ريح من الغرب..

هل بلغ الأستاذ عبد السلام ياسين – مطلع ستينيات القرن العشرين، وهو لم يكد يتجاوز الخامسة والثلاثين من العمر – درجة عالية من التبحر ومن الغوص في الفكر، في مجال تخصصه التربوي على الأقل؟ وهل أضحت له آراؤه الخاصة المعتبَرة في مدارسه واتجاهاته وأقطابه؟ وهل أنتج من الأفكار، وهل أَثْرَتِ المكتبة التربوية بإنتاجاته الفكرية، بحيث نستطيع أن نطلق عليه صفة “المفكر التربوي”؟

على الرغم من الأمد الطويل بيننا وبين ذلك الزمن الذي مر عليه أكثـر من نصف قرن، وعلى الرغم من الجهود الحثيثة التـي بُذلت على مدى كل هذه السنوات الطوال لطمس مسار الرجل ومسيرته وعطائه وأثره وتراثه التربوي، فإننا سنحاول الإجابة عن السؤال أعلاه بما توفر لدينا من وثائق وشهادات.

لنتأمل أول شيء في المشارب التـي غذّت فكره التربوي، قبل أن نستقرئ ما بين أيدينا مما ذكرنا من وثائق وشهادات لننظر إن كانت تؤكد صفة “المفكر التربوي” أو تنفيها.

كان من المنطقي أن يكون تراث الفكر التربوي العربي الإسلامي أهم مشاربه بحكم الانتماء الجغرافي، وبحكم طبيعة التعليم الذي تلقاه في مدرسة المختار السوسي وفي معهد بن يوسف، وبحكم ما عرف عنه من سعة الاطلاع.

كان هذا هو المنطق.

غيـر أن شهادات تلامذته، وما بين أيدينا من كتبه التربوية التـي ألفها مطلع ستينيات القرن العشرين، كلها تشير إلى هيمنة المدارس التربوية الغربية على اهتمامه في تلك المرحلة من حياته.

كانت المدارس الفكرية والتربوية الفرنسية المشرب الأول الذي استقى منه فكره التربوي، بحكم أن اللغة الفرنسية كانت هي اللغة الأجنبية الأولى التـي أتقنها وتمكن منها، وبحكم التدريبات المختلفة التـي شارك فيها ابتداء من مدرسة المعلمين بالرباط في العام الدراسي 1947/ 1948م، وبحكم احتكاكه بالمستشرق الفرنسي غاستون دوفردان (Gaston Deverdun – 1906 /1979م)، أوائل خمسينيات القرن العشرين، بـثانوية ”سيدي محمد الإسلامية” (محمد الخامس حاليا) بباب أغمات بمراكش، إبان اشتغاله معه في ترجمة مخطوطات ونصوص عربية كان يحتاجها في إعداده لأطروحته للدكتوراه عن مدينة المرابطين. ثم فتح له تمكنه من اللغة الإنجليزية آفاقا رحبة ليتعامل مع المدارس التربوية الأنجلوسكسونية. دون أن ننسى أننا أمام رجل لا حد لنهمه في القراءة، ذي عقل نافذ لا تحجبه قشور ما يقرأ عن اللُّباب، ولا يستسلم لأفكارها ولا تنفذ هي إليه إلا بسلطان.

طالع أيضا  مجالس الإمام عبد السلام ياسين: هدية النور

وأكد الدكتور عبد الغني أبو العزم في شهادته لنا أن أستاذه «كان يلم بالمدارس التربوية وطرق التدريس إلماما كبيرا جيدا. وبواسطته وبعلمه وانفتاحه على هذه المدارس أصبح لنا إلمام بها. كان يستلهم من المدارس الغربية».

وفرق كبير بين أن يطلع الباحث العربي على المدارس الفكرية الغربية ويستلهم منها بعيدا عن التربة التـي نبتت فيها وخارج الأجواء والسياقات التـي نشأت فيها وبالاعتماد على المترجَم منها إلى العربية، ليس إلا، وبين أن يتسلحَ هذا الباحث بما أتقنه من اللغات الأصلية لتلك المدارس حتى بلغ فيها درجة “المعرفة” و”التذوق”، ثم يتشربَ فكر وروح هذه المدارس في موطنين اثنين من أكبر مواطنها: فرنسا والولايات المتحدة.

ونستطيع أن ندرك اهتمامه الكبير بالمدارس الفكرية والتربوية الغربية، ومدى تأثيرها فيه، من خلال ثلاثيته التربوية الفريدة.

(…)

تتمة المقال على موقع ياسين نت.