المتلبد، والذي خرج ذات يوم مطالبا بالعدل والحرية والكرامة؛ الكثير من الخيارات أمامه، فيختار مضطرا ما دون الفوضى، لكنه وبالرغم من ذلك تجده يبحث تحت ركام الفساد، عن شعلة خافتة يتشبث بها لعلها تكون قبسا يستنار به لتحقيق العدل المنشود ولو من تحت عباءة الاستبداد، فحرصه على الوطن من الفتن بفعل الخطاب التخويفي من مصائر بلدان عربية شقيقة عرفت ربيعا تلاه مباشرة خريف دام عنيف، يجعله يضع يده على قلبه خوفا مما يمكن أن ينتج عن أي تغيير للواقع من آلام، وغير زاهد -في نفس الوقت- بشكل كامل فيما كان ينشده من آمال، وتتشكل الهواجس، والأفكار المتناقضة في دوافعها ومآلاتها، لتتبلور في الأخير كأسئلة مفترضة تبحث عن مشروعية التنزيل.

أليس بإمكان نظام الحكم الشمولي أن يكون عادلا؟  

أو هل يمكن أن نطمع في نظام شمولي عادل في غياب تداول حقيقي للسلطة، وتوزيع عادل للثروة؟

الجواب عن هذه الأسئلة يقتضي البحث في طبيعة هذا الحكم وركائزه ومقوماته، ومدى إمكانية استجابته لشروط الممارسة السياسية العادلة.. إن أهم مرتكز يرتكز عليه الحكم الشمولي هو الاستبداد، والاستبداد نقيض العدل، فهل يكون المستبد عادلا؟

فالحكم المطلق، حتى وإن أظهر تمسحه بقيم العدل،  بذل الجهد ليعطي الانطباع بذلك، فطبيعته والمخرجات التي يعتمد عليها في ممارسة الحكم تكون حاجزا أمام تحقيق هذا المطلب، فالاستبداد الذي هو ركيزة أساسية لهذا النوع من الحكم، هو استفراد بكل شيء؛ استفراد بالسلطة، استفراد بالثروة، واستفراد بالعطاء أيضا.

طالع أيضا  فين الثروة؟.. زجل الشاعر عبد القادر الدحيمني

فالسياسة في ظل نظام مطلق هي انتخابات صورية، وأحزاب فاقدة للإرادة، ومؤسسات جوفاء، وسلط متداخلة يغلب عليها اللون الرمادي.

والاقتصاد هو تركيز رأسمالي ريعي، أصحابه ولاؤهم مطلق للنظام القائم، لا تهمهم الموازنات المالية وقوة الاقتصاد الوطني، بقدر ما تهمهم درجة رضى الحاكم، ولي النعمة، الحامي لمصالحهم الإستراتيجية.

والحقوق الاجتماعية تتحول في ظل نظام مماثل إلى عطاء وإحسان، مسجل كملكية خاصة في إسم الحاكم  وحوارييه، الاستفادة منه تكون بقدر الانبطاح، بل لا يمكن أن يمارس الإحسان والعطاء، من وضع نفسه خارج إطار الموالاة، أحرى أن يستفيد منه.

هذه المرتكزات الثلاث هي الدعائم الأساسية للاستبداد، وتقويضها يعني هدم النظام من أساسه، وبالتالي فهو لا يملك إلا أن يتشبث بها، وإلا فقد مقومات وجوده، فكيف يمارس العدل من جعل الاستبداد قاعدة لحكمه؟!

إن ما يعلمه حقيقة كل نظام ديكتاتوري استبدادي، هو أن ممارسة العدل مع الحفاظ على مرتكزات الاستبداد هو أمر مستحيل، فلا يبقى له إلا إدعاء صفة العدل ولبوس الشعارات الجوفاء، وتطعيم كل ما يمنحه الاستمرارية في إطار توازن صعب بين ممارسة الاستبداد والاسترسال في الادعاء.

وليتحقق له هذا الأمر لابد من توفر شرط أساسي لا غنى عنه؛ هو تنمية هاجس الخوف لدى الشعب: الخوف من السلطة، الخوف من الفقر، الخوف من الحرمان، الخوف من المستقبل.. الخ، فإن توفر هذا الشرط في الممارسة الاستبدادية، أصبحت أركان الطغيان قائمة، وأصبح الشعب لا يرى معنى لوجوده إلا في ظل عطف الحاكم، وحماية الحاكم، وأضحى هذا الحاكم لا يرى موجبا لاستمرار استبداده إلا في المزيد من ضخ أسباب الخوف لدى شعبه، وهذا ما يفسر التخويف الممنهج الذي يمارسه النظام المغربي عبر أذرعه الإعلامية والإدارية من مصير مرتقب مماثل لما صارت إليه دول أخرى طالبت شعوبها بالتغيير، ويعطي الإنطباع الأكيد أن ممارسة التخويف ليس جديدا ولا مبتكرا، إلا في ما يخص تفاصيله وجزئياته، فهو منهج أصيل في ممارسته للحكم منذ عقود خلت. وفي هذا الصدد يقول المفكر العربي عبد الرحمان الكواكبي 1في كتابه القيم “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”: “خوف المستبد من نقمة رعيته أكثر من خوفهم بأسه، لأن خوفه ينشأ عن علمه بما يستحق منهم، وخوفهم ناشئ عن جهل، وخوفه عن عجز حقيقي فيه، وخوفهم عن توهم التخاذل فقط”.

طالع أيضا  ذ. الجوري: الطغيان يبني وجوده على الفساد وينتعش ويستمر به

إن العلاقة بين النظام الحاكم والشعب، لا ينبغي لها أبدا أن تكون علاقة تناظرية، لا بد أن يكون طرف ما له خشية من الطرف الآخر، فعندما يكون الحكم ممثلا في حكومة منتخبة أفرزتها صناديق الاقتراع بكل ديمقراطية وتنافس بين أحزاب لها نفس مساحة التحرك، تضع نصب أعينها مصلحة الناخبين، في إطار برنامج انتخابي واضح المعالم، وأي إخلال بهذا البرنامج في فترة الولاية الانتخابية، هو نقض لتعاقد غير موثق بينها وبين الشعب، سيؤدي حتما إلى عقاب انتخابي من طرف هذا الأخير، تزكيه مؤسسات موازية تقوم بدورها كاملا ومستقلا في المتابعة والمحاسبة، نكون إذاك أمام حكومة تضرب ألف حساب للناخبين، ويكون الشعب مصدر خوف لكل من تصدى للحكم باسمه إن هو أخل بالتزاماته، والنتيجة في النهاية ستكون هي الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والمساواة، وهو ما عبر عنه في جملة واحدة الرئيس الأمريكي الأسبق “توماس جيفرسون” 2عندما قال ذات خطاب: “عندما تخشى الحكومة شعبها تلك هي الحرية، وعندما يخشى الشعب حكومته ذلك هو الطغيان”.

إن الطرف الذي يحق له أن يخاف هو المتصدي للحكم وليس الشعب، وهذا هو المقصود من الشطر الأول من مقولة الرئيس الأمريكي الأسبق، والذي يمكن اعتباره مسألة بديهية متوافق عليها على مستوى الأنظمة التي قطعت أشواطا طويلة في تعزيز ديمقراطيتها الداخلية. ولا يهمنا بطبيعة الحال في هذا المقام السياقات السياسية لكلام الرجل، أو حتى دواعيه ودوافعه، والظروف السائدة آنذاك في بلد حديث عهد بالاستقلال والحرية، يسعى جاهدا لتحقيق المساواة الاجتماعية بين أفراد المجتمع ولو في حدوده الدنيا، بحكم ما كان يعرفه المجتمع الأمريكي في فجر استقلاله، من فوارق صارخة على مستوى التفاضل العرقي والميز العنصري المتفشي، بقدر ما تهمنا أبعاد المقولة على مستوى الأداء السياسي العام.

طالع أيضا  منتدى سياسي بالبيضاء يناقش "النموذج التنموي بالمغرب.. أية حصيلة؟"

ونقيض النموذج الذي ذكرنا هو عندما يتحكم الاستبداد، وتصبح مؤسسات الدولة تابعة، والسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية مجمعة في يد الحاكم المستبد، فحينها يصبح الخوف أو التخويف منهج الدولة في تعاملها مع أفراد الشعب، مع ما يتلو ذلك من ترسيخ لفلسفة الظلم، وإقرار للحرمان كمسار موازي مساعد للطغيان، أو كما عبر عن ذلك “توماس جيفيرسون” في الشطر الثاني من مقولته: “..وعندما يخشى الشعب حكومته، ذلك هو الطغيان”.

فالحرمان من حيث كونه سببا مساعدا في تحقيق الخوف الجماعي، ونتيجة حتمية لسياسة التخويف، في نفس الوقت، فهو في عرف الأنظمة الاستبدادية ليس نتيجة لسياسات تنموية فاشلة، وقد نضع أنفسنا خارج إطار فهم حقيقة الاستبداد إن نحن سلمنا بهذا الأمر، بل هو هدف في حد ذاته توضع له الخطط والبرامج لتحقيقه، لأن حرمان الشعب يعني إبقاء استعداده لتقبل الطغيان مقابل إحساس وهمي بالأمان من الخوف الذي كان سببه الطغيان، إنها معادلة صعبة فهمها النظام المغربي مبكرا وطبقها بشكل ماكر.

إنه التطبيق الحرفي لفصول كتاب “الأمير” وصاحبه “نيكولو ميكيافيلي” 3 الذي أكد على أن الأفضل بالنسبة للحاكم أن يخشاه شعبه من أن يحبوه.

من قال إن رواد الحكم الشمولي ليست لهم أفكار، ومفكرون يلهمونهم؟


[1] عبد الرحمن أحمد بهائي محمد مسعود الكواكبي أحد رواد النهضة العربية ومفكريها في القرن التاسع عشر.
[2] الرئيس الأمريكي توماس جيفيرسون هو الرئيس الثالث للولايات المتحدة الأمريكية.
[3] نيكولو دي برناردو دي ماكيافيلّي، مفكر وفيلسوف سياسي إيطالي إبان عصر النهضة.