اختار موقع الجماعة نت، ضمن مواده التفاعلية مع حملة “كلنا مريم”، أن ينقل لقرائه شهادة حية من داخل الأرض المقدسة لإحدى ماجدات القدس المرابطات في المسجد الأقصى وعلى أبوابه، أولئك اللواتي عجزت قوات المحتل بكل صلفها أن تفتّ في شجاعتهن، الأستاذة هنادي حلواني.

في هذا الحوار الشيق، تروي لنا حلواني، البالغة من العمر 38 عاما؛ حكاية عشقها لأرض مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين المسجد الأقصى، الذي سبق أن أبعدت عنه لعدة مرات، واعتقلت نحو 16 مرة، فصارت وجهاً لامعاً لقضية المرابطات.

وفيه أيضا تبسط حلواني دوافع الحملة ووسائلها وفعالياتها، وتنقل جزءا من معاناة المرأة الفلسطينية عموما والمقدسية خاصة حرة وأسيرة، وولوجها باب الجهاد والمقاومة.. وتقدم فيه نداء للشعوب لرفع حركيتها تجاه قضيتها العقائدية الأولى والعمل على مقاضاة المحتل الغاشم..

فإليكم نص الحوار:

أستاذة هنادي، انطلقت مؤخرا حملة “كلنا مريم” العالمية، ما هي دوافع هذه الحملة وأهدافها؟

حملة كلنا مريم هي حملة عالمية ستصل كل العالم إن شاء الله تعالى، دوافعها تتجسد في تمادي الاحتلال على المرأة المقدسية والإمعان في إجراءاته وقراراته تجاه نساء القدس بشكل خاص والنساء الفلسطينيات عامة، وكان هناك ضرورة لإيصال رسالة المرأة المقدسية إلى نساء العالم وإلى كل العالم ليعلم الجميع ما يحدث لنساء القدس.

ما هي وسائلكم لإحياء هذه الحملة محليا؟

الحملة أطلقت من تركيا بعقد مؤتمر منذ أسبوع تقريبا، وستنتهي في يوم المرأة العالمي، الوسائل المتاحة بين يدينا الآن محليا هي إيصال الأشرطة والفيديوهات والمنشورات وكل ما نمتلك من مواد إلى العالم كله لتصل رسالة النساء المقدسيات إلى جميع الناس. والحملة اعتمدت اللغات الأربع التي هي: العربية والإنجليزية والتركية والفرنسية بهدف الوصول إلى أكبر شريحة ممكنة، إذ إن الإعلام ينقل الأخبار باستمرار ولكن بشكل مشتت وآني، وميزة هذه الحملة أنها تقوم بعملية نشر مبرمج وممنهج ومرتب ومدروس لإيصال معاناة المرأة الفلسطينية إلى أكبر شريحة ممكنة وباللغات الأربع.

هل يمكنك أن تطلعينا على بعض محطات وفعاليات هذه الحملة دوليا؟

بدأت محطات وفعاليات هذه الحملة بمؤتمر افتتاحي نظم الأسبوع الماضي في تركيا وسيختتم أيضا بمؤتمر آخر بنفس البلد، صاحبت المؤتمر مجموعة من الفعاليات، وسيتم أيضا تنظيم فعاليات في دول عربية أخرى مثل قطر والأردن.. بمشاركة نساء من المرابطات على بيت المقدس لينقلن شهاداتهن الحية من على الأرض المقدسة.

تتعرض المرأة المقدسية، القابضة على الجمر، إلى صنوف عدة من التنكيل ومن الظلم من طرف سلطات الاحتلال الصهيوني، يصلنا بعضها عبر وسائل الإعلام، ولكن الأكيد أن ما خفي منها أعظم، ما هي الأنواع التي عشتها وعاينتها عن قرب؟

الإعلام ينقل لكم جزءا يسيرا من معاناة المرأة المقدسية، المرأة المقدسية في حياتها كلها؛ في ليلها ونهارها وسجنها وبيتها تعاني الأمرّين، فنراها اليوم شهيدة، كالفتاة التي استشهدت مؤخرا على الحواجز العسكرية، سماح المبارك، ذات 15 عاما لا لشيء إلا لأنها تلبس الخمار، وأسيرة، كالأسيرة شروق دويات التي تم ضربها بالرصاص قبل ثلاث سنوات تقريبا وحكم عليها بالسجن لمدة 16 سنة، وهي فتاة تبلغ من العمر 18 سنة، فتاة في بداية حياتها يُحكم عليها بالسجن لمدة سنوات تسقط خلالها أجمل سنين عمرها، وهي مصابة دون علاج في سجون القهر الاحتلالي، السيدات اللواتي يتعرضن للاعتقال بشكل يومي من ساحات المسجد الأقصى وعلى أبوابه.

طالع أيضا  العدو الصهيوني يصعد اعتداءاته في فلسطين على جميع الجبهات

تصدر سلطات الاحتلال بين الفينة والأخرى قرارات إبعاد مرابطات عن المسجد الأقصى، هل من توضيح؟

الاحتلال قام بالتنكيل بالنساء وقام بإبعادهن حتى عن أبواب المسجد الأقصى، فلا تجرؤ امرأة مبعدة عن المسجد الأقصى على الوقوف على أبوابه، كما علمتم أننا في فترة من الفترات عندما أبعدنا من المسجد الأقصى رابطنا على أبوابه ومنها باب السلسلة وباب حطة ولكن الاحتلال بات يمنعنا حتى من الأروقة والبوابات، فأنا مثلا تسلمت القرار الأخير بالإبعاد ستة أشهر عن المسجد الأقصى وعن مداخل المسجد الأقصى وأروقته، فأنا لا أستطيع الرباط على الأبواب أيضا.

تظهر لنا الصور والأشرطة المرئية شجاعة عز نظيرها في العالم أجمع لنساء فلسطين؟ من أين لكن بها؟

الشجاعة التي تمتلكها المرأة المقدسية ليست بجديدة، سبحان الله، المرأة المقدسية والفلسطينية عموما منذ أقدم التاريخ وهي تقف جنبا إلى جانب الرجل، وتجاهد معه، وهي في بعض الأحيان تجاهد مكانه، فأصبحنا نشاهد المرأة الأسيرة والشهيدة والجريحة، وأم الأسير وأم الجريح وأم الشهيد. من أين تستمد هذه القوة؟ أقول: هي تعاني الأمريّن فهي تعيش تحت ظلم الاحتلال، وهي تمتلك من القوة لتجابه هذا الاحتلال ما لم تمتلكه أي امرأة في الدنيا، لأنها ترى بأم عينيها قهرها؛ يقتل ابنها أمام عينيها، فكيف لها أن لا تمتلك هذه القوة؟ يهدم بيتها أمام عينيها، فكيف لها أن لا تمتلك هذه القوة؟ يسرق ابنها من حضنها، فكيف لها أن لا تمتلك هذه القوة؟ هي تُسرق من بيتها؛ تختطف وتعتقل أمام زوجها وأبنائها، فكيف لها أن لا تمتلك هذه القوة؟

كيف توفق المرابطة بين واجباتها كربة أسرة وبين واجبها الجهادي؟

إن كانت المرأة التي تساعد الرجل في العمل مثلا تتحمل مسؤولية بيتها وأسرتها، تخرج منذ ساعات الصباح وتعود إلى بيتها عصرا، فكيف إن كان ذلك لأجل بيت المقدس؟ الله سبحانه وتعالى اختار أن نكون من المرابطين في بيت المقدس، وبيتها القدس والمسجد الأقصى، فكيف لها أن لا تتحمل مسؤولية هذا البيت وأن لا يكون هو أولى أولويات حياتها؟ وبالتالي فهي ترتب حياتها على أن يكون دفاعها عن بيتها الأول بيت المقدس في المقام الأول، فالأكيد أنها تجد الوقت لباقي الأمور، فهي تضع في برنامج حياتها أولا: الحفاظ على المسجد الأقصى.

طالع أيضا  القدس وفلسطين عند الإمام ياسين (11)

ما هي أوجه مقاومة المرأة الفلسطينية عموما؟ هل تكون حيث كان الرجل أم أنها تضطلع بمهمات مختلفة؟

المرأة باتت كما يعلم الكل مقاومة ومجاهدة، فهي الآن ليست فقط الأم والزوجة وإنما يقع على كاهلها دور كبير، إذ أن الاحتلال في الفترة الأخيرة زج بكثير من رجالنا وشبابنا في سجون الاحتلال، فاضطرت المرأة الفلسطينية لحمل الراية بعد الرجل، بل وأصبحت في خط الدفاع الأول، أصبح الدفاع والجهاد واجبا عليها، فهي في خط الدفاع الأول في كل ميدان؛ في المسجد الأقصى، وعلى أبوابه، وفي كل مكان يحتاجها.

هل من لمحة عن وضع الأسيرات في سجون المحتل الغاصب؟

الأسيرات يعانين الأمرّين في سجون الاحتلال؛ إذ إن الأسيرة قبل وضعها في السجن تتعرض لفترة تحقيق قاسية وصعبة جدا لساعات طويلة، والزج في زنازين العزل الانفرادي، وهي زنازين تحت الأرض، عبارة عن غرف مقفرة معتمة متسخة يوجد بها مياه صرف صحي، سعتها تقريبا متر في متر يصعب الجلوس فيها فما بالك بالنوم والاستلقاء، وهي تعتبر – أجلكم الله – مرحاضا لا تستطيع فيه الصلاة ولا النوم، رائحتها كريهة جدا، وقد تحتوي على حشرات، يقدم فيها أسوء الطعام ويرمى لها، كالحيوان، على الأرض، ولا تتلقى السجينات العلاج أبدا.

وما تتعرض له أيضا الأسيرة من التفتيش عند دخولها للتحقيق وخروجها وعند دخولها للسجن وخروجها في فترة التحقيقات أمر مخز ومذل حيث تتعرض للتفتيش العاري وتمنع من ارتداء حجابها، وقد ينزع حجابها عن رأسها بدعوى أنها قد تضر نفسها أو تضر الأخريات بربط الحجاب واستعماله لخنق الأسيرات الأخريات، فإن رفضت ذلك توضع في غرفة عقوبة في عزل انفرادي.

الأسيرات أيضا يحرمن من حق التعليم في السجن، فالأسيرة تكون مغيبة عن العالم لفترات قد تستمر طويلا جدا، يوضع في السجن تلفزيون يبث فقط القنوات الهابطة، ويمنع دخول الكتب إلا الهابط منها. فلا تعليم ولا صحة ولا أي حق من حقوقها الأساسية تستطيع الحصول عليها.

طالع أيضا  خبير في شؤون القدس: الأقصى يتعرض لمخطط استعماري جديد

كيف ترون حراك الشعوب لأجل مساندة القضية الفلسطينية عموما والشق الخاص بالمرأة خصوصا؟ بمعنى هل تجدن حراك نساء الشعوب العربية كافيا أم تنتظرن المزيد؟ وما أهمية هذا الحراك بالنسبة إليكن؟

حراك الشعوب لمساندة القضية الفلسطينية ليس بحجم القضية والمعاناة، ليس بحجم قضية كقضية القدس، فقضية القدس وبيت المقدس هي قضية عقائدية وليست إنسانية، التعامل والتفاعل معها يجب أن يكون أضخم جدا مما هو عليه الآن، ودليل هذا الضعف هو أن الاحتلال قد تمادى وأمعن في ظلمه للنساء وللأقصى، لأنه وجد سكوتا وغفلة من العالم كله على ما يحدث في القدس والمسجد الأقصى ونساء القدس، وبالتالي فقد تجرأ على النساء كما تجرأ على الأقصى.

يجب أن يكون هناك حراك وتفاعل بحجم قضية القدس، حتى تصل رسالة إلى الاحتلال بأن القدس والأقصى مسألة عقيدة، وهي مسؤولية تقع على المسلمين جميعا، لذلك فالتحرك يجب أن يكون جماعيا من طرف كل المسلمين والعرب في كل مكان، وهي ليست قضية المقدسيين فقط كما يظن الاحتلال، فالاحتلال يظن أن المقدسي الذي يقطن في القدس هو الذي يتحمل العبء كاملا، لكن في الحقيقة يجب أن يتحمله كل العالم العربي والإسلامي، وكل الشعوب والأفراد والجماعات والنساء والرجال والشباب والشيوخ في كل مكان في العالم.

المحتل يظن مخطئا بأن القدس للمقدسيين، وإذا قتلهم وشردهم وأعدمهم ويتم أطفالهم ورمل نساءهم يكون قد قضى على المقدسيين وبالتالي استولى وسيطر على مدينة القدس، لكن يجب أن نوصل رسالة إلى هذا المحتل مفادها أن القدس ليست للمقدسي أو الفلسطيني وحده وإنما هي قضية كل مسلم موحد بلا إله إلا الله، كل مسلم تقع عليه مسؤولية الدفاع عن المسجد الأقصى وبيت المقدس.

وحملات كهذه من شأنها أن توصل هذه الرسالة للاحتلال حتى يعلم أن القدس ليست للمقدسيين فقط وأنه لن يستفرد بها، وبأن نساء القدس ورجاله ليسوا وحدهم.

وكيف تتفاعل الهيئات الحقوقية عموما والنسوية خصوصا على المستوى الدولي مع قضية نساء فلسطين؟

تفاعل مؤسسات الدفاع عن حقوق المرأة الطفل قليل جدا؛ فقد سجلنا وقدمنا شكاوى لعدة هيئات ومؤسسات ولكن لم يتم التفاعل معها كما يجب، ولم يكن هنالك أي رد فعل، لذلك نأمل من حملة كحملة “كلنا مريم” أن تكون لها نتيجة ورد فعل يتناسب مع ما تتعرض له المرأة المقدسية والفلسطينية عموما من ظلم واعتداء، وأن يكون هناك كذلك تحرك حقيقي ومقاضاة للاحتلال.