إذا طغى الإنسان حرم نفسه وحرم غيره، لأن الطغيان يولد الحرمان. حرمان المستضعفين من حقوقهم المادية والمعنوية التي استبد بها الطغاة المستكبرون، وحرمان هؤلاء من آدميتهم وإنسانيتهم التي تمنح لوجودهم معنى، ثم يتبعه حرمان أكبر في المعاد لمن تجبر واستكبر وطغى. 

سلسلة منتظمة من الأسباب والنتائج، نجد لها تفصيلا دقيقا في القرآن الكريم، مبدؤها اختلال في القيم والتربية، ووجود قابلية للفساد في الواقع وفي النفوس… ثم ينشأ الطغيان. طغيان الفرد أو الجماعة التي تحس بأن لها أفضلية على غيرها، حيث تسمح لنفسها بتكديس الثروات ولو على حساب الآخرين وممتلكاتهم، فيزداد طغيانها بخنوع المستضعفين وغياب الممانعة منهم، ليشمل الفكر والرأي والتعبير والعقيدة والعاطفة والوجدان. يطغى الزوج أو الزوجة على الأسرة، ورب العمل على العمال، والرئيس على المرؤوسين، والأستاذ على التلاميذ، والحاكم على المحكومين، والكبير على الصغار… وكل ذي نفوذ أو سلطة على من دونه.

وللطغيان سببان أساسيان:

أولهما: مواصفات ذاتية في الإنسان تنمو فتتجاوز حدها الطبيعي. منها الطمع في الزعامة وفي الهيمنة، والرغبة في إشباع نزوات النفس وحب التملك والسيطرة. وإذا ما قل المنافس بين الأقران تهيأت الأجواء للغرور والاستقواء على الضعفاء، وانتقاء الخانعين الطامعين المتملقين منهم لتشكيل دوائر التحصين ضد كل متمرد محتمل. 

وثانيهما: وجود قابلية الخضوع في المجتمع، قال تعالى في فرعون وقومه: استخف قومه فأطاعوه، إنهم كانوا قوما فاسقين. استعداد الإنسان ليتنازل عن حقوقه وكرامته واستقلاله وعقله وفكره وصوته، ليكون تابعا خاضعا خانعا راكعا صامتا ومساندا، نفاقا من دون اقتناع داخلي بهذا المسار، مقابل لقمة العيش يوفرها له الطاغية، وأن يأمن شره وبطشه… لما دعا موسى عليه السلام قومه للخروج من مصر فرارا من بطش فرعون وبحثا عن العزة والكرامة، قالوا له: أدع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض، من بقلها وفومها وعدسها وبصلها… عندما يصبح البقل والفوم والعدس والبصل أولى من الكرامة يستأسد الطغيان.

طالع أيضا  د. منار: لا يوجد بالمغرب نموذج للنمو modèle de croissance فبالأحرى نموذج للتنمية modèle de développement

ومن لا يحب صعود الجبال ** يعش أبد الدهر بين الحفر

ومن مآلات الطغيان:

التوسع والتمدد بلا حدود: حيث يتمدد الطغيان إلى أن يعتبر الطاغية الأرض ومن عليها ملكا له. أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي، وبعد مصادرة الأملاك وتسييجها وتحصينها… تأتي مصادرة الفكر والرأي والتعبير والعقيدة: ما أريكم إلا ما أرى، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد، ويمنع على الغير أن يفكر خارج الصندوق الذي يضعه الطغيان للعقول والأفهام…لأن كل تفكير حر قد يولد ثورة تهدد مصالح الطغيان. لذلك لا يتردد الطغاة في تصفية كل خطاب شاذ عن معزوفتهم التي ترددها نفاقا جوقة الآكلين من فتات موائدهم. فالنمرود قال لطواقمه ردا على ابراهيم عليه السلام: حرقوه وانصروا آلهتكم، إن كنتم فاعلين وفرعون قال ذروني أقتل موسى وليدع ربه، إني أخاف أن يبدل دينكم وأن يظهر في الأرض الفساد… وأحد فراعنة هذا العصر قال لهم: “من ليس معنا فهو ضدنا”.

جنون العظمة:

من نتائج الطغيان جنون العظمة الذي يصاب به الطغاة، حين يصبحون مصدرا من مصادر التشريع، فيسنون من القوانين ما يتيح لهم السلطة المطلقة التي لا يسأل صاحبها عما يفعل، والآخرون كلهم يسألون. فسلطة لا يسأل صاحبها، وممتلكات لا يقال له من أين لك كل هذا؟ وضع غير سليم، ومن سمح به لنفسه فقد نصب نفسه إلها والآخرون له عبيد. ويتلو ذلك بذخ أحمق، ورفاهية جنونية، واستبداد لا حد له، وحياة تفقد المعنى في نهاية أمرها… ويصبح أصحابها في حالة من الجنون، لكن لا أحد يستطيع أن ينبههم لذلك. إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى … كان أحد حكام العرب يدعي أنه ملك ملوك إفريقيا، وأمير المسلمين في العالم، وانتهى به المطاف في قناة من قنوات الصرف الصحي خرج منها ليلقى حتفه كالجرد…. بعدما حرم شعبا بأكمله من أبسط حقوقه زهاء أربعين سنة، وهو يرفل في بذخ أحمق. قال الأمام علي كرم الله وجهه: “ما جاع فقير إلا بما متع به غني، وما رأيت نعمة موفورة إلا وإلى جانبها حق مضيع، وإنما يؤتى خراب الأرض من إعواز أهلها”.

طالع أيضا  الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمغاربة على ضوء الدستور والمواثيق الدولية