يظهر جليا للمتتبع لأوضاع النموذج التنموي بالبلاد أن هذه السنة لا تختلف عن مثيلاتها، بل تزداد سوءا من حيث المشاكل وعدم القدرة على الاستجابة للمطالب الملحة والحاجيات المتزايدة للمواطنين، هذا ما عبرت عنه الإرادة الشعبية حين أبدعت في أشكال الاحتجاج والرفض وكلها وعي وإصرار على استرجاع حقوقها، وعلى تحقيق التغيير، بالوقوف في وجه المخططات المخزنية التي تصر على الزج ببلدنا في غياهب التخلف والهشاشة والمستقبل المجهول.

لقد تميزت هذه السنة، على المستوى السياسي، باستمرار الاختيارات اللاشعبية متمثلة في هيمنة الهاجس الأمني والمالي على ما هو اقتصادي واجتماعي وتربوي، وفي التنفيذ الحرفي لإملاءات المؤسسات المالية الدولية، وكذا في تقليص هامش الحرية.

فعلى مستوى القطاع الفلاحي، الذي يشكل أحد القطاعات الهامة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فإن الدولة وضعت مخططات متتالية سعت إلى تنفيذها من أجل النهوض به، وكان الغرض منها هو زيادة الإنتاج وتأهيل المنتوج، وهذه المخططات المتعاقبة هي:

– برنامج الحد من انجراف التربة التعاقدي: 1963 – 1965.

– مشروع الديرو: 1967 – 1971.

– صندوق التنمية الفلاحية: 1993 – 2008.

– الشراكة مع وكالة تنمية الأقاليم الشمالية: 1997 – 2007.

– المخطط الوطني للزيتون: 1998 – 2008.

– مشروع ميدا للتنمية القروية المندمجة: 2001 – 2008.

– برنامج تحدي الألفية الأمريكي: 2009 – 2013.

– برنامج التنمية المندمجة لقطاع الأشجار المثمرة: 2010 – 2014.

– مشروع صندوق التنمية الفلاحية.

– برنامج استبدال زراعة الحبوب بأشجار الزيتون.

– مخطط المغرب الأخضر الذي انطلق سنة 2008.

في هذا التقرير سنحاول التركيز على المخطط الأخير “مخطط المغرب الأخضر” الذي راهنت عليه العديد من الجهات، معتبرة إياه مخططا فلاحيا شاملا كفيلا بالإجابة على كل الإكراهات التي يعاني منها القطاع ومعه الملايين من الفلاحين خاصة الفقراء منهم. لكن شتان بين الحلم والواقع، فهل كانت النتائج عند مستوى الوعود؟

طالع أيضا  ذ. الحريف: السياسات التنموية تخدم ثالوث الامبريالية والبورجوازية والمخزن

بعد عشر  سنوات من انطلاق مخطط المغرب الأخضر الذي تم الإعلان عنه من طرف الملك، والذي رصدت له حوالي 150 مليار درهم، والذي راهن على جعل القطاع الفلاحي رافعة أساسية للتنمية الاجتماعية والاقتصادية في المغرب استنادا إلى دعامتين رئيسيتين:

– تهدف الدعامة الأولى إلى تقوية وتطوير فلاحة ذات إنتاجية عالية، وتستجيب لمتطلبات السوق عبر تشجيع الاستثمارات الخاصة ونماذج جديدة من التجميع العادل.

– فيما تستهدف الدعامة الثانية تحسين ظروف عيش الفلاح الصغير، ومحاربة الفقر في الوسط القروي، عبر الرفع من الدخل الفلاحي في المناطق الأكثر هشاشة، إضافة إلى النهوض بفلاحة تضامنية ذات مردودية لفائدة المرأة القروية، من خلال مشاريع مخصصة للتعاونيات الفلاحية النسائية.

هل فعلا تحققت هذه الأماني ونحن نعيش السنة العاشرة بعد انطلاق هذا المخطط؟

إن قراءة في بعض أرقام المندوبية السامية للتخطيط، تجعلنا نستفيق مذعورين من سبات الأهداف التي خدرنا بها مروجو المخطط، إذ تقول المندوبية أن المغرب فقد 150 ألف منصب شغل ما بين 2008 و2017 في الوقت الذي كان المخطط يعد بخلق مليون و نصف مليون منصب شغل إضافية ما بين 2008 و2020، أما قضية الاكتفاء الذاتي (الأمن الغذائي) فالمقدار المستورد من الحبوب بالنسبة للمغرب يظل ثابتا.

وهكذا يكون مخطط المغرب الأخضر، في دعامة الفلاحة التضامنية والرفع من الدخل ومحاربة الفقر والأمن الغذائي/الاكتفاء الذاتي وغيرها، قد فشل فشلا ذريعا، بحيث لم يغير شيئا من وضعية الفلاحين الفقراء، لكون الجزء الأكبر من الدعم والاستثمارات وجّه بالأساس إلى كبار الفلاحين الذين ينشطون في مجال التصدير، في الوقت الذي ظل الفلاح الصغير/الفقير، في معزل عن مخططات المغرب الأخضر، حيث تعوزه الإمكانيات المادية واللوجيستيكية للرفع من إنتاجيته وهامش ربحه ليتحول إلى الاستثمار والتصدير، إذ لا يمكنه الولوج إلى السوق المالي للحصول على قروض كبيرة لتطوير منتوجاته، فضلا عن كونه لا يتوفر على الدعم المادي ليقوم بالدراسات الميدانية. أما بخصوص التسويق فالسوق ما يزال يعرف تدخل الوسطاء في المضاربة بأسعار المنتوجات، بحيث لا توجد هياكل تضمن تسويقا معينا. 

طالع أيضا  ذة. فرشاشي: البرامج التنموية المعلن عنها مجرد سياسات إلهاء في غياب الإرادة الحقيقية

هذا النمودج التنموي لم يحقق لا عدالة اجتماعية ولا مجالية، حيث ما يزال  المغرب يعاني من الفوارق الشاسعة التي  تتمثل في الطبقية الاجتماعية، وهذا مما تسبب في المزيد من الهشاشة الاجتماعية وتراجع الاندماج الاجتماعي، بالإضافة إلى فوارق جهوية ومجالية وهذا ما تفسره الإحصائيات الرسمية حيث أن فقط 3 جهات من البلاد تنتج حوالي %50 من الناتج الداخلي الخام، بالمقابل هناك مناطق في المغرب المنسي لم تستفد بعد من حقها في البرامج التنموية اللازمة، دون نسيان الفوارق من حيث النوع؛ المساواة بين الرجل والمرأة في جميع مناحي الحياة بصفة عامة بسب تفشي العقلية الذكورية وتخلف نظرة المجتمع للمرأة.

نستخلص مما سبق أن النموذج التنموي مرتبط بالنموذج السياسي والنموذج الاقتصادي؛ فما دام النموذج السياسي المغربي غير ديمقراطي والنموذج الاقتصادي احتكاري فالنتيجة طبعا أن النموذج التنموي سيكون إقصائيا: يعني أن الغني يصير أكثر غنى والفقير يزداد فقرا.

وعليه فإن النموذج التنموي المنشود مسؤولية جماعية، بمقاربة تشاركية بين مختلف الفاعلين، دون أن ننسى الدور المهم للمجتمع المدني (جمعيات، نقابات، مراكز البحث..)، وينبغي تناوله ضمن إصلاح شامل يؤطر الحاجات الحقيقية للفرد والمجتمع، ويحدد الأهداف والغايات، ويرتب الأولويات.

لتحقيق ذلك لا بد من العمل على خلق نموذج تنموي حقيقي، يعمل على محاربة كل أشكال الفساد من خلال التنزيل العملي لمبدإ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

كما يجب أن تحظى محاربة الهشاشة والفقر والتهميش، وترسيخ حقوق الإنسان، سواء بالنسبة للمرأة أو الرجل، داخل المجتمع المغربي بالأولوية.   

لابد إذن من التفكير الجدي، دون الرضوخ لأي نوع من أنواع الوصاية الدولية، في معالجة تتميز بالجدية والوضوح اللازمين، تهدف إلى تكريس تنمية اقتصادية واجتماعية ملموسة، ونشر ثقافة راقية داخل المجتمع تحترم حقوق الإنسان.

طالع أيضا  “عدلت فأمنت فنمت يا عمر”