إعداد: هيئة التحرير

تحظى التنمية باهتمام مركزي عند مختلف الشعوب والأمم، ذلك أن النهوض بالبلد والسعي نحو تقدمه ورفعته هو هدف لكل شعب ولكل أمة، فهي أداة عملية تجسد ذلك الهدف وتكشف حقيقة الشعارات والوعود والخطط، والتي تظل كلاما نظريا مجردا إن لم تترجم إلى منجزات تظهر تحسنا ملموسا في مستوى أفراد المجتمع في التعليم والصحة وباقي القطاعات الحيوية، وهو ما أصبح يعتمد عبر مؤشرات التنمية التي باتت تعطي صورة واضحة عن واقع التنمية في مختلف بلدان العالم.

هذا الأمر سمح بعقد مقارنات دقيقة بين دول العالم المتعددة؛ فانتقل التقدم من مفهوم هلامي إلى مفهوم قابل للقياس يقدم الواقع دون مساحيق للتجميل بلغة الأرقام والإحصائيات، مما يقطع مع مراوغات المسؤولين وتدليسهم، وهو كذلك يساعد على التعرف على جوانب ضعف الدولة من أجل وضع خارطة طريق لمعالجتها سعيا منها للالتحاق بركب مصاف الدول المتقدمة هذا في حالة الدول الجادة في التغيير، أما بالنسبة للدول المتخلفة فهو يشكل إحراج بالغا لها ويعري زيف شعاراتها.

في هذا السياق فإن المغرب، إسوة بعدد من الدول التي تشبهه، شهد محاولات عديدة للتنمية، لكنها لم تحقق النتائج المرجوة والتي كشفت هزالة ما هو مقدم مقارنة بحجم ما أنفق عليه وبما علق عليها من تطلعات، وهو ما دفع الملك مؤخرا للإقرار بفشل نموذج المغرب التنموي، في حين نجد أن عددا من تلك الدول قد تمكنت من القفز بمسافات وخلفت المغرب وراءها، ما يطرح التساؤلات عن سر تعثرنا المزمن وشرودنا الدائم وقدرة الآخرين على استغلال فرص أقل مما أتيحت لنا وبموارد أدنى مما نتوفر عليه وإنجاز ما عجزنا عنه.

المحور الأول: تجارب تنموية ناجحة

يهمنا من خلال هذا العرض السريع التعرض لبعض التجارب التنموية التي عرفها العالم في النصف الثاني من القرن الماضي أي في عمر استقلال المغرب.

طالع أيضا  الشباب المغربي.. الضحية الأولى لتنمية فاشلة

النمور الآسيوية

من أبرز التجارب التنموية الناجحة تجربة تايوان وسنغافورة وهونج كونج وكوريا الجنوبية، والتي تُعرف بالنمور الآسيوية؛ إذ حققت نقلة نوعية من بلدان ترزح في الفقر إلى بلدان اقتصادية قوية ذات معدل نمو اقتصادي ضخم لا سيما في فترة الستينات والسبعينات. ففي الفترة ما بين عامي 1961 و1997 تضاعف الناتج المحلي الإجمالي لهونج كونج 180 مرة، أما سنغافورة التي تحقق حاليا الناتج المحلي الأعلى من بين هذه الدول الأربعة فقد تحولت إلى واحدة من أبرز مراكز صرف العملات في العالم، وبالنسبة لتايوان التي عرف نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي قفزة هائلة من 170 دولارا في الستينات إلى 22469 في 2015، وفي حالة كوريا الجنوبية البلد الزراعي فقد نما ناتجه المحلي بمعدل 10% سنويا في الفترة ما بين عامي 1962 و1995 وذلك بسبب تحوله إلى دعم الصناعات الحديثة مثل الإلكترونيات والروبوتات وتطوير البرمجيات.

تركيا

إلى حدود 2001 لم تكن تركيا تختلف عن محيطها من دول العالم الثالث، حيث كانت تعيش أوضاعا سياسية واقتصادية صعبة، لكن وبعد ذلك التاريخ الذي ستتغير فيه الخريطة السياسية في البلاد، حيث ستتم احترام الإرادة الشعبية لأول مرة بعد عقود من التدخل العسكري في شؤون السياسة، برزت تجربة انبثقت من الشعب ومن همومه فأدركت حاجياته الملحة وشرحتها تشريحا دقيقا، وهو ما مكنها من الشروع في إصلاحات عميقة جعلت الاقتصاد التركي يحقق متوسط معدل نمو 13% من 2002 وحتى 2012، وفي سنة 2014 ارتقى الاقتصاد التركي إلى المركز 17 على المستوى العالمي.

البرازيل

رغم ما كانت تكابده البرازيل من أوضاع اقتصادية واجتماعية مزرية، شأنها شأن باقي دول العالم الثالث، إلا أنها استطاعت أن تحقق نجاحات تنموية كبيرة لا سيما في فترة السبعينات، فقد سجلت معدل نمو يقارب 10% مما أعطى دفعة قوية لقطاع الصناعة وأنعش السوق المالية البرازيلية وحول هذا البلد إلى واحد من أهم المراكز الاقتصادية العالمية.

طالع أيضا  ومضات من واقع الحرمان

 

المحور الثاني: تجربة المغرب التنموية

في مقابل هذه التجارب الناجحة نستعرض تجربة المغرب التنموية منذ فجر الاستقلال إلى يومنا الحالي.

من 1960 إلى 2004

عرف المغرب بدوره سلسلة من المخططات التنموية التي غطت جل السنوات التالية للاستقلال إلى بدايات ما عرف بالعهد الجديد، لكنها اتسمت بالتعثر الدائم وضعف المردودية، وهو ما جعل المغرب يتخبط في دوامة من الإخفاقات المتواصلة الناجمة عن الخلل في التخطيط الذي لم يكن يستجيب لحاجيات البلاد الأساسية قدر ما كان انعكاسا لتوجهات خارجية مهيمنة على المغرب، كما أن تلك المخططات على علاتها عرفت إشكالات في التنزيل، حيث عانت من خروقات عديدة ومن غياب الجدية المطلوبة الشيء الذي سيدفع المغرب الرسمي للإقرار بوضع البلاد التنموي الهش.

المبادرة الوطنية للتنمية البشرية

رغم أن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي انطلقت في 2005، اختلفت عن مخططات الدولة السابقة بتركيزها بشكل مباشر على تحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية خصوصا لمن يعانون من الهشاشة ولمن هم في وضعية صعبة، وبعد أزيد من عقد على تطبيقها، فإنها لم تختلف عن باقي المشاريع الرسمية في مخرجاتها، وهو ما كشف عنه مؤشر التنمية البشرية لسنة 2018 الذي بوأ المغرب مرتبة جد متدنية فمن بين 189 دولة احتل المغرب الرتبة 123.

نموذج تنموي جديد؟

لا يترك النظام المغربي مسلك التمويه، فما بين المبادرة والمبادرة مبادرة جديدة، ولا بد لكل مرحلة من حزمة من الشعارات التي بها يسوق ذاته ويمتص الاحتقان الشعبي، والإعلان عن نموذج تنموي جديد يندرج في هذا الإطار. فما دامت السلطة لم تغير من مقاربتها فلا يمكن أن ننتظر منها نتائج مختلفة.

 

المحور الثالث: بين تجاربهم وتجربتنا

لعل أهم ما يمكن أن نستنبطه من هذه التجارب التنموية ومن غيرها أننا أمام تجارب تنتمي لبيئات مختلفة، وهو ما يعني أن تحقيق النجاح التنموي ليس مرتبطا بحتمية ثقافية مثلما كان يشاع. وهو كذلك ليس مرتبطا بوفرة الموارد بل بحسن تدبيرها، فجل التجارب التنموية الحديثة استخدمت موارد أدنى مما يملكه المغرب، ومع ذلك حققت نتائج مبهرة فيما يتحرك قطار التنمية المغربي بخطوات جد متثاقلة.

طالع أيضا  الفوسفاط يدر 52 مليار درهم في 2018.. والشعب يعاني الحرمان

كما يلاحظ أن جل تلك التجارب انطلقت بعد إصلاحات سياسية عميقة، أو في الحد الأدنى تحت قيادة سياسية وفرت الأرضية الملائمة لتفعيل تلك المشاريع التنموية، التي كانت تعبيرا عن إرادة مجتمعية، والتي تحلت بقدر عال من الشفافية، حيث تجندت كل أجهزة الدولة لتحقيق أهداف تلك المشاريع.

أما بالنسبة لنا فقد كانت بنية النظام التحكمية العائق الأبرز لنجاح أي مشروع، فذهنية الاستفراد بالقرار السياسي والاقتصادي جعلت جل مخططات الدولة غير واقعية ولا تستجيب لحاجات البلد لبعد صناعها عن استيعاب مشاكل المغرب الحقيقية، ناهيك عن عدم كفاءة بعضهم لأن الولاء للسلطة فقط هو ما بوأ الكثيرين منهم تلك المسؤوليات، كما أن الزواج بين المال والسلطة قد أدى بالفساد السياسي إلى اقتحام المجال الاقتصادي والاجتماعي، حيث تحولت السيولة الموفرة لإنجاز تلك المشاريع إلى شكل جديد من أشكال الريع ما جعلها تفقد وجهتها. هذا طبعا دون أن نتحدث عن التعقيدات البيروقراطية التي تعتبر من أكبر العوائق التي تساهم في إفشال أي مشروع.

يتضح مما سبق أن فشل النموذج التنموي المغربي هو تحصيل حاصل، ما دام صانع القرار مُصرّ على تسيير البلاد بذات الذهنية الاستحواذية التي حكمت المغرب طيلة الستين سنة، وهو ما يعني أن مخرجات أية عملية إصلاحية سيباشرها مستقبلا لن تختلف عن سابقاتها ولن يكون مصيرها إلا الفشل.