إعداد: هيئة التحرير

لم يعد فشل برامج التنمية بالمغرب سرا يتهامس به، بعد أن اعترفت به أعلى سلطة في البلد، وذلك لم يحدث من خلال لقاءات صحفية للملك مع مؤسسات إعلامية أجنبية أو تسريبات من جهات معينة، بل خرج الإعلان عن الفشل من بوابة الخطابات الملكية الرسمية، التي تعد مناسبات لتعداد “الإنجازات” ورسم مسارات مشاريع جديدة، أو استكمال أخرى، أو على الأقل هكذا يراد لها أن تكون.

وعليه، لم يعد الحكم بالفشل على مشاريع التنمية حكرا على “العدميين” و”أصحاب خطاب التيئيس”، بل تم التأشير على صحة التقييم بشكل رسمي، لا يمكن الطعن فيه أو وصمه بأوصاف قدحية، طالما ألصقت بكل من تجرأ وتكلم في وضع البلد بتوصيفات من قبيل “التنمية المعاقة” و”المشاريع المعطوبة” من منطلق دق ناقوس الخطر غيرة على الوطن.

فلسنوات عدة ظل عقلاء الوطن وفضلاؤه من خارج سرب المستفيدين من كعكة الفساد ينادون بإصلاح حقيقي يطال السياسة والاقتصاد على السواء، ويحذرون من هدر الزمن السياسي والتنموي في برامج صورية تزهر على شاشات التلفاز وأمام أضواء الكاميرات تحت وقع التصفيقات الساذجة ولا تثمر في النهاية شيئا، بل وحذروا من مغبة تقمص الدولة لشخصية الجمعيات ومزاحمتها في الفعل التطوعي، الذي يعد من صميم أهداف مكونات المجتمع المدني التي تروم تخفيف وطأة الحرمان على الناس ريثما تتدخل الدولة بحلولها الجذرية. لكن قدر للأدوار أن تعكس في بلاد تسوسها طبقة من المفسدين الذين باعوا ضمائرهم وركبوا رأس طغيانهم فسلبوا حقوق الناس واسترهبوهم، واختطفوا أحلامهم بالشعارات الوطنية البراقة، فيما ظل الحرمان خبز البسطاء.

ويعد مجال الصحة من القطاعات الحيوية التي يحتاج المواطن إلى خدماتها، وهي المقياس الحقيقي للدولة المواطنة البارة التي تخدم أبناءها. فالمستشفيات وما تحتضنه من مرافق وخدمات هي الوجه الحقيقي لأي دولة وهي الناطق بلسان حالها وترجمان مشاعرها تجاه المواطنين. ولذلك فليس عبثا اعتماد الأمم المتحدة على مؤشر الخدمات الصحية إلى جانب التعليم والدخل الفردي في ترتيب الدول على سلم التنمية البشرية.

طالع أيضا  د. عبد المومني: الأسس التي بني عليها الاقتصاد المغربي لا يمكن أن تنتج إلا الفشل

وقد سجل القطاع خلال السنة المنصرمة استمرار تردي الوضع الصحي إذ أضحى المواطن ضحية للعجز الشامل في الخدمات الصحية، الشيء الذي يفسر احتلال المغرب للرتب المتأخرة في هذا المجال سواء من حيث البنيات التحتية والمعدات، أو من حيث نسبة تغطية الأطباء والممرضين للساكنة، متخلفا بكثير عن دول الجوار. فبالعودة مثلا إلى تصنيف المغرب في مؤشر التنمية البشرية وفق تقرير الأمم المتحدة لسنة 2018، والذي يعتمد على معايير عدة من بينها جودة الرعاية الصحية، نجد أن المغرب قد حصل على الرتبة 123 من أصل  189 دولة شملها التصنيف، وأن نسبة الرضا عن التغطية الصحية لم تتجاوز عتبة 27 في المائة فقط، متخلفا عن دول تعيش أوضاعا غير مستقرة مثل ليبيا حيث يصل مؤشر رضا المواطنين عن التغطية الصحية إلى 42 في المائة،  وفي مصر إلى 36 في المائة، والجزائر 38 في المائة.

كما استمرت الدولة في سياسة تقويض المرفق الصحي العمومي، والتخلي عن مسؤوليتها في هذا الباب، مقابل تشجيع المؤسسات الصحية الريعية التي تقتات على حساب المراكز الاستشفائية العمومية، ما تسبب في تهجير العديد من أطباء القطاع العام نحو القطاع الخاص.

واتسمت سنة 2018 أيضا بعودة أمراض الفقر والأوبئة مثل مرض اللشمانيات، وإصابة عدد من الأطباء الداخليين والمقيمين والممرضين بداء السل، كما حدث في مصلحة المستعجلات بمراكش، ما أدى إلى انتقال الداء إلى كثير من المواطنين ومقدمي العلاج على حد سواء. وهو ما يؤكد غياب رؤية شمولية تشتغل على محددات الصحة والتدابير الوقائية.

ولأن الواقع لا يرتفع، والحقائق على الأرض لا يمكن تزييفها، فإن أي أرقام يمكن تقديمها لا تعكس حقيقة الوضع المزري الذي يتخبط فيه المواطن المغربي، ويتجرع مرارته كلما قدر له أن يدفع إلى دهاليز ما يمكن تسميته بالمستشفيات، ولا ندري أكُلّ بناء استقام من جدران وأسقف وتم طلاؤه بألوان معينة يمكن أن نسميه مستشفى.

طالع أيضا  د. منار: المسار التنموي له ارتباط وثيق بالمسارين السياسي والتعليمي

فبجولة سريعة في بعض مستشفيات مدننا (دعنا من المستوصفات الصغيرة في الأحياء الهامشية والبوادي) يمكن أن نشكل صورة قاتمة؛ أطر بشرية محدودة، وأجهزة أساسية في الكشف والتشخيص غير موجودة، وإن وجدت فغير كافية، بل والاستفادة منها تمر على سماسرة ووسطاء ومراحل من المساومات والمفاوضات. حالات استعجالية خطيرة يفرغ ما في جيبها حتى تسعف وتنجد، ومواعيد طبية لحالات تستلزم تدخلا سريعا تصل إلى أشهر تقارب السنة.

إذا لم تَحْنُ الدولة على المواطن في الوقت الذي ينخر المرض جسده، فمتى تفعل ذلك؟ إذا لم يجد المغربي الوطنية في المستعجلات وغرف الإنعاش فماذا يصنع بكلمات وصور تتغنى بـ”وطنية مفقودة”؟ ماذا يصنع لذلك ودود المرض يعبث بجسده ولا من منقذ؟