الطغيان، بما هو تسلط على رقاب الناس وإذلال لهم وتنغيص لمعيشتهم، ظاهرة متأصلة في الحياة البشرية، وهي تجل للصراع القديم والدائم بين الحق والعدل من جهة وبين الباطل والظلم من جهة أخرى. كما أنها تمثل أيضا انحرافا عن مبدإ العدل الذي أقام به الله عز وجل الحياة. لكن قدم الظاهرة وترسخها في الممارسة الانسانية لم يكسبها أبدا شرعية ولم يتح لها الرضى من قبل الناس. فقد ظلت دائماً تعبيرا عن اختلال في موازين العلاقات البشرية وأثارت على الدوام احتجاجات وثورات شعبية.

وقد اتخذ الطغيان في التاريخ البشري صورا متعددة واعتمد أدوات كثيرة لتكريس وجوده وتعميق الحاجة اليه، لكن أكثر هذه الوسائل استخداما وأشدها نجاعة ثلاثة هي:

* إفساد الذمم والقضاء على الفضيلة؛ لأنها عناصر تعطي قوة ومنعة وجرأة للشخصية الإنسانية، وتحاكم سلوك الحاكم واختياراته وتنزع عنه الشرعية الأخلاقية التي يحتاجها للتدليس على العامة. فانتشار الفساد يقتل الجرأة لدى الشعب على اتهام الحاكم أو إدانته بالفساد.

* زرع الفرقة من خلال تطبيق منطق فرق تسد، فليس أخطر على كل حاكم مستبد من التئام إرادة الناس واتحاد كلمتهم وتوحد هدفهم.

* التفقير وخلق الحاجة المعيشية المستمرة والشعور الدائم بالحرمان، لجعل المستضعفين محصورين في دائرة اللهث وراء الاستجابة للحاجة وإشباع ما هم محرومون منه ولو بما قل وهزل.

وإن تتبعنا الأنظمة المستبدة خلال التاريخ البشري الطويل ستجد أن هذه الوسائل، إضافة إلى أخرى بطبيعة الحال، هي أكثر أدوات الاستبداد حضورا وتوظيفا مهما اختلفت هذه الأنظمة المستبدة.

وقد اتخذ الطغيان في مجتمعاتنا المعاصرة صورا عديدة، لكن الآليات الثلاث المذكورة آنفا تظل حاضرة حيثما وجدت نظاما مستبدا. فتمنية المجتمع والرقي به ليس هدفا حقيقيا للمشاريع التي تنجزها هذه الأنظمة بل العكس هو الصحيح، ولو ألقينا نظرة على التاريخ المعاصر للمغرب، مثلا، نجد أن الستين سنة التي تلت خروج فرنسا المستعمرة من البلد عرفت عشرات المشاريع التنموية التي أنفقت عليها ثروات طاولة، لكن الحصيلة التي يعترف بها النظام المغربي نفسه ظلت دائماً كارثية مقارنة مع ما كان ينبغي أن يتحقق. فالكل، الآن، صار يعلم أن المشاريع التنموية كانت، ولا زالت، خاضعة باستمرار لمنطق الريع وشراء الولاءات من قبل المخزن. وهذا ما حَوَّل معظم تلك المشاريع إلى بؤرة فساد عطنة أزكمت كل الأنوف. وأكبر شاهد على هذا التشخيص هي المبادرة الملكية للتنمية البشرية التي سجلت بعد قرابة عقدين من الزمن من إهدار الأموال فشلا ذريعا اضطر النظام على لسان الملك، بعد توالي التقارير المحلية والدولية الفاضحة للوضع التنموي بالمغرب، للاعتراف به، فهل نحن بصدد فشل تقني أم سياسي؟

طالع أيضا  الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمغاربة على ضوء الدستور والمواثيق الدولية

لا جرم أن عجز النظام المغربي عن إنجاح نموذج تنموي، يقضي على الفوارق الطبقية والمجالية ويرسي أسس عدالة اجتماعية واستقرار مجتمعي حقيقي، مرده ليس إلى نقص الكفاءات أو عدم نجاعة البعد التقني للمشاريع، ولكن بالأساس إلى غياب الإرادة السياسية الصادقة والفعلية. ومن أهم تجليات غياب بل انتفاء هذه الإرادة لدى من يحكم المغرب، هو احتكار المشاريع التنموية من قبل المخزن ومن يدور في فلكه وعدم السماح بوجود أو تطور مجتمع مدني (جمعيات ومنظمات مستقلة) تشرف على مشاريع التنمية خارج دائرة سيطرته. فليس مسموحا بحرية العمل في هذا المجال، بل إن المخزن يحارب بشدة من ينافسه فيه. فمن يستطيع أن ينكر الحصار المضروب على المنظمات المستقلة التي تشتغل في مجال التنمية البشرية؟ في مقابل إعطاء الأسبقية لتلك التي تدور في دائرة المخزن وتتحرك وفق إملاءاته وارادته.

فكيف يتصور عاقل إمكانية أن يجمع النظام الحاكم وطبقته الفاسدة بين الهيمنة الخطيرة على خيرات البلد واحتواش ثرواته دون وجه حق ودون حسيب أو رقيب ويهربوها خارج البلد، والإشراف بأمانة وصدق على تنميته وإنقاذ شعبه من براثن الفقر والحرمان. لا شك أن القاعدة القائلة بأن “الطغيان يصنع الحرمان” قاعدة صحيحة منطقا وواقعا مبنى ومعنى. فلا يمكن للطغيان إلا أن يصنع الفقر والمرض والحاجة والبطالة والحرمان، لأنه بهذا يضمن أن يبقى الشعب في دائرة القطعان همه الأساس المرعى والأمان مرهونا لعطف وصدقة السلطان. ولا يمكن أن يتصور عاقل أن القضاء على الحرمان يمكن أن يتحقق بدون القضاء على الطغيان.