أجرى موقع الجماعة نت حوارا مع الدكتور محمد منار باسك، أستاذ القانون العام والعلوم السياسية بجامعة القاضي عياض بمراكش وعضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، حول موضوع: فشل المشروع التنموي في المغرب، تطرق فيه إلى دلالة اعتراف أعلى سلطة في الدولة بهذا الفشل، والمنعرجات التي مر منها المشروع قبل أن ينتهي إلى الفشل، وأسبابه، وانعكاسه على معاش الناس وتعليمهم وتطبيبهم وفرص عملهم. كما تم الوقوف عند المبادرة الملكية بتعيين لجنة تنكب على إعداد مشروع بديل، وعلى مدى مصداقية التقارير الدولية في تصنيف المغرب في رتب متأخرة في هذا المجال.. وغيرها من المحاور المهمة.. تجدونها في الحوار التالي:

 

إذا ما استحضرنا اعتراف الدولة، في شخص الملك، بفشل النموذج التنموي في المغرب. ما دلالة هذا الاعتراف وتداعياته؟

لقد قال الملك: “إن اختياراتنا التنموية تبقى عموما صائبة، إلا أن المشكل يكمن في العقليات التي لم تتغير، وفي القدرة على التنفيذ والإبداع”. كان هذا بتاريخ 29 يوليو 2017، ثم عاد ليقول بعد أقل من شهرين ونصف، وبالضبط بتاريخ 13 أكتوبر 2017، بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية 2017-2018: “إن النموذج التنموي الوطني أصبح اليوم غير قادر على الاستجابة للمطالب الملحة والحاجيات المتزايدة للمواطنين، وغير قادر على الحد من الفوارق بين الفئات ومن التفاوتات المجالية، وعلى تحقيق العدالة الاجتماعية”. ففي ظرف وجيز، لم يبق الأمر متعلقا فقط بالعقليات وبمشاكل التنفيذ، ولكن بالاختيار وبطبيعة النموذج التنموي، مع العلم أنه خلال العقدين الأخيرين تم تسويق بعض المشاريع والمبادرات على أنها ستعطي دفعة جديدة للتنمية في بلدنا لكن ذلك لم يتحقق. أين هي اليوم آثار تقرير الخمسينية؟ وما هي نتائج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية؟ نتائج جد جد محدودة. والآن هناك اعتراف واضح بذلك، وقد يكون من دلالات هذا الاعتراف تهييء الجو لمشروع آخر أو مبادرة أخرى. ولكن يمكن أن نقول من الآن أنه سيلقى نفس المصير إذا استمرت نفس المقاربة في التعامل مع التنمية.

ما أهم المنعرجات التي مر منها “مسار النموذج التنموي”، وصولا إلى محطة الفشل؟

في الحقيقة ليس هناك نموذج تنموي modèle de développement، فلا يوجد بالمغرب حتى نموذج للنمو modèle de croissance وبالأحرى نموذج تنموي.  يلاحظ أنه في كثير من الأحيان ما يتم التسويق لكلمات وشعارات كبيرة لا وجود لها في الواقع؛ من ذلك مثلا نقاشات ونقاشات حول “الجهوية المتقدمة” أو “الجهوية الموسعة” والحال أننا لا نزال في جهوية جد جد ضيقة. نفس الأمر فيما يتعلق بالحديث عن نموذج تنموي والحال أننا لا نزال نعرف إشكالات كبرى فيما يتعلق بتوزيع الثروة الذي هو شرط أساس في كل مسار تنموي ناجح. كانت هناك كما قلت بعض التوجهات وبعض المشاريع أو المبادرات. وكانت هناك المخططات الخماسية التي تم التخلي عنها، ليس فقط لأنها لم تحقق النتائج المرجوة ولكن أيضا تأثرا بالمحيط الاقتصادي العالمي وتقلباته. حاولت حكومة السيد اليوسفي العودة إلى ذلك بشكل آخر ولكن ذلك لم يستمر. والمشكل أن تلك التوجهات غالبا ما تكون محكومة بنظرة تجزيئية وبالاستجابة لظرفية ضاغطة إما محليا أو دوليا ولا أتي ضمن رؤية استراتيجية مما يجعل آثارها الإيجابية جد محدودة، كمثال على ذلك مسلسل الخوصصة التي تم الحديث عنها في خطاب ملكي سنة 1988 وبدأت عملياتها سنة 1993 بعد إصدار قانون وإحداث وزارة لذلك الغرض، فهذه التجربة كانت محكومة بإكراه مادي (عجز الميزانية والمديونية الخارجية)، وبالتالي استطاعت تحقيق بعض الإيجابيات المحدودة من أهمها خفض المديونية الخارجية، لكن ذلك كان بشكل مؤقت، بحيث ظهرت مشاكل الميزانية والمديونية من جديد وبشكل أكثر صعوبة. والحال أن عمليات الخوصصة في كثير من الدول يكون الهدف الأول منها ليس معالجة أزمة الموازنة المالية ولكن تحقيق النجاعة الاقتصادية التي تكون لها آثار إيجابية مستدامة على المسار الاقتصادي والتنموي، بما تحدثه من تنافسية وتحسين للمردودية وتحفيز على الاستثمار. يمكن العودة في هذا الصدد إلى تجربة الشيلي والمكسيك وغيرهما. لذلك يمكن أن نقول من أسباب هذا الفشل الذي نؤدي ثمنه اليوم غياب رؤية اقتصادية وتنموية واضحة، وغياب تعبئة عامة من كل الفاعلين الاقتصاديين داعمة لهذه الرؤية.

طالع أيضا  د. منار: المسار التنموي له ارتباط وثيق بالمسارين السياسي والتعليمي

ما الأسباب الأساسية التي أدت إلى هذا الفشل؟

الأسباب متعددة، ولكن بما أنك تسأل عن الأسباب الأساسية أقول لك: المسار الاقتصادي والتنموي له ارتباط وثيق بمسارين آخرين وهما: المسار السياسي والمسار التعليمي. فلا يمكن تصور مسار تنموي ناجح في ظل نظام سياسي يقوم على احتكار الثروة ويسمح بالفساد ويستعمل الريع لضمان الولاء له. أساس التنمية كما سبق وأشرت هو إحداث الثروة وابتكار مصادر جديدة لها، وهذا الأمر يستحيل في غياب توزيع عادل للثروة الموجودة أصلا، يستحيل عند وجود تفاوت كبير في الأجور والفرص، يستحيل عندما يكون الفساد بنيويا تسمح باستمراره وتفاحشه طبيعة النظام السياسي. كما يستحيل الحديث عن نجاح اقتصادي وتنموي في غياب مسار تعليمي ناجح. هناك الكثير من الدول لا تملك أية مصادر مهمة للثروة ولكن مع ذلك استطاعت أن تحقق نجاحا اقتصاديا وتنمويا بسبب تركيزها على إصلاح التعليم. لذلك لا غرابة في فشل التنمية في بلدنا بما أن المسار السياسي بشكل عام يكرس احتكار الثروة واحتكار السلطة، ويكرس الاستفراد بقرارات القضايا الاستراتيجية مثل قضية التعليم.

حين تم الإقرار بفشل النموذج التنموي، بادر الملك إلى تعيين لجنة تنكب على إعداد مشروع بديل. كيف تابعتم هذه المبادرة وما ملاحظاتكم عليها؟

هي مبادرة تحكمها نفس المقاربات السابقة. يحدث المشكل وننتبه إليه تحت ضغط معين، أو نريد فيه تحسين النقط على المستوى الدولي، فننتج خطابا مغريا حول الموضوع، ونشكل لجنة تعكف على إيجاد الحل، بشكل مستعجل ومتسرع، وبنظرة تجزيئية ضيقة. وقد يخرج إلى الوجود مشروع أو مبادرة جديدة لنكتشف بعد مدة من الزمن فشلا جديدا. إنه مسار الفشل وإعادة الفشل. ولا يمكن الخروج من هذا المسار بحلول ترقيعية حتى وإن توفرت نوايا حسنة فعلا أحيانا. الأمر يتطلب أولا وقبل كل شيء حسم قضايا مصيرية.  قضية طبيعة النظام السياسي، وطبيعة الاختيار التعليمي. دون ذلك لا يمكن أن تكون هناك انطلاقة تنموية حقيقية.

تنعكس “التنمية الفاشلة” اجتماعيا على معاش الناس وتعليمهم وتطبيبهم وفرص عملهم. كيف ترى الواقع المغربي على هذا المستوى؟

نعم لفشل التنمية انعكاسات اجتماعية سلبية على عموم المواطنين، فمن أهداف التنمية تحقيق العدالة الاجتماعية وتقوية قدرات الناس ليعيشوا بحرية وكرامة. ليس فقط من الأهداف بل هذا من صميم مفهوم التنمية؛  فمفهوم التنمية أوسع من مفهوم النمو الاقتصادي لأنه يشمل العدالة الاجتماعية وتقوية القدرات الفردية. والواقع يشهد بأن هناك اليوم معاناة اجتماعية كبيرة للأغلبية الساحقة من الشعب المغربي، تحدثت عن ذلك تقارير دولية ومحلية، بل تحدثت عنه حتى بعض التقارير الرسمية. ولعل أكبر شاهد على ذلك ما نراه بشكل يومي من مظاهر البطالة والتسول وانقطاع عن الدراسة وخصاص في السكن وقوارب الموت وارتماء الكثير من الشباب في أحضان المخدرات والجرائم.

تعددت التقارير الدولية التي تصنف المغرب في ذيل التنمية، وفي أبعاد مختلفة. الحكومة والمؤسسات الرسمية ترى أن هذه التقارير مبالغة في وصف الواقع ولا ترى التقدم الحاصل في بعض المجالات. ما تعليقكم؟

قد يكون هناك مشكل فعلا في بعض التقارير وفي طريقة اعتمادها لمؤشرات معينة. لكن واقع المعاناة الاجتماعية التي يعاني منها الكثير من المواطنين لا يرتفع. وما تنشره الصحافة يوميا عن تلك المعاناة المتعددة الأبعاد أكبر دليل على ذلك. بل هناك اليوم اعتراف رسمي بذلك. لذلك وعوض تتبع بعض التقارير للرد عليها، في عملية تشبه مطاردة الساحرات، المطلوب من الجهات المسؤولة العمل على الحد من أسباب المعاناة. لكن للأسف لا نرى إلا عكس ذلك، نرى التمادي في اتخاذ قرارات فوقية تضر كثير ا بالفئات الفقيرة والهشة، وما أكثرها، وتضر بالطبقة الوسطى أيضا. بل ليس في الأمر مبالغة إذا قلنا إنه اليوم لا تكاد توجد طبقة وسطى في المغرب، مع ما لهذه الطبقة من أهمية، فقد أثبتت التجارب أنها هي المحرك الرئيسي للمسارات الإنمائية الناجحة.  وهناك أيضا قرارات تضر برجال الأعمال وبالتجار وتحرم الاقتصاد من الشروط الأساسية للإسهام في إنجاح المسار التنموي منها: الشفافية والتنافسية والحق في المعلومة وتساوي الفرص.  وعوض أن نلمس انكباب الحكومة على معالجة هذه الأمور نشهد خصاما سرياليا بخصوص من يتحمل قرارا من تلك القرارات.

طالع أيضا  فصل المقال فيما بين الطغيان والحرمان من اتصال

إذا كان محور التنمية هو الإنسان فإن عصبها هو الاقتصاد. ما تقييمكم للوضع الاقتصادي المغربي؟

الاقتصاد المغربي، وكما سبقت الإشارة، يعاني الكثير من الاختلالات، والخطير هو أن بعض هذه الاختلالات هي ذات طبيعة بنيوية وليست ظرفية أو تقنية. من أخطر هذه الاختلالات: غياب الثقة في المناخ السياسي والاقتصادي بشكل عام بسبب ما يلاحظ من مظاهر للفساد والريع، وإذا غابت الثقة يصبح التشجيع على الاستثمار مجرد كلام وشعارات. ومن المعلوم من خلال الكثير من التجارب أن النشاط الاقتصادي يرتكز إلى حد بعيد على السوق الداخلية، فتطور الاقتصاد رهين إلى حد بعيد بتطور الطلب الداخلي، والذي يلاحظ في المغرب أنه ليس هناك تطور على هذا المستوى، بل هناك إضرار متواصل بالطلب الداخلي وبالقدرة الشرائية للمواطن. أما على المستوى الخارجي فهناك ضعف في التنافسية بسبب عدم تأهيل الفاعلين الاقتصاديين.  هناك أيضا ضعف إنتاجية القطاعات الاقتصادية وعدم تنويعها. فالصناعة بالمغرب تعرف ضعفا واضحا في المردودية، والفلاحة التي تعتبر من أهم القطاعات ما تزال تعتمد بشكل كبير على التساقطات المطرية، خاصة أن ما يزيد عن نسبة 70 في المائة هم من الفلاحين الصغار. وجزء كبير من الاقتصاد يبقى غير منظم. وإذا كان هناك بعض التطور في قطاع الخدمات فهذا لا ينفي بعض التجاوزات التي تتم على مستوى هذا القطاع والتي تجعل الاستفادة منه جد محدودة.

كي تنعكس التنمية إيجابا على المواطن، يفترض أن تترجم السياسات العمومية الاقتصادية إلى مشاريع واستثمارات وتشجيع للمقاولات. كيف ترون تدبير السلطة لهذا المجال؟ وما العقبات التي تعترض رأس المال الأجنبي والوطني؟

لقد سبقت بعض الإشارات المتعلقة بسؤالكم هذا. ولكن يمكن التأكيد على السمات التي لا تزال تحكم تدبير السلطة للمجال الاقتصادي: هناك أولا سمة الاحتكار للقرار الاقتصادي وعدم إشراك الفاعلين الاقتصاديين والسياسيين في ذلك، وثانيا: هناك سيطرة المقاربة القطاعية على المقاربة الاقتصادية الاندماجية المعمول بها في الكثير من الدول، ثالثا: هناك انضباط السياسة الاقتصادية لهاجس موازناتي صرف في شبه غياب لما سبق وتحدث عنه تقرير الخمسينية من تطوير وتحرير وتثمين وتعبئة للإمكان البشري. رابعا: هناك نوع من التطبيع مع الفساد الاقتصادي الذي يعوق تحقيق التنمية. هذه أبرز سمات التدبير الاقتصادي، وهي سمات منهجية ترتبط بالإرادة، ناهيك عن المشاكل العديدة المرتبطة بضعف القدرة على تنفيذ ما تم إقراره من بعض الأمور الإيجابية.

من العقبات الكبرى التي تستنزف خيرات وثروات الوطن، وتساهم بالتالي في إفشال التنمية، منطق الريع المتأصل في منهج وسلوك السلطة، ما الخطورة التي يشكلها هذا الداء؟ وما أسباب رسوخه؟

الريع ليس فقط مشكلا اقتصاديا أو عائقا تنمويا، ولكن خطورته تكمن بشكل أكبر في أنه ركيزة من الركائز التي يقوم عليها النظام السياسي بشكله الحالي. فالمخزن يعيش وينتعش في ظل شبكة مصالح مترابطة. وهذه الشبكة من المصالح المتبادلة ضرورية لاستمراره. هناك مقايضة الاستفادة من الريع مقابل منح الولاء التام للنظام والدفاع عنه والتسويق لأطروحاته واختياراته. وهذا الريع ليس نوعا واحدا بل هو عدة أنواع ويخترق كل المجالات؛ السياسة والاقتصاد والإعلام والثقافة. لذلك فالخطوة الأولى لتحقيق مسار تنموي ناجح يجب أن تكون في المجال السياسي بتحقيق نظام سياسي ديمقراطي. دون هذا الأمر تبقى كل الحلول الاقتصادية والتنموية محدودة وغير مستدامة.

طالع أيضا  حول النموذج "التنموي" المزعوم في المغرب

العقبة الثانية التي تعترض “التنظيم العقلاني” للسياسة والاقتصاد معا، خلط الحكام بين الثروة والسلطة، وما يجري معه من توظيف للنفوذ وغياب للشفافية والتنافس الشريف. هلا سلطتم الضوء أكثر على هذه المعضلة وتجلياتها وآثارها على التنمية؟

هناك قولة منسوبة إلى اللورد أكتون (1834 – 1902): “السلطة مفسدة، والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة”. وهناك الكثير من الأقوال التي قيلت عن فتنة المال والثروة. في مقدمتها ما نسمعه ونحفظه من الهدي النبوي الشريف، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن لكل أمة فتنة، وإن فتنة أمتي في المال”. فالسلطة في غياب الصلاح تشكل مصدرا للطغيان، والثروة هي الأخرى في غياب الصلاح تشكل مصدرا للطغيان. ومن اجتمعت لديه السلطة والثروة يكون أقرب كثيرا إلى الطغيان ويكون طغيانه مضاعفا. فهو يستعمل السلطة لاحتكار الثروة، ويستعمل الثروة لاحتكار السلطة، لذلك تحدث الكثير من العلماء عن خطورة الجمع بين السلطة والمال. ولعل من أبرز من تحدث عن ذلك هو ابن خلدون الذي أشار بكثير من التفصيل إلى خطورة الجمع بين الجاه والمال. وتزداد خطورة الأمر حين لا تكون هناك أية إمكانية لمحاسبة ومساءلة من يجمع بين السلطة والثروة، عكس ما نشهده في بعض الدول الديمقراطية حيث يحاكم ويساءل رؤساء ووزراء بخصوص استعمال مناصبهم في السلطة لتحقيق فوائد مادية غير مشروعة، وقد يتعلق الأمر في بعض الأحيان بأمور جد بسيطة. لذلك فمسألة الفصل بين السلطة والثروة في المغرب مسألة ضرورية، لأنه يستحيل أن تكون هناك حركية اقتصادية وتنموية طبيعية تحكمها المساواة والشفافية والتنافسية في ظل الجمع بين الثروة والسلطة. لا يعني هذا أن الأغنياء ليس من حقهم ممارسة السياسة، أو أن الممارسين للسياسة ينبغي أن يكونوا فقراء، ولكن يعني عدم استعمال السياسة مطية لجمع المال والثروة، وعدم إفساد السياسة باستعمال المال، كما يعني تفعيل مبدإ “من أين لك هذا؟” على الجميع ودون استثناء.

في الوقت الذي تشددون فيه على أن التنمية مرتبطة ضرورة بالديمقراطية، فالتنمية متعذرة في ظل الاستبداد، يرى البعض أن التنمية ممكنة ولو في ظل أنظمة حكم سلطوية مغلقة، مستدلين على ذلك بالنموذجين الصيني والكوري الشمالي. ومن تم فالحديث على أن الطغيان يصنع الحرمان ليس صحيح تماما، إذ يمكن لنظام الحكم المغربي أن يبادر إلى التنمية، وهذا ما يجتهد وسعه فيه، مع الحفاظ على طبيعة النظام وخصوصياته التاريخية والسياسية؟

أظن أن هذا النقاش أصبح اليوم متجاوزا.  فقد تأكد أن هناك ارتباط بين التنمية والديمقراطية، فالديمقراطية تحقق المأسسة والآليات والإجراءات الضرورية للتنمية. والتنمية تشكل حافزا لتحقيق الديمقراطية. المشاركة السياسية ضرورية لتحقيق التنمية، والتنمية ضرورية لتحقيق المشاركة السياسية. لأنه لا يمكن تصور مشاركة عامة في ظل الحرمان الاقتصادي والاجتماعي. وقد تأكد أن الأنظمة المستبدة حتى وإن حققت التنمية فإن ذلك لن يكون بشكل مستدام، ولا يكون الهدف هو التنمية في حد ذاتها ولكن يكون الهدف إيجاد ما يمكن نهبه وسرقته، لأن هذا المستبد سوف لن يجد ما ينهب هو وعائلته في غياب تنمية مؤقتة. وما ذكرته من نماذج يشكل استثناء لا قياس عليه تحكمه سياقات حضارية وديمغرافية معينة، دون أن ننسى موجة الليبرالية التي تخترق اليوم بشكل متصاعد تلك الدول. وإذا عدنا إلى واقعنا في المغرب فيبدو أن تجربة عقود من السلطوية لم تحقق التنمية المنشودة. الأمر الذي يؤكد ضرورة حلول جذرية أخرى.

أخيرا، وفي عناوين، ما المداخل والحلول الكبرى لتحقيق نموذج تنموي ناجح، ينعم في ظله المغاربة بحقوق المواطنة من حرية وعدالة وكرامة؟

العنوان الأول والأساس ضرورة القطع مع السلطوية والاستبداد. فلا يمكن تحقيق نموذج تنموي ناجح في ظل سلطوية تتخذ من الفساد والاحتكار والريع ركائز لها. لابد من مدخل ديمقراطي لتحقيق التنمية. ولا بد من التشخيص الحقيقي لمشاكلنا الاقتصادية والتنموية، وسواء التشخيص أو اقتراح الحلول ينبغي أن يكونا بمقاربة تشاركية.