الميثاق الوطني للتربية والتكوين ومدونة الأسرة والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية عناوين كبرى لعهد أريد له أن يكون جديدا؛ مشاريع عُقد عليها العزم وعُوّل عليها لتكون روافع لتنمية مستدامة تستأصل البؤس والحرمان والهشاشة وتخلص المغرب من الرتب الذيلية في تصنيفات التقارير الدولية للتنمية.

لكن وبعد حوالي عِقد من الزمن ونيف (2011) تعالت الأصوات الشعبية مطالبة بالإصلاح وإسقاط الفساد والاستبداد، وعبثا حاول النظام الالتفاف على مطالب الإصلاح لتتنامى الحركات الاحتجاجية وتتمدد على خريطة البلاد (الريف كما في جرادة وزاكورة نماذج)؛ حركات احتجاجية طالبت بأبسط أسباب الحياة الكريمة تشغيل وتطبيب وتمدرس، ليأتي الاعتراف الرسمي أن النموذج التنموي فاشل، وهو ما يقتضي مساءلة ومحاسبة على الزمن التنموي المهدور والملايير المبذرة في مشاريع أبانت تقارير المجلس الأعلى للحسابات ارتجاليتها وسوء تدبيرها.

ومع تعدد واجهات الفشل والإخفاق نسلط الضوء في هذا المقال على البرنامج الاستعجالي لإصلاح التعليم، باعتباره ورشا حاز اهتماما استثنائيا إن على مستوى التسمية أو على مستوى الإمكانيات المادية المرصودة أو على مستوى الجهة التي استؤمنت على التنزيل (أحمد اخشيشن وزير التربية الوطنية، ونترك لهُواة “أصلُ بخط” استكمال الخطاطة)، ليكون خراجه خالصا للنظام.

من خطاب افتتاح الدورة البرلمانية بتاريخ: 12/10/2007، نقرأ “وإننا لندعو الحكومة المقبلة لأن تسارع إلى بلورة مخطط استعجالي، لتعزيز ما تم تحقيقه وتدارك ما فات، من خلال التفعيل الأمثل لمقتضيات الميثاق، واعتماد الحلول الشجاعة والناجعة للمعضلات الحقيقية لهذا القطاع الحيوي…”. مخطط استعجالي بكلفة مادية باهظة وتهليل إعلامي واستنفار لإمكانية الدولة وليس الوزارة الوصية فقط، لم يُسعف لإنقاذ منظومة تعليمية متهالكة؛ مخطط استعجاليٌّ التحق بقائمة مشاريعَ إصلاح أخَـرَ أجهضها الفساد الإداري والتدبيري المنتعش في بيئة موبوءة، شخّص تقرير المجلس الأعلى للحسابات (ماي 2018) اختلالاتها المنهجية والتقنية والتدبيرية وعدّد مخرجاتها التي فرضت الانتقال إلى مخطط موال أبعد مدى هذه المرة: الرؤية الاستراتيجية لإصلاح التعليم (2015/2030).

طالع أيضا  الفقر بالمغرب وسؤال العدالة الاجتماعية

وتقريبا لصورة حجم اختلالات البرنامج الاستعجالي، نرصد أهم نتائجه الميدانية:  

ـ عدم توفر الوزارة على نظام فعال وقادر على رفع وتجميع معلومات صادقة تعكس مستوى تقدم إنجازات كل مشروع، على الرغم من صرف مبلغ 2.964.000 درهم لهذا الغرض.

ـ تسجيل اختلالات في تدابير الدعم الاجتماعي (الداخليات والمطاعم المدرسية).

ـ ارتفاع وتيرة الهدر المدرسي حيث غادر فصول الدراسة إلى حدود الموسم الدراسي 2016/2017، ما يناهز  279.176 تلميذا من بينهم 85% بالسلك الإعدادي.

ـ بناء 286 مؤسسة من أصل 1164 مؤسسة مبرمجٌ إنجازها، أي بمعدل إنجاز لا يتجاوز 25 %.

ـ بناء 4062 حجرة من أصل 7052 حجرة درس جديدة، أي بمعدل إنجاز 58 %.

ـ عدم تغطية الجماعات القروية بالإعداديات: فقد انتقلت هذه النسبة من52.8 ٪ برسم 2008/2009 لتستقر ف66.5 ٪ برسم موسم 2016/2017، أي أن الإنجاز لم يتجاوز %13,7.

ـ استمرار استغلال 6437 مؤسسة لا تتوفر على شبكة للصرف الصحي، و3192 مؤسسة غير متصلة بشبكة المياه الصالحة للشرب، و681 مؤسسة غير مربوطة بشبكة الكهرباء، و9365 حجرة في وضعية متردية، إلى غاية موسم 2016/2017.

ـ عدم تعميم التعليم الأولي بالمدارس الابتدائية في80 ٪ سنة 2012 في أفق تعميمه سنة 2015، إلا أن هذا الهدف يبقى بعيد المنال، حيث لم تتجاوز نسبة التعميم 24% إلى حدود الموسم الدراسي 2016/2017.

ـ تفاقم معدل الاكتظاظ، حيث تمّ تسجيل نسبٍ متفاوتة في السلك الابتدائي والسلك الإعدادي والسلك التأهيلي، وهي على التوالي 21.2 ٪ و 42 ٪ و 22.3 ٪ خلال الموسم الدراسي 2016/2017 مقابل7.3 ٪ و16.5٪ و26.1 ٪ خلال موسم 2008/2009 وتعتبر وضعية السلك الإعدادي مقلقة.

ـ اللجوء إلى التوظيف بالتعاقد لتغطية الخصاص من المُدرسّين، وبدون مؤهلات، على الرغم من تجاوز التوظيفات التي تمت خلال فترة تنفيذ المخطط الاستعجالي الحاجيات التي حددتها الوزارة، فإن الخصاص في هيئة التدريس يعد ظاهرة بنيوية في نظام التعليم. وقصد سد هذا الخصاص، تم توظيف 54927 مدرسا بالتعاقد خلال الفترة الممتدة من 2016 إلى 2018 وإلحاقهم مباشرة بالأقسام الدراسية، دون الاستفادة من التكوين المطلوب ما قد يؤثر سلبا على جودة التعلم.

طالع أيضا  التخويف.. منهج سياسي

وخلاصة القول: “إن المجلس الأعلى للحسابات يعتبر أن المخطط الاستعجالي لم يحقق جميع أهدافه، ولم تكن له التأثيرات المرجوة على منظومة التربية”. هذا المبتدأ فأين الخبر؟ كيف بذرت 45,27 مليار درهم (الأكاديميات 27,5 مليار درهم، الوزارة 17,7 مليار درهم)؟ ومن المسؤول عن تبذير الزمن الدراسي لألوف مؤلفة من التلاميذ وأسهم في إخفاقهم وحرمان البلد من استثمار قدراتهم في تحقيق التنمية؟ من نمّى منسوب كُره البلد في وجدان شريحة واسعة من الشباب لتغامر بأرواحها ركوبا لقوارب الموت بحثا عن فرصة عمل ضن بها البلد؟ ألا يعتبر سوء تدبير المخطط الإصلاحي للتعليم جريمة في حق المجتمع؟ ثم إذا كانت صورة سوء التدبير بهذا الوضوح والدقة كما عرضها التقرير، لماذا لم تحرك مساطر المتابعة والمحاسبة ضد المشتبه في تورطهم في نهب المال العام؟

إن تقارير المجلس الأعلى للحسابات وغيره من المجالس العليا تبقى شكلية ما لم تُفعّل مساطر المتابعات القضائية تجسيدا لشعار ربط المسؤولية بالمحاسبة. ولا سبيل طبعا لذلك في بيئة إدارية موبوءة ينخرها الفساد، وتغيب فيها الإرادة الحقيقية للإصلاح، حيث لوبيات الفساد مُحصّنة، ومتى أزكمت روائح الفساد الأنوف وأضحت قضية رأي عام، فتحت التحقيقات وتشكلت لجان التقصي وصرفت فيها الأموال، وفي أحسن الأحوال تقدم الأسماك الصغيرة قربانا لاحتواء نبض الشارع وتتوارى الحيتان ردحا من الزمن قبل أن تتصدّر مشهد الإصلاح من جديد. وهذا دأب تدبير الشأن العام خلال عقود الاستقلال.

إنه لا سبيل للإصلاح ما لم يقطع دابر الفساد وتجفف منابعه بدءاً بوثيقة دستورية تفصل السلط، وتحرر القضاء من ربقة التعليمات، وتحدد الصلاحيات، وانتهاءً باعتبار الإرادة الشعبية مرجعا لأي سلطة أو تكليف وربط المسؤولية بالمحاسبة صدقا وحقا لا زيفا وزعما، وإلا فالمال العام مستباح ولا حُرمة له، ونزيف التقهقر في دركات البؤس والهشاشة والحرمان باق بقاء الطغيان.

طالع أيضا  الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمغاربة على ضوء الدستور والمواثيق الدولية