3   +   1   =  

إعداد: هيئة التحرير

يعرف المغرب فجوة طبقية بين أغنيائه القليلون وفقرائه الكثيرون لا تخطئها عين مهما كانت منحازة، بل وتؤكدها تقارير منظمات عالمية، ضمنها منظمة أوكسفام البريطانية، حيث صنفت المغرب، في تقرير لها بداية أكتوبر من السنة المنصرمة، في مراتب متأخرة على مستوى مؤشرات الحد من اللامساواة ومحاربة الفجوة الطبقية بين الأغنياء والفقراء، والإنفاق الاجتماعي على الصحة والتعليم، والسياسات الضريبية التي تضمن التوزيع العادل للثروة.
فمن أصل 157 دولة شملها التقرير احتل المغرب الرتبة 112 في مؤشر الإنفاق الاجتماعي على الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، والرتبة 101 في الأجور وحقوق العمال والعاملات، والرتبة 98 في مؤشر مكافحة اللامساواة ومحاربة الهوة ما بين الفقراء والأثرياء، والرتبة 78 على مستوى السياسات الضريبية التي تضمن التوزيع العادل للثروة.
ولعل نظرة متفقدة بسيطة تثبت ترابط هذه العناصر ببعضها، وتضافرها لا يمكن أن يؤدي إلا إلى حالة من الفقر والحرمان والهشاشة؛ فرفع يد الدولة عن القطاعات الحيوية التي تؤثر على حياة المواطن بشكل مباشر وتصون كرامته وتضمن له حقوقه، من قبيل الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية، رفع لكفالة الدولة عن شعبها فيصبح المواطن كذلك اللقيط الذي ولدته أمه ثم رمت به إلى الشارع، لا يستطيع التطبيب ولا التعليم ولا ولوج الخدمات إلا من امتلك القدرة المادية، في حين يعيش من لا يستطيع ذلك الإهمال والتهميش والحرمان، ولا يخفى ما ينتج عن تردي هذه القطاعات بالضبط من عوامل إفساد أفراد المجتمع، وهو ما تعج الأخبار اليومية بتجلياته.
فإن أضيف إلى هذا المعطى التراجع الذي تحدث عنه التقرير في الأجور وحقوق العمل والعاملات فلا مناص تستعصي الحالة أكثر، حيث الموارد التي يمكن أن يكفل بها المواطن قوت يومه تصبح موجهة بالإضافة إلى ذلك إلى تغطية مصاريف التعليم والتطبيب والخدمات، وهو ما ينهك كاهل الطبقة المتوسطة بله المعوزة، ويجر الأولى للالتحاق بالثانية، وهو ما لوحظ فعليا في السنوات الأخيرة مع الزيادات المطردة في الأسعار وفي الخدمات مما أدى إلى سحق الطبقة المتوسطة وإلحاقها بالطبقات الفقيرة، وبالتالي ظهور تقاطب مجتمعي تزداد الهوة بين ضفتيه يوما عن يوم.
وهنا ينضاف المعطى الثالث، الذي سجل فيه المغرب نكوصا أقره ذات التقرير، وهو مؤشر مكافحة اللامساواة ومحاربة الهوة ما بين الفقراء والأثرياء؛ فمع اتساع هذه الهوة تلقائيا نتيجة تفشي البطالة واستقرار الحد الأدنى للأجور ورفع الدولة يدها عن المرافق الضرورية يصبح من الصعب عليها محاربة هذا الفرق والعمل على تقريب الضفتين، وأنى لها ذلك مهما حاولت، وهو ما أكده بالملموس فشل السياسات التنموية في العالمين القروي والحضري وإقرار أعلى السلطات بذلك، ذلك أن الأساس الذي تنبني عليه أي سياسة للتقريب بين الفئتين تم كسره، فكيف يمكن البناء على غير أساس مهما تفتقت عبقرية المسؤولين؟
تتضافر كل هذه العوامل لتدق مساميرها في نعش التنمية، ويُغلَق على أصحابها بإحكام عندما ينضاف المسمار الأخير، الذي هو السياسات الضريبية التي من المفروض فيها أن تضمن التوزيع العادل للثروة، فعندما يصبح ذوو النفوذ السياسي هم أرباب المال والأعمال، لا يستطيع كائنا من كان أن يلزمهم بأداء ضريبة أو أن يحاسبهم على تركها، ولا تشكل المداخيل الضريبية إلا من عائدات الشركات المتوسطة والصغرى، حيث لا نفوذ لأصحابها يحميهم، ويضيق عليهم الخناق، وقد يتمادى المسؤولون فينحون نحو الرفع من هذه الضريبة كحل لملء صناديق الدولة، كما حصل مؤخرا، مما يؤدي إلى إضعافها لا محالة مع الوقت، وكم نسمع ونرى شركات تفلس وتغلق أبوابها في وجه العاملين دون أداء مستحقاتهم.
هي ظلمات بعضها فوق بعض، يعيشها المواطنون ويعترف بها المسؤولون وتؤكدها التقارير الدولية، ولا إرادة سياسية حقيقة تلوح في الأفق من أجل تدارك ما يمكن تداركه، حتى إذا سئم الناس وفاق ما يحملون قدراتهم وخرجوا للاحتجاج كان مصيرهم الضرب والسجن وأحيانا القتل. فإلى أين؟

طالع أيضا  الرجز جزاء الرجس