إعداد: هيئة التحرير

لعل من أبرز مظاهر فشل مخططات التنمية المتعاقبة في المغرب هو عدم قدرة صمود مقاولاته الصغرى والمتوسطة أمام توحش الشركات الكبرى، نظرا لما تقوم عليه هذه الأخيرة من احتكار مصادر الثروة والسلطة واستعمال الريع مقابل ضمان الولاء، حيث تعيش الشركات المغربية تفاوتا كبيرا في الفرص وتمرير الصفقات للمرضي عنهم واختصاصهم بذلك دون غيرهم، مما ينتج عنه عدم قدرة الشركات الصغرى والمتوسطة -التي تقوم على مؤهلات ذاتية محدودة- على التنافسية والصمود لوقت طويل.

هذا الوضع تسبب، وغيره، في تضرر الطبقة الوسطى الآخذة في التقلص، مع ما تمثله هذه الطبقة من أهمية في تخفيف عبء البطالة وعبور القنطرة، إن وجدت مساطر وقوانين ومناخ أعمال يقوي أساسها ويساعد في إنمائها، في اتجاه التحول من مقاولات صغرى إلى متوسطة فكبيرة. وهي أيضا تعتبر من عوامل التوازن، إذ في غيابها يصبح هناك تقاطب حاد بين طبقة مسحوقة تمثل الأغلبية وأخرى غنية غناء فاحشا تمتلك مصير البلد مما يعزز الإحساس بالظلم والقهر. إضافة إلى ذلك فإن ارتفاع نسب إفلاس الشركات يعني تسريحا مُروّعا للعمال ونقصا في إنتاج الثروة ومن ثم التأثير سلبا على معدلات النمو الاقتصادي، وما يترتب عن ذلك من ارتفاع معدلات البطالة وتدني القدرة الشرائية للمواطنين وارتفاع نسب الفقر والتهميش.

وهذا ما تدل عليه لغة الأرقام، فقد كشفت مؤسسة أنفوريسك “Inforisk” المتخصصة في جمع ومعالجة المعلومات القانونية حول النشاط التجاري للمقاولات المغربية، في دراسة مفصلة نشرت نهاية مارس 2018، أن إعلانات إفلاس الشركات المغربية بلغت ذروتها عام 2017 بما لا يقل عن 8020 شركة أعلنت إفلاسها من أصل 320 ألف شركة. موضحة منحى هذا المسار التصاعدي الخطير، حيث أنه في سنة 2007 لم يكن عدد الشركات المفلسة يتجاوز 1730، قبل أن تنتقل إلى 3 آلاف شركة في العام 2013، ثم 4 آلاف شركة خلال 2014، إلى أن وصلت إلى أكثر من 8045 شركة مفلسة في 2017. في حين توقع المركز المغربي للظرفية أن يشهد المغرب خلال السنة المنصرمة 2018 زيادة كبيرة في عدد المقاولات التي ستعلن إفلاسها.

طالع أيضا  الرجز جزاء الرجس

ومقابل نمو عدد الإفلاس بين المقاولات المغربية الصغرى والمتوسطة في الفترة ما بين 2009 و2017 بمتوسط معدل سنوي يقارب 32%، لم يسجل إنشاء المقاولات سوى معدل نمو بطيء لم يتعد 6% سنويا.

وحمّل خبراء مكتب الدراسات “أنفوريسك” الدولة مسؤولية هذا الارتفاع مرجعين ذلك إلى تأخرها في أداء مستحقات المقاولات المستفيدة من الصفقات العمومية، وكذا عدم استخلاص المقاولات لمستحقاتها من الضريبة على القيمة المضافة التي تظل متراكمة بذمة الدولة، خاصة في قطاعات البناء والأشغال العمومية والعقار والخدمات، في إشارة إلى أن الشركات الصغرى والمتوسطة هي الأكثر تعرضا للإفلاس، بسبب التأخر في الأداء الذي أصبح يتجاوز 11 شهرا.

إن النهوض بالاقتصاد الوطني يعني النهوض بأوضاع الشعب المغربي قاطبة، فما نراه اليوم من انتكاس اجتماعي خطير ما هو إلا صورة للتراجع المخيف الذي تعرفه المقاولات الصغرى والمتوسطة، التي من شأنها أن تنعش الاقتصادي الجزئي الذي يعتبر من خصائصه زيادة الإنتاج مع الحفاظ على أسعار متدنية إجمالاً، تنعكس إيجابا على القدرة الشرائية للمواطن وتساعد الشركات على الصمود والتطور. وإن احتكار أصحاب القرار السياسي للثروة الاقتصادية واعتمادهم سياسة الريع التي تقتل التنافسية الشريفة والشفافية واندماج الكفاءات ورأس المال الوطني هو قتل مع سبق الإصرار والترصد لفئات الشعب العريضة.

لذلك فعلى المعنيين بالأمر أن ينكبوا على معاجلة الأمور من أصلها إصلاحا شاملا يبدأ من إرادة حقيقية للتغيير تُقرَن باتخاذ قرارات سياسية جريئة، تشرك فيها جميع الفاعلين في الميدان وتكون على مرأى ومسمع من الشعب لعله يستعيد ثقته في القائمين على أموره. إن لا يكن، فمصير أي برنامج تنموي أن ينسج على غرار سابقيه الفشل والفشل المتكرر.